«مهلة رضائي».. هل تستدعي «الخلايا المجهرية»؟ حين يبحث التصعيد عن أرخص جغرافيا…الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :…..باحث في الشأن السياسي والإستراتيجي….

انتهت مهلة محسن رضائي التي وضعها أمام واشنطن، وانتهى معها السؤال عن الأيام الأربعة أو الخمسة. فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفض المقترح الإيراني المرتبط بإعادة فتح مضيق هرمز، فيما تمسكت طهران بأن الدبلوماسية لم تُغلق بعد، وأن الوسطاء لم ينقلوا إليها رفضًا أميركيًا نهائيًا بصورة رسمية. وهنا لم تعد «مهلة رضائي» مجرد ساعة معلّقة فوق طاولة التفاوض في نيويورك، بل أصبحت مدخلًا إلى سؤال أصعب: ماذا يفعل الحرس حين تنتهي الساعة ولا تأتي الصفقة؟ وأين يضع كلفة الرفض، وبأي يد؟

وكان رضائي قد قال إن واشنطن أمام أربعة أو خمسة أيام لتنفيذ الشروط الإيرانية كاملة، وإن هرمز لن يُفتح ولن يستمر التفاوض إذا لم تتحقق تلك الشروط، لكنه ترك ما سماه «الخطوة التالية» من دون تعريف.

غير أن رضائي فتح بالتوازي جغرافيا أخرى. فمع انتقال الضغط الأميركي إلى الطيران الإيراني، لم يعد المنطق الإيراني محصورًا في الدفاع عن شركة طيران أو خط ملاحي، بل أخذ يتجه إلى فكرة أوسع: ألا تبقى كلفة الحصار إيرانية منفردة، بل تتحول إلى كلفة إقليمية مشتركة. وهنا تصبح الجغرافيا نفسها جزءًا من الرد، لا مجرد مسرح له.

♦️ أغلى الأوراق قد لا تكون أولها

وهنا تبدأ المفارقة. هرمز هو أقوى ما تملكه إيران، لكنه قد يكون أيضًا أغلى ما يمكن أن تستخدمه في التصعيد. فالمضيق أصبح جزءًا من المقايضة نفسها؛ والمحادثات الأخيرة دارت حول ترتيبات مرحلية تعيد فتحه في مقابل تخفيف الضغط والحصار الأميركي، فيما لا يريد أي من الطرفين التخلي أولًا عن ورقته الأساسية.

وجاء رفض ترامب للمقترح الإيراني ليؤكد أن المقايضة لم تنضج بعد، لكنه لم يُخرج هرمز من طاولة التفاوض؛ بل قد يزيد قيمته كورقة ضغط. فالورقة التي لم تُقبل شروط استخدامها قد تصبح أكثر إغراءً للاحتفاظ بها من استهلاكها سريعًا في الميدان.

ولذلك فإن تحويل هرمز من ورقة تفاوض إلى ميدان تصعيد جديد يعني استهلاك أهم أصل تفاوضي إيراني، وفوق ذلك فإن اليد الإيرانية ستكون ظاهرة كاملة أمام واشنطن.

إذا كان هذا الحساب صحيحًا، فإن السؤال يتغير من: ما أقوى رد تستطيع إيران تنفيذه؟ إلى: ما أرخص رد يستطيع الحرس أن يجعل كلفته محسوسة، من دون أن يمنح واشنطن عنوانًا واضحًا لضرب إيران مباشرة؟

وهنا فقط ينبغي أن نضع الأدوات في الميزان.

♦️ الكبار أصبحوا أكثر ظهورًا

الفصائل العراقية المعروفة تمتلك قدرة وحضورًا وبيئة سياسية، وقد بدأ بعضها أصلًا برفع الكلفة السياسية للحظر على الحكومة العراقية عبر خطاب يعتبر الامتثال للضغط الأميركي رضوخًا لواشنطن. لكن ما يصلح للضغط السياسي في الداخل ليس بالضرورة الأداة الأرخص للفعل المسلح في الخارج.

