أمريكا تنسحب من العراق.. لكن ماذا عن كوردستان؟ مهند محمود شوقي

منبر العراق الحر :في الثلاثين من أيلول، تدخل العلاقة العسكرية الأميركية مع العراق مرحلة جديدة مع انتهاء مهمة التحالف الدولي، بعد أكثر من عقد على عودته إلى البلاد لمحاربة تنظيم داعش. القرار ليس وليد الحرب الأميركية الإيرانية الحالية، بل يعود إلى تفاهمات سابقة بين بغداد وواشنطن. لكن توقيت التنفيذ يفرض سؤالاً أكبر من مجرد موعد انسحاب القوات: هل تغيرت البيئة الأمنية التي بُني عليها قرار الانسحاب؟
العودة إلى 2011 تبدو ضرورية لفهم القلق الحالي.
انسحبت القوات الأميركية من العراق في نهاية ذلك العام، ولم يدخل داعش البلاد في اليوم التالي. لكن السنوات الثلاث التي تلت الانسحاب شهدت ضعفاً متزايداً في المنظومة الأمنية، وتنامياً للأزمات السياسية والطائفية، واستفاد تنظيم الدولة الإسلامية من هذه البيئة ليعيد بناء قدراته. وفي يونيو 2014، سيطر التنظيم على الموصل ومساحات واسعة بلغت نحو ثلث العراق، قبل أن تعود الولايات المتحدة عسكرياً إلى البلاد ضمن التحالف الدولي. وتربط دراسات أميركية بين الانسحاب وضعف القوات العراقية وبين البيئة التي سمحت للتنظيم بإعادة الصعود، مع التأكيد أن الانسحاب لم يكن العامل الوحيد.
اليوم لا أحد يستطيع القول إن التاريخ سيتكرر بالطريقة نفسها. داعش لم يعد القوة التي كان عليها عام 2014، والقوات العراقية تطورت، كما أن طبيعة التهديدات تغيرت. لكن تجربة 2011 تترك درساً بسيطاً: الانسحاب العسكري لا يعني بالضرورة انتهاء المخاطر، وإذا لم توجد منظومة قادرة على ملء الفراغ فقد يصبح الفراغ نفسه مشكلة.
وهنا تأتي كوردستان.
العلاقة الأميركية مع كوردستان ليست ابنة عام 2003. فمنذ 1991، وبعد الانتفاضة الكوردية وأزمة النزوح الواسعة، كانت الولايات المتحدة القوة الرئيسية في عملية «توفير الراحة»، التي تحولت لاحقاً إلى «المراقبة الشمالية»، وفرضت منطقة حظر جوي شمال العراق حتى 2003. تلك العمليات لم تكن مجرد مهمة عسكرية؛ فقد وفرت مستوى من الحماية سمح للمجتمع الكوردي بإعادة تنظيم حياته السياسية وبناء مؤسساته في تسعينيات القرن الماضي.
وعندما سقط النظام عام 2003، لم تدخل كوردستان العراق الجديد بوصفها منطقة تنتظر موقعها في النظام السياسي، بل بوصفها شريكاً رئيسياً في صياغته.
كان للكورد حضور مؤثر في الجمعية الوطنية الانتقالية وفي مفاوضات الدستور، وأصبح الفيدرالية أحد أعمدة النظام الجديد. ويشير الرئيس نيجيرفان بارزاني نفسه إلى أن القوى الكوردية شاركت في تشكيل العراق الجديد وكتابة دستوره وترسيخ حقوق إقليم كوردستان.
لذلك تبدو العلاقة اليوم أكثر تعقيداً من سؤال: لماذا تنسحب أمريكا؟
السؤال هو: ماذا ستترك وراءها؟
فالولايات المتحدة كانت حاضرة في ولادة العراق الجديد، لكن النظام الذي نشأ بعد 2003 لم يستكمل حتى الآن بعض أبرز الاستحقاقات الدستورية بين بغداد وأربيل.
المادة 140 بقيت دون تنفيذ وفق الآلية والجدول الزمني اللذين نص عليهما الدستور. وملف النفط والغاز الاتحادي ظل بلا قانون اتحادي شامل يحسم العلاقة بين المركز والأقاليم والمحافظات المنتجة، بينما بقيت قضية رواتب وقانونية وضع قوات البيشمركة جزءاً من الخلافات المستمرة بين بغداد وأربيل.
هذه ليست ملفات هامشية. إنها تمس جوهر الدولة الاتحادية التي نص عليها الدستور.
والسؤال هنا ليس تحميل واشنطن مسؤولية كل خلاف عراقي، فتنفيذ الدستور مسؤولية المؤسسات العراقية قبل أي طرف آخر. لكن من المشروع التذكير بأن الولايات المتحدة كانت القوة الدولية الأكثر تأثيراً في مرحلة تأسيس النظام الجديد، وأنها لا تستطيع النظر إلى استقرار هذا النظام باعتباره مجرد قضية عراقية داخلية بعدما كان جزءاً من مشروعها السياسي في العراق.
