«الهندسة المؤسساتية للدولة المزدوجة في العراق» ….الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :    المشروع الاستراتيجي: «من يملك السيادة؟»

التقرير الاستراتيجي رقم (54)/3: «دولة دستورية واحدة…وسلطة فعلية موزعة بين مؤسسات وشبكات» 7 تشرين الأول / أكتوبر 2026

1. القاعدة الأولى:

 الدستور العراقي لا ينشئ دولة مزدوجة

هذه أول نقطة يجب تثبيتها.

الدستور العراقي لسنة 2005 لا يؤسس لسلطتين متوازيتين، ولا ينشئ مؤسسة عقائدية فوق مؤسسات الجمهورية، ولا يضع مرجعية دينية فوق السلطات الدستورية.

بل يبني، من حيث الأصل، دولة دستورية اتحادية ذات سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية واضحة.

وفي الجانب الأمني تحديدًا، تنص المادة 9 على أن القوات المسلحة والأجهزة الأمنية تخضع للسلطة المدنية، وتحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة. كما تجعل المادة 78 رئيس مجلس الوزراء المسؤول التنفيذي المباشر عن السياسة العامة للدولة والقائد العام للقوات المسلحة.

إذن من الناحية القانونية:

العراق ليس دولة مزدوجة في دستوره.

وهذه نقطة فارقة جدًا عن إيران.

2. إذن أين تظهر الازدواجية العراقية؟

تظهر في الممارسة الفعلية للسلطة.

فإلى جانب المؤسسات الدستورية توجد شبكات سياسية وحزبية واقتصادية ومسلحة تستطيع التأثير في القرار أو تنفيذه أو تعطيله أو إعادة توجيهه.

وهذه الشبكات لا تقف دائمًا خارج الدولة.

بل كثيرًا ما توجد:

♦️ داخل البرلمان،

♦️ داخل الوزارة،

♦️ داخل المؤسسة الأمنية،

♦️ داخل الشركة العامة،

♦️ وفي الوقت نفسه داخل الحزب أو الفصيل أو الشبكة الاقتصادية.

ولهذا فإن ثنائية:

دولة / لا دولة

غير كافية لفهم العراق.

دراسة Chatham House عن الحشد الشعبي وشبكات القوة في العراق تذهب تحديدًا إلى أن الحشد ليس منظمة واحدة متجانسة، بل مجموعة شبكات مرنة تتصل بمؤسسات الدولة والأحزاب والاقتصاد والمجتمع، وأن هذه الشبكات لا تعيش بالضرورة خارج الدولة بل تتشابك معها.

ومن هنا يمكن أن نضع التعريف الأول:

الدولة المزدوجة العراقية ليست دولة ثانية مكتملة، بل دولة رسمية تخترقها وتتداخل معها شبكات قوة تستطيع ممارسة بعض وظائف الدولة من داخلها وخارجها في الوقت نفسه.

3. الهيكل الأول: «الدولة الدستورية الرسمية»

هذه الدولة موجودة فعلًا، ولا يجوز التعامل معها كواجهة فارغة.

وتتكون أساسًا من:

♦️ مجلس النواب.

♦️ رئاسة الجمهورية.

♦️ مجلس الوزراء.

♦️ رئيس الوزراء.

♦️ القضاء الاتحادي.

♦️ الوزارات.

♦️ الجيش.

♦️ وزارة الداخلية.

♦️ جهاز مكافحة الإرهاب.

♦️ جهاز المخابرات.

♦️ المؤسسات المالية والإدارية والرقابية.

الدستور يجعل مجلس الوزراء مسؤولًا عن تخطيط وتنفيذ السياسة العامة والإشراف على الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة، كما يمنحه التفاوض بشأن المعاهدات والاتفاقيات وإدارة شؤون الدولة التنفيذية.

إذن الدولة الرسمية العراقية ليست شكلًا بلا مضمون.

