“خربشات ليلية خريفية”…ماريا حنا

منبر العراق الحر :
عند محطة القطار
كان رجل مسن يمسح زجاج نافذته بمنديل قديم
ينتظر قطارا تأخر ثلاثين عاما
في يده تذكرة صفراء
وفي جيبه صورة امرأة ماتت قبل أن يصل
كلما صفّر القطار
نهض واقفا
ثم جلس
كأن قلبه وحده
لم يتعلم بعد أن بعض الرحلات
لا عودة لها
وفي مقهى صغير على طرف المدينة
كانت فتاة تكتب رسالة على منديل ورقي
خارج الزجاج
كانت الأوراق تدور مع الريح
وفي الداخل كان فنجان القهوة يبرد ببطء
كتبت اشتقت إليك أيها الغريب
ثم نظرت إلى الجملة طويلا
ومزقتها
بعض الكلمات مثل بعض الأحبة
تصبح أجمل
حين لا تصل
وفي حديقة مهجورة
كان طفل يركض خلف أوراق الشجر
يجمعها في كفيه
ويعيدها إلى الأرض
سألته أمه
لماذا تفعل ذلك
ضحك وقال
لأنها حزينة وحدها
ابتسمت الأم
وأدركت متأخرة
أن الأطفال يعرفون عن الفقد
ما نعجز نحن الكبار عن قوله
وفي غرفة بيضاء بالمستشفى
كانت امرأة مسنة تفتح النافذة كل صباح
يدخل الهواء البارد
فتهتز الستارة
وتسقط ورقة صفراء على حافة السرير
كانت تضعها تحت وسادتها
وتقول للممرضة
لا تزيليها
إنها تذكرني أن الأشياء
تستطيع أن تعيش قليلا
حتى بعد أن تسقط
وعلى سطح بيت قديم
كان شابّ يعلق معطف أبيه الراحل
بعد أن غسله للمرة الأولى
ظل العطر عالقا في القماش
فأخفى وجهه فيه للحظة
ثم علقه تحت المطر
كان يعرف أن المطر سيغسل الرائحة
ومع ذلك تركه هناك
لأن بعض الذكريات
لا نريد لها أن تبقى
ولا نملك الشجاعة كي نقتلها
وفي شارع ضيق آخر الليل
كانت امرأة تحمل مظلة حمراء
وتمشي عكس اتجاه المطر
لم تكن تهرب منه
كانت ذاهبة إلى بيت لم يعد ينتظرها
وحين وصلت
وجدت المفتاح
في جيب معطفها
لكن الباب كان قد تغير
وقفت طويلا
ثم وضعت المفتاح على العتبة
وتركت الريح تكمل عنها
ما لم تستطع قوله
هكذا يمضي الخريف..
لا يأتي بحكاية واحدة
بل يدخل المدينة من ألف باب
في محطة يذكر رجلا بامرأة
وفي مقهى يعلم فتاة الصمت
وفي حديقة يمنح طفلا لعبة من الأوراق
وفي مستشفى يترك ورقة على وسادة
وفي بيت قديم
يمحو المطر رائحة أب من معطف ابنه
ولذلك لا تحزن على من تغير
ربما كان قلبه شجرة أخرى
جاء خريفها قبل خريفك
اتركه يسقط كما تسقط الأوراق
بلا ضجيج
بلا عتاب
بلا محاولة لإقناع الريح
أن تعيد ما أخذته
فالأشياء التي كتب لها أن ترحل
لا تنفع معها اليدان
والأشياء التي تشبه الربيع
تعرف وحدها
متى تصل

اترك رد