فبعد الهجوم على البترولاين السعودي وما أعقبه من ارتفاع مستوى الاتهام والضغط على الفصائل العراقية، أصبحت العلامة الفصائلية الكبيرة أكثر ظهورًا، وأصبحت المسافة بين الفعل والفاعل أقصر مما كانت عليه. كما أن إعادة تشغيل خط الشرق–الغرب السعودي بعد الهجوم أعادت تأكيد حساسية هذه البنية بوصفها بديلًا جزئيًا عن هرمز.

وهنا لا يعني استبعاد الواجهة الفصائلية استبعاد البيئة البشرية الموجودة داخلها. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن التحول الذي وثقته Reuters في يونيو قام أصلًا على انتقاء مجموعات صغيرة من البيئة الفصائلية العراقية، مع تجاوز هياكل القيادة التقليدية وربطها بصورة أكثر مباشرة بالحرس الثوري. الوكالة نسبت معلوماتها إلى ثمانية مصادر عراقية، ووصفت خلايا سرية صغيرة في جنوب العراق تعمل خارج البنية المعتادة للفصائل.

♦️ الحوثيون: الذراع البعيدة الجاهزة

أما الحوثيون فلا يحتاجون إلى بناء أداة جديدة؛ القدرة موجودة والجغرافيا موجودة والساحة مفتوحة أصلًا. وقد استمرت خلال الأسابيع الأخيرة الهجمات والتهديدات على الجبهة اليمنية–السعودية، في وقت أصبح فيه البحر الأحمر وباب المندب جزءًا متصلًا بحسابات هرمز والطاقة والحرب الإقليمية.

لكن للحوثيين مشكلة معاكسة: سهولة معرفة الفاعل. قد يبقى مقدار التوجيه الإيراني لكل عملية موضع إثبات، لكن هوية المنفذ لا تختفي طويلًا. ومن ثم يوفر الحوثي بعدًا جغرافيًا مناسبًا للدفاع الأمامي، لكنه لا يوفر بالضرورة أعلى درجات الإنكار.

♦️ ثم يأتي «الصغار»

هنا نصل إلى ما أسميناه «الخلايا المجهرية»

ليست الفكرة ميليشيا تقليدية جرى تصغير عدد أفرادها؛ بل تصغير البنية وتكثيف الوظيفة: عدد أقل، سلسلة قيادة أقصر، ظهور أضعف، مهمة محددة، ومسافة أكبر بين العنصر المنفذ والاسم السياسي الكبير الذي يمكن تحميله المسؤولية.

والمثير أن Reuters وثقت قبل ثلاثة أشهر جوهر هذا النموذج من دون أن تستخدم مصطلحنا: خلايا سرية صغيرة في جنوب العراق، مرتبطة مباشرة بالحرس، قالت مصادر الوكالة إنها استُخدمت في هجمات على دول خليجية مع تجاوز البنية التقليدية للفصائل وتخفيض احتمالات الكشف والإسناد.

وهنا يمكن اختصار ميزان الأدوات كله في سطر واحد:

هرمز أقوى الأدوات وأغلاها؛ الفصائل العراقية أقربها لكنها باتت أكثر انكشافًا؛ الحوثيون أبعدها جغرافيًا وأوضحها هوية؛ أما «الخلايا المجهرية» فتكمن قيمتها في العكس تمامًا: أن يكون الفعل حاضرًا والفاعل غائبًا، وأن تصل الكلفة قبل أن تصل المسؤولية.

♦️ أربيل.. حين تتراكم الجغرافيا

وهنا تستحق أربيل أن توضع داخل دائرة المراقبة، لا داخل دائرة الاتهام أو التنبؤ. ولا يعني ذلك أن أربيل ستُستهدف؛ لكن تجاهلها في تقدير المخاطر سيكون تجاهلًا لتراكم الجغرافيا.

فهي ليست مجرد نقطة طيران في إقليم كردستان، بل مساحة حساسة أصلًا في الاشتباك الإيراني–الأميركي. وعندما تجتمع ذاكرة الاحتكاك، والحساسية الأميركية، وضغوط الطيران والحصار، ترتفع أهمية المكان في ميزان الاحتمالات حتى من دون معلومة عن عملية وشيكة.