لديها:

♦️ القانون،

♦️ الموازنة،

♦️ الرواتب،

♦️ الجيش،

♦️ الشرطة،

♦️ القضاء،

♦️ الحدود،

♦️ العلاقات الدولية.

لكن المشكلة ليست في انعدام الدولة.

المشكلة في أن الدولة لا تحتكر دائمًا جميع وظائف السلطة التي يفترض أن تحتكرها.

4. الهيكل الثاني: «الدولة السياسية الحزبية»

هنا تبدأ أول طبقة موازية.

العراق بعد 2003 لم يتطور فقط إلى نظام برلماني.

بل إلى نظام تعتمد فيه عملية تشكيل الحكومات وإدارة الدولة بدرجة كبيرة على:

♦️ التحالفات بين الأحزاب.

♦️ التوافقات بين المكونات.

♦️ توزيع الوزارات والمناصب.

♦️ موازين القوى خارج المؤسسات الرسمية.

♦️ التفاهمات بين زعماء الكتل.

وهنا يظهر الفرق بين:

الشرعية الدستورية

و:

شرعية التوافق السياسي.

فالدستور يقول من يملك المنصب.

لكن التفاوض السياسي قد يحدد:

♦️ من يصل إليه،

♦️ من يرشحه،

♦️ من يحميه،

♦️ ومن يستطيع إبقاءه أو إسقاطه.

ومن هنا يصبح الحزب ليس مجرد منافس انتخابي.

بل في حالات كثيرة:

بوابة الوصول إلى الدولة.

5. «المحاصصة»:

ليست مادة دستورية لكنها أصبحت قاعدة حكم

الدستور لا يذكر «المحاصصة» بوصفها نظامًا رسميًا لتوزيع الوزارات.

لكن الممارسة السياسية بعد 2003 رسخت توزيعًا عرفيًا للمناصب والموارد بين القوى الكبرى.

وهنا يجب التفريق:

التوافق السياسي يمكن أن يكون وسيلة لحماية مجتمع تعددي من الإقصاء.

لكن عندما يتحول من:

تقاسم سياسي للسلطة

إلى:

تقاسم إداري للمؤسسات

فإن الوزارة قد تبدأ بالتحول من مؤسسة للدولة إلى حصة سياسية.

وهذا هو المدخل الأول إلى الدولة المزدوجة.

لأن الوزير يصبح في الوقت نفسه:

مسؤول دولة

و:

ممثلًا لشبكة سياسية ساهمت في إيصاله.

6. ومن هنا تظهر «الدولة داخل الدولة» بطريقة مختلفة

في إيران وجدنا مؤسسات واضحة:

♦️ مرشد،

♦️ حرس،

♦️ مجلس صيانة.

أما في العراق فلا نجد مؤسسة واحدة يمكن أن نسميها:

الدولة الموازية.

بل نجد شبكة موزعة:

♦️ حزبًا هنا،

♦️ كتلة هناك،

♦️ مكتبًا اقتصاديًا،

♦️ فصيلًا مسلحًا،

♦️ شركة،

♦️ وزارة،

♦️ محافظًا،

♦️ منفذًا حدوديًا،

♦️ مقاولًا،

♦️ موظفًا كبيرًا.

وهذا يجعل العراق أكثر صعوبة في التحليل.

لأن:

الدولة الموازية الإيرانية يمكن رسمها على مخطط مؤسساتي؛ أما العراقية فيجب رسمها كشبكة علاقات.

وهذه من أهم الفروق التي سنحتفظ بها للمقارنة لاحقًا.

7. الحشد الشعبي: أهم عقدة في الازدواج الأمني

هنا نصل إلى أكثر النقاط حساسية.

قانون هيئة الحشد الشعبي رقم 40 لسنة 2016 واضح:

الحشد جزء من القوات المسلحة العراقية، وله شخصية معنوية، ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة.

كما نص القانون على خضوع تشكيلاته ومنتسبيه للقوانين العسكرية، وعلى فك ارتباط المنضمين إليه عن الأطر السياسية والحزبية والاجتماعية، ومنع العمل السياسي في صفوفه.