ثم جاءت حرب داعش لتمنح هذه العلاقة بعداً آخر.
البيشمركة لم تكن متفرجاً على انهيار أجزاء من المنظومة الأمنية العراقية عام 2014. كانت في خطوط المواجهة، ودفعت ثمناً بشرياً هائلاً. وبحسب رئاسة إقليم كوردستان، استشهد أكثر من ألفي بيشمركة وأصيب أكثر من عشرة آلاف خلال الحرب ضد داعش.
كان ذلك قتالاً من أجل كوردستان، لكنه كان أيضاً قتالاً لمنع داعش من التمدد داخل العراق والمنطقة.
واليوم، بينما تستعد الولايات المتحدة للانسحاب، تواجه كوردستان نوعاً مختلفاً من الخطر.
منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في 28 شباط 2026، وثقت Community Peacemaker Teams 751 هجوماً في إقليم كوردستان خلال ثلاثة أشهر، بينها هجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ والقصف المدفعي، أدت إلى مقتل 22 شخصاً وإصابة 112. وكان أكثر من ثلاثة أرباع الهجمات في محافظة أربيل.
كوردستان لم تكن طرفاً في هذه الحرب، لكنها دفعت جزءاً من ثمنها.
وهنا يصبح القلق الذي عبّر عنه رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني مفهوماً: إذا كان الوجود الأميركي يتراجع في الوقت الذي تتعرض فيه كوردستان لمخاطر صاروخية ومسيّرات وصراع إقليمي، فمن سيؤدي وظيفة الردع ومن سيضمن عدم تحول الإقليم إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات؟
المشكلة ليست في مطالبة أمريكا بالبقاء إلى الأبد. لا توجد دولة تستطيع بناء أمنها على وجود قوة أجنبية إلى ما لا نهاية.
المشكلة هي التوقيت والبديل.
إذا كانت واشنطن ترى أن العراق بات قادراً على تحمل مسؤولية أمنه، فعليها أن تساعد في ضمان أن تكون هذه القدرة شاملة، وأن تشمل كوردستان والبيشمركة، وأن تنتقل العلاقة من الوجود العسكري المباشر إلى شراكة أمنية حقيقية في التدريب والاستخبارات والدفاع الجوي وحماية المجال الحيوي.
فما تحتاجه كوردستان اليوم ليس بالضرورة مزيداً من الجنود الأميركيين، بل قدرة على حماية نفسها ضمن دولة اتحادية مستقرة.
وهنا يعود ملف الدستور إلى الواجهة.
لا يمكن بناء عراق اتحادي مستقر بينما تبقى المادة 140 معلقة، وملف النفط والغاز بلا تسوية تشريعية نهائية، والعلاقة بين القوات الاتحادية والبيشمركة عرضة للأزمات السياسية والمالية. ولا يمكن مطالبة كوردستان بأن تتحمل مسؤولياتها الأمنية بينما تظل قدراتها الدفاعية الثقيلة محدودة أمام تهديدات الصواريخ والمسيّرات.
لقد كان الكورد شركاء في بناء العراق الجديد، وليسوا ضيوفاً فيه. وكانوا من القوى التي ساهمت في صياغة النظام الاتحادي، ثم دفعوا ثمناً كبيراً في الدفاع عنه عندما ظهر داعش.
لذلك فإن الانسحاب الأميركي ينبغي ألا يكون مجرد عملية إخراج قوات.
ينبغي أن يكون انتقالاً مسؤولاً من مرحلة إلى أخرى.
أمريكا تستطيع أن تنسحب عسكرياً، لكن عليها ألا تنسحب من الشراكة السياسية والأمنية التي بنتها خلال عقود. وبغداد تستطيع أن تؤكد سيادتها، لكن السيادة لا تكتمل إلا بدولة قادرة على حماية جميع مكوناتها وتنفيذ دستورها.
أما كوردستان، التي عاشت تجربة الحماية الأميركية منذ 1991، ثم شاركت في بناء عراق ما بعد 2003، وقاتلت داعش وسقط لها أكثر من ألفي شهيد، فلا ينبغي أن تجد نفسها في نهاية هذه الرحلة أمام فراغ أمني جديد.
في 2011 خرجت القوات الأميركية، وبعد ثلاث سنوات وصل داعش إلى الموصل.
اليوم لا أحد يقول إن داعش سيعود بالطريقة نفسها. لكن التاريخ لا يقدم ضمانات، بل يقدم أسئلة.
والسؤال الذي يجب أن يسبق الانسحاب هذه المرة ليس: متى تغادر أمريكا؟
بل: هل أصبح العراق، بكل مكوناته، مستعداً فعلاً لغيابها؟

اترك رد