♦️ الدفاع الأمامي.. بأصغر بصمة

وهنا تظهر فلسفة ما يمكن تسميته، تحليليًا، «بروتوكول الدفاع الأمامي»: ليس المطلوب بالضرورة نقل الحرب إلى ساحة أخرى، وإنما نقل كلفة الضغط بعيدًا عن الجغرافيا الإيرانية نفسها.

كلما كان الرد إيرانيًا مباشرًا، كانت الرسالة أوضح، لكن ثمنها أعلى. وكلما انتقل إلى ذراع معلنة، انخفضت الكلفة المباشرة على إيران ولكن بقيت هوية المنفذ ظاهرة. وكلما صغرت البنية المنفذة واقتربت من النموذج الخلوي، انخفضت البصمة وازدادت مساحة الإنكار.

وهنا يقع الحرس أمام معضلة دقيقة:

الردع يحتاج أن يعرف الخصم مَن أرسل الرسالة، بينما الإنكار يحتاج ألا يستطيع إثبات ذلك.

وهذه تحديدًا هي المنطقة الرمادية التي يمكن أن تمنح «الخلايا المجهرية» قيمتها الاستراتيجية: أن يفهم الخصم الرسالة سياسيًا، لكنه يواجه صعوبة أكبر في تحويل فهمه إلى ملف إثبات يسمح برد مباشر على الدولة الراعية.

♦️ بعد أن انتهت الساعة

انتهت مهلة رضائي، وسقط المقترح الإيراني في صيغته التي رفضها ترامب، لكن الأزمة لم تدخل حتى الآن تسوية نهائية ولا مواجهة نهائية. وبقيت طهران تقول إن الوسطاء لم يبلغوها رفضًا أميركيًا رسميًا نهائيًا، فيما تحدث ترامب نفسه عن إمكان استمرار المحادثات.

وهكذا بقي السؤال الذي حاولت المهلة حسمه حاضرًا:

كيف تُرفع كلفة الرفض من دون الانتقال إلى حرب مباشرة أوسع؟

ولهذا فإن انتهاء المهلة لا يعني أن «الخلايا المجهرية» ستخرج من الظل، ولا يمنحنا الحق في نسبة أول مسيّرة مجهولة إليها. لكنه يجعل إدخالها في ميزان الاحتمالات أكثر جدية مما كان عليه قبل أيام؛ لأن العقل الذي يريد فرض كلفة ولا يريد منح خصمه عنوانًا واضحًا للحرب سيبحث، قبل القوة الأكبر، عن الجغرافيا الأرخص والبصمة الأصغر.

والسؤال الآن لم يعد: ماذا سيفعل رضائي بعد انتهاء الأيام الخمسة؟ بل:

ماذا ستختار المنظومة التي يقف رضائي في قلب تاريخها عندما لا تكفي المهلة وحدها لتغيير القرار الأميركي؟

هل يبقى هرمز ورقة على الطاولة، لأن استهلاكه في الميدان أغلى من الاحتفاظ به للتفاوض؟

هل ترفع الفصائل الكبيرة كلفة الحظر سياسيًا داخل العراق؟

هل ينتقل الضغط عبر ساحات أكثر بعدًا؟

أم تبدأ المنطقة الرمادية التي صُممت من أجلها البنى الصغيرة في اكتساب قيمة أكبر؟

لا نملك جوابًا مسبقًا، وهذا هو جوهر الاستشراف لا نقصه. فنحن لا نبحث عن اسم هدف ولا عن ساعة فعل، بل عن منطق الاختيار قبل أن يكشف نفسه في الجغرافيا.

انتهت المهلة.
رُفض العرض.
وبقيت الجغرافيا.

وقبل أيام قلنا:

لم نفتح الدرج بعد.

أما اليوم، وبعد انتهاء المهلة ورفض العرض، فالأدق أن نقول:

الدرج لم يعد مغلقًا.

فتحناه بما يكفي لنرى ما بداخله…

لكننا لم نُخرج «خلايا الأشباح» منه بعد.

فإذا تحركت الجغرافيا وظهرت القرينة…

عندها فقط نفتح الدرج كاملًا.

28 أيلول / سبتمبر 2026

اترك رد