إذن قانونيًا:

الحشد ليس ميليشيا خارج الدولة.

ولكن هنا تبدأ المشكلة الفعلية.

8. القانون شيء… والبنية الشبكية شيء آخر

دراسة Chatham House تظهر أن الحشد لم يتحول فعليًا إلى تنظيم عسكري متجانس بالكامل.

بل بقي مجموعة شبكات مختلفة في:

♦️ القيادة،

♦️ العقيدة،

♦️ الولاء،

♦️ الامتداد الاجتماعي،

♦️ العلاقة بإيران،

♦️ والعلاقة بالدولة العراقية.

ولهذا لا يصح أن نقول:

الحشد دولة ثانية.

ولا يصح أيضًا أن نقول:

الحشد مجرد جهاز عسكري موحد كالجيش.

الأدق:

«الحشد مؤسسة رسمية تحتوي في داخلها شبكات بدرجات متفاوتة من الاندماج في سلسلة القيادة الرسمية».

وهذه صياغة أساسية في بحثنا.

9. وهنا يظهر مفهوم «الهجين»

الفصيل قد يكون في الوقت نفسه:

♦️ مسجلًا ضمن مؤسسة رسمية.

♦️ يتلقى راتبًا من الدولة.

♦️ يعمل ضمن قانون رسمي.

♦️ يمتلك قيادة أو هوية حزبية أو عقائدية.

♦️ يرتبط بشبكة سياسية.

♦️ ويحتفظ بعلاقات إقليمية خاصة.

وهنا تصبح الكلمات القديمة غير كافية.

ليس هو:

دولة بالكامل

ولا:

لا دولة بالكامل.

بل:

فاعل هجين يعيش على الحد بين الدولة والشبكة السياسية–العسكرية.

10. لكن الحشد ليس الحالة الوحيدة

وهذه نقطة مهمة جدًا.

إذا اختزلنا الدولة المزدوجة العراقية بالحشد، سنفقد نصف الصورة.

لأن الازدواجية توجد أيضًا في:

♦️ الأحزاب التي تمتلك نفوذًا داخل الوزارات.

♦️ الكتل التي تؤثر في التعيينات.

♦️ شبكات العقود والمقاولات.

♦️ الإدارة المحلية.

♦️ بعض المنافذ الحدودية.

♦️ المؤسسات الاقتصادية.

♦️ شبكات رجال الأعمال المرتبطين بالقوى السياسية.

♦️ العلاقات غير الرسمية بين قيادات سياسية وأطراف خارجية.

إذن:

«السلاح هو أكثر أشكال الازدواج وضوحًا، لكنه ليس المصدر الوحيد له».

11. «الدولة العميقة» لا تكفي أيضًا لوصف العراق

قد يبدو من السهل أن نسمي هذه الظاهرة:

«الدولة العميقة»l.

لكن المصطلح غير كافٍ.

فالدولة العميقة تفترض عادة وجود جهاز خفي أو شبه خفي متماسك داخل الدولة، يعمل لحماية مشروع أو اتجاه واحد.

أما العراق، فلا ينطبق عليه هذا الوصف بصورة كاملة. فهو يمتلك مؤسسات رسمية ذات طابع بيروقراطي، تشمل الوزارات والدوائر والأجهزة الأمنية والقوانين وسلاسل إدارية هرمية. لكن هذه المؤسسات لا تعمل دائمًا بوصفها جهازًا موحدًا ومستقلًا عن شبكات النفوذ السياسي والاجتماعي.

لذلك فالمسألة ليست اختيارًا بين نموذجين متناقضين، بل فهم العلاقة بينهما:

«العراق دولة بيروقراطية من حيث الشكل، لكنه يعمل عمليًا من خلال شبكة متعددة من مراكز النفوذ».

فهو يمتلك عناصر الدولة الحديثة بالمعنى الفيبري: مؤسسات هرمية، واختصاصات محددة، وقواعد مكتوبة، وسلسلة رسمية للسلطة والمسؤولية. غير أن هذه البنية الرسمية تتداخل مع شبكات حزبية ومذهبية ومناطقية واقتصادية وأمنية، تؤثر في التعيين والقرار وتوزيع الموارد.

وهنا تظهر أهمية مفهوم آخر عند عالم الاجتماع الألماني “ماكس فيبر” هو «السلطة التقليدية»؛ أي السلطة التي تستمد مشروعيتها من العادات والتقاليد المستقرة والموروثة ، وببساطة لأنها قد تعبر عن ماضٍ مقدّس، حيث يطيع الأفراد سلطة معينة لأنها متجذرة في العرف ولأنها تمثل، في وعي الجماعة، امتدادًا لنظام اجتماعي «كان قائمًا دائمًا».

وهذا المفهوم يساعد في تفسير جانب من الواقع العراقي؛ إذ لا تستمد جميع مراكز النفوذ قوتها من منصب دستوري أو قانون مكتوب. فالعشيرة، والزعامة الاجتماعية، والوجاهة المحلية، وبعض القيادات الدينية أو المكوناتية قد تمتلك تأثيرًا فعليًا يستند إلى التاريخ والعرف والرمزية الاجتماعية، ويتداخل أحيانًا مع المؤسسات الرسمية للدولة.

وبذلك يصبح العراق مجالًا تتعايش داخله صورتان من السلطة وصفهما فيبر في سياقات مختلفة: «السلطة العقلانية–القانونية» التي تمثلها مؤسسات الدولة الحديثة، و«السلطة التقليدية» التي تستمد جزءًا من مشروعيتها من العرف والاستمرارية التاريخية.

ولا يعني ذلك أن العراق محكوم بالسلطة التقليدية وحدها، ولا أن مؤسساته البيروقراطية مجرد واجهة؛ بل إن خصوصيته تكمن في تداخل هذه المستويات مع شبكات حزبية وسياسية واقتصادية وأمنية حديثة.

ولهذا فإن المصطلح الأدق ليس:

«الدولة الشبكية بدل الدولة البيروقراطية»،

بل:

«الدولة البيروقراطية المخترقة شبكيًا»،

 أو «الدولة متعددة مراكز النفوذ».

وبعبارة أكثر اختصارًا:

«العراق ليس شبكة قوى بلا دولة، وليس دولة بيروقراطية مكتملة الاستقلال؛ بل هو دولة رسمية ذات بنية بيروقراطية، تتداخل داخلها وفوقها شبكات حديثة، وسلطات اجتماعية تقليدية، ومراكز نفوذ متعددة».

12. أين تقع «المرجعية الدينية»؟

هنا يجب أن نكون شديدي الدقة.

العراق بلد له مرجعية دينية مؤثرة، خصوصًا مرجعية النجف.

لكن المرجعية ليست مؤسسة دستورية فوق الدولة.

ولا تمتلك:

قيادة القوات المسلحة،

حق نقض القوانين،

تعيين القضاء،

أو اختيار رئيس الوزراء.

يمكنها أن تمتلك نفوذًا أخلاقيًا واجتماعيًا وسياسيًا بالغًا.

لكن الفرق بين:

النفوذ

و:

الصلاحية الدستورية

كبير جدًا.

وهذا يجعل الحالة العراقية مختلفة جذريًا عن ولاية الفقيه في إيران.

13. «الإطار التنسيقي»:

قوة سياسية لا سلطة دستورية عليا

المبدأ نفسه ينطبق على الإطار التنسيقي.

الإطار قوة سياسية مؤثرة، ويستطيع عبر وزنه النيابي والتحالفات أن يؤثر في:

♦️ تشكيل الحكومة،

♦️ تسمية رئيس الوزراء،

♦️ السياسات،

♦️ المناصب.

لكن:

لا توجد مادة دستورية تمنحه سلطة على الحكومة.

الحكومة دستوريًا مسؤولة أمام مجلس النواب، ورئيس الوزراء هو المسؤول التنفيذي المباشر والقائد العام للقوات المسلحة.

وهنا تظهر الازدواجية:

القوة السياسية الواقعية

لا تتطابق دائمًا مع:

الخريطة الدستورية للسلطة.

14. إذن أين توجد «السيادة الحقيقية»؟

هنا نصل إلى السؤال المركزي.

الدستور يقول:

رئيس الوزراء → القائد العام.

لكن إذا كانت هناك قوة مسلحة تستطيع اتخاذ قرار عملياتي دون تنفيذ إرادة القائد العام، فإن جزءًا من الوظيفة السيادية يصبح خارج السلسلة الرسمية.

والدستور يقول:

الحكومة → تدير السياسة الخارجية.

لكن إذا امتلك حزب أو فصيل علاقة سياسية أو أمنية خارجية يستطيع من خلالها التأثير في موقف الدولة، فإن جزءًا من وظيفة السياسة الخارجية يصبح موزعًا.

والدستور يقول:

الموازنة → تمر عبر مؤسسات الدولة.

لكن إذا أمكن لشبكة سياسية السيطرة على عقود أو إيرادات أو منافذ، تصبح الوظيفة الاقتصادية نفسها موزعة.

ولهذا فإن السؤال العراقي ليس:

هل توجد دولة ثانية؟

بل:

هل تستطيع الدولة الرسمية احتكار وظائف السيادة؟

15. «الدولة العراقية» ليست ضعيفة في كل مكان

وهنا يجب أن نبتعد عن التبسيط.

الدولة العراقية قادرة على:

♦️ جمع الضرائب والرسوم.

♦️ دفع ملايين الرواتب.

♦️ إدارة النفط.

♦️ إصدار العملة.

♦️ إدارة المصرف المركزي.

♦️ إجراء الانتخابات.

♦️ إدارة القضاء.

♦️ تمثيل العراق دوليًا.

♦️ تشغيل جهاز إداري ضخم.

إذن وصف العراق بأنه:

«لا دولة»

غير دقيق.

المشكلة ليست غياب الدولة.

المشكلة:

التفاوت بين قوة الدولة في الوظائف الإدارية والمالية وبين ضعفها النسبي في احتكار بعض وظائف القوة والنفوذ السياسي.

وهذه صياغة أهم بكثير.

16. الدولة قوية ماليًا… لكنها أقل تماسكًا سياسيًا

هذه واحدة من مفارقات العراق.

العراق يمتلك دولة ريعية نفطية كبيرة.

وهذا يعني أن الدولة:

♦️ تدفع الرواتب،

♦️ تمول الجيش،

♦️ تمول الحشد،

♦️ تمول الوزارات،

♦️ تمول المحافظات.

أي أن جميع اللاعبين تقريبًا يحتاجون الدولة.

لكن في المقابل، القوى السياسية تستخدم الدولة نفسها لبناء شبكاتها.

ومن هنا ينشأ ما يمكن تسميته:

«التبادل بين الدولة والشبكة».

الدولة تمنح:

«المال والشرعية والمنصب».

والشبكة تمنح:

«الدعم السياسي والحماية والتعبئة وربما القوة المسلحة».

17. وهذا يفسر «لماذا لا تريد القوى الموازية إسقاط الدولة»

وهذه نقطة مهمة جدًا.

إذا كانت الشبكة تحصل على:

♦️ رواتب،

♦️ مناصب،

♦️ عقود،

♦️ شرعية،

♦️ حصانة،

♦️ وصول إلى موارد الدولة،

فلماذا تسقط الدولة؟

غالبًا مصلحتها ليست في:

هدم الدولة.

بل في:

البقاء داخلها مع الحفاظ على استقلال جزئي عنها.

وهنا تظهر مفارقة العراق:

«الدولة الموازية» تحتاج «الدولة الرسمية» لكي تعيش.

وهذا يختلف عن تصور «الميليشيا الكلاسيكية» التي تريد «القضاء على الدولة».

18. «علاقة الاعتماد المتبادل»

من هنا يصبح لدينا نموذج معقد:

«الدولة تحتاج القوى السياسية كي تتشكل الحكومات».

«القوى السياسية تحتاج الدولة للحصول على الموارد».

«بعض القوى المسلحة تحتاج الدولة للتمويل والشرعية».

و«الدولة تحتاج هذه القوى أحيانًا للأمن أو التوافق السياسي».

وهكذا تنشأ علاقة:

اعتماد متبادل غير متكافئ.

و«هذه واحدة من أهم خصائص الدولة المزدوجة العراقية».

19. هل لهذا النموذج جوانب إيجابية؟

نعم، إذا أردنا الأمانة المؤسساتية نفسها التي استخدمناها مع إيران.

♦️الجانب الإيجابي الأول: «منع الاحتكار الكامل للسلطة»

«تعدد مراكز القوة يجعل من الصعب على شخص واحد أو حزب واحد السيطرة على العراق بسهولة».

بعد تجربة الاستبداد السابقة، وفر النظام الجديد توزيعًا واسعًا للقوة.

♦️الجانب الإيجابي الثاني: «تمثيل مجتمع شديد التنوع»

العراق:

◾️شيعة،

◾️سنة،

◾️كرد،

◾️تركمان،

◾️مسيحيون،

◾️إيزيديون،

◾️وغيرهم.

وتوزيع السلطة بين المكونات وفر حدًا من المشاركة السياسية لفئات كانت تخشى الإقصاء.

إذن التوافق لم يولد من فراغ.

له وظيفة تاريخية:

طمأنة الجماعات بعد انهيار النظام المركزي السابق.

♦️الجانب الإيجابي الثالث: «المرونة في حل الأزمات»

عندما يعجز البرلمان أو القانون عن إنتاج تسوية سريعة، تستطيع اجتماعات الزعماء والتحالفات غير الرسمية التوصل إلى صفقة.

من زاوية الديمقراطية الصافية هذا خلل.

لكن من زاوية إدارة الأزمات:

الشبكات غير الرسمية توفر أحيانًا مرونة لا توفرها الإجراءات الرسمية.

♦️الجانب الإيجابي الرابع: «استيعاب القوى المسلحة بدل إبقائها خارج النظام»

قانون الحشد يمثل محاولة مهمة لـ:

تحويل قوة مسلحة ضخمة إلى جزء من المؤسسات الرسمية.

فهو يضعها قانونيًا تحت القائد العام، ويخضعها للقوانين العسكرية، ويحظر العمل السياسي داخل التشكيل.

من زاوية بناء الدولة، هذه أفضل من وجود عشرات التشكيلات بلا غطاء قانوني أو ارتباط بالدولة.

حتى لو بقيت فجوة بين النص والتطبيق.

♦️الجانب الإيجابي الخامس: «إنتاج توازن يمنع الانفجار الدائم»

في مجتمع خرج من:

◾️ديكتاتورية،

◾️احتلال،

◾️حرب أهلية،

◾️إرهاب،

◾️وصراع طائفي،

ساهم توزيع القوة في منع طرف واحد من فرض إرادته بالكامل.

أي أن:

التشظي نفسه أدى أحيانًا وظيفة توازن.

لكن المشكلة تبدأ حين يصبح التوازن هدفًا دائمًا بدل أن يكون مرحلة انتقالية.

20. هل لهذا النموذج جوانب سلبية؟

نعم، إذا أردنا الأمانة المؤسساتية نفسها التي استخدمناها أيضاً مع إيران.

♦️الجانب السلبي الأول: «تآكل مبدأ المسؤولية»

إذا كان الوزير رسميًا مسؤولًا عن الوزارة، لكن الحزب يختار بعض مفاصلها ويؤثر في قرارها، يصبح السؤال:

◾️من نحاسب؟

◾️الوزير؟

◾️الحزب؟

◾️الكتلة؟

◾️الشبكة؟

وهنا تضيع المسؤولية.

وهذه واحدة من أخطر خصائص الدولة المزدوجة.

♦️الجانب السلبي الثاني: «انهيار مبدأ وحدة الأمر»

الدولة الحديثة تحتاج في الأمن إلى:

سلسلة قيادة واحدة.

وعندما توجد قوة ممولة من الدولة وقانونيًا جزء منها، لكنها تحتفظ في بعض الحالات بولاءات أو قرارات سياسية خارج التسلسل الرسمي، تحدث فجوة بين:

الشرعية القانونية

و:

الطاعة العملياتية.

وهذه ليست مشكلة نظرية.

إنها مشكلة سيادة.

♦️ الجانب السلبي الثالث: «تحويل المؤسسة إلى غنيمة»

إذا أصبح الحصول على الوزارة يعني:

◾️وظائف،

◾️عقودًا،

◾️تعيينات،

◾️موارد،

فإن التنافس الانتخابي يتحول جزئيًا من:

من سيحكم أفضل؟

إلى:

من سيحصل على حصة أكبر من الدولة؟

وهنا تبدأ الدولة في تمويل القوى التي تقاسمها السلطة.

♦️الجانب السلبي الرابع: «نشوء الولاء المزدوج»

الموظف قد يكون أمامه:

القانون.

لكن أيضًا:

الحزب الذي عينه.

والضابط قد يكون أمامه:

القائد العام.

لكن أيضًا:

القيادة السياسية أو العقائدية التي ينتمي إليها.

وهنا لا يكفي أن نسأل:

من هو المسؤول الرسمي؟

بل:

لمن يطيع الفرد عندما تتعارض الأوامر؟

وهذه هي اللحظة التي تكشف الدولة المزدوجة فعلًا.

♦️الجانب السلبي الخامس: «فقدان القدرة على الإصلاح من المركز»

إذا أراد رئيس الوزراء إصلاح مؤسسة واحدة، فهو لا يتعامل فقط مع بيروقراطية حكومية.

قد يتعامل مع:

◾️حزب،

◾️كتلة،

◾️زعيم سياسي،

◾️شبكة مالية،

◾️فصيل مسلح،

◾️تحالف اجتماعي.

وبالتالي يصبح:

الإصلاح الإداري عملية تفاوض سياسي.

وهذه واحدة من أسباب بطء الدولة.

♦️الجانب السلبي السادس: «قوة الشبكة أكبر من المنصب أحيانًا»

الوزير يخرج بعد أربع سنوات.

أما الحزب أو الشبكة فقد يبقى عشرين سنة.

المحافظ يتغير.

لكن شبكة المقاولين والمسؤولين المحليين قد تستمر.

القائد الأمني ينتقل.

لكن الولاءات قد تبقى.

ومن هنا تنشأ حقيقة مهمة:

المؤسسة الرسمية مؤقتة بالأشخاص، بينما الشبكة تستطيع أن تكون طويلة العمر.

وهذا يمنحها قوة كبيرة.

21. «المفارقة الكبرى في النموذج العراقي

في إيران وجدنا:

«مؤسسات مزدوجة» → «قيادة نهائية واحدة».

أما العراق فيقدم العكس تقريبًا:

«مؤسسات دستورية واحدة» → «مراكز قرار فعلية متعددة».

وبذلك فإن «الازدواج الإيراني مؤسساتيٌّ هرمي»، بينما «الازدواج العراقي وظيفيٌّ شبكي».

وهذه ليست المقارنة النهائية بعد، لكن لا يمكن تجاهلها في تعريف النموذج العراقي نفسه.

22. «العراق ليس دولة دينية بالمعنى الإيراني»

وهذه يجب تثبيتها أيضًا.

الدين مؤثر جدًا.

المرجعيات الدينية مؤثرة.

الأحزاب الإسلامية مؤثرة.

بعض الفصائل ذات عقائد دينية.

لكن:

لا توجد مؤسسة فقهية دستورية عليا تمتلك حق نقض قرارات الحكومة والبرلمان على غرار ولاية الفقيه أو مجلس صيانة الدستور.

إذن توصيف العراق بأنه:

دولة دينية

بالمعنى المؤسسي الإيراني سيكون غير دقيق.

الأدق في هذه المرحلة:

«دولة دستورية مدنية من حيث البناء، لكن المجال السياسي فيها مشبع بهويات وأحزاب وشبكات دينية ومكوناتية».

23. وهل العراق «دولة فاشلة»؟

لا أرى هذا التوصيف دقيقًا أيضًا.

الدولة الفاشلة تفترض انهيارًا واسعًا لوظائف الدولة.

العراق يحتفظ:

◾️بالمؤسسات،

◾️بالعملة،

◾️بالقضاء،
◾️بالجيش،

◾️بالنفط،

◾️بالتمثيل الدولي،

◾️بالانتخابات.

لذلك الأفضل:

«دولة ذات سيادة متفاوتة داخليًا».

أي أن قوة الدولة تختلف باختلاف الوظيفة.

قد تكون قوية جدًا في:

دفع الراتب.

وأضعف في:

منع شبكة سياسية من اختراق الوزارة.

قوية في:

تصدير النفط.

وأضعف في:

احتكار جميع قرارات استخدام القوة.

24. وهذا يقودنا إلى التعريف الأكثر دقة

بعد هذا التفكيك أرى أن أفضل تعريف مؤقت للنموذج العراقي هو:

«الدولة المزدوجة في العراق ليست ازدواجًا دستوريًا بين مؤسستين، بل ازدواجًا وظيفيًا بين دولة قانونية رسمية وشبكات سياسية–أمنية–اقتصادية تتداخل معها، تستمد جزءًا من قوتها ومواردها وشرعيتها من الدولة نفسها، لكنها تحتفظ بدرجات متفاوتة من الاستقلال عنها».

وأشدد على:

درجات متفاوتة.

لأن الشبكات ليست متساوية.

25. «التقييم المؤسساتي المحايد»

إذن عوامل القوة في هذا النموذج:

♦️ توزيع القوة ومنع الاحتكار.

♦️ استيعاب التعدد المجتمعي.

♦️ مرونة التسويات.

♦️ استيعاب القوى المسلحة داخل القانون جزئيًا.

♦️ منع عودة المركزية الصلبة بسرعة.

أما عوامل الضعف:

♦️ تشظي المسؤولية.

♦️ صعوبة احتكار السلاح والقرار.

♦️ المحاصصة المؤسسية.

♦️ الولاءات المتعددة.

♦️ ضعف المساءلة.

♦️ صعوبة الإصلاح المركزي.

♦️ تحويل المال العام إلى مصدر لقوة الشبكات.

26. الخلاصة المؤسساتية العراقية الأولى

لا تنشأ الدولة المزدوجة في العراق من الدستور، بل من المسافة بين النص الدستوري وممارسة السلطة. فالدستور يبني دولة ذات حكومة واحدة، وقائد عام واحد، وقوات مسلحة خاضعة للسلطة المدنية، ويحظر الميليشيات خارجها؛ لكن النظام السياسي الذي تشكل بعد 2003 أنتج شبكة واسعة من الأحزاب والكتل والجماعات المسلحة والمصالح الاقتصادية التي تتداخل مع مؤسسات الدولة وتستمد منها الشرعية والموارد، مع احتفاظ بعضها بدرجات متفاوتة من الاستقلال السياسي أو الأمني.

 ومن هنا لا توجد في العراق «دولة ثانية» مكتملة يمكن رسم حدودها، بل توجد وظائف سيادية موزعة بدرجات مختلفة بين المؤسسة الرسمية والشبكات التي تعمل داخلها وحولها. وهذا يمنح النظام مرونة وتوازنًا ويحول دون احتكار السلطة، لكنه يضعف في المقابل وحدة القرار والمسؤولية والمساءلة واحتكار القوة.

«في العراق، الدولة الموازية لا تقف خارج بوابة الدولة؛ إنها تدخل منها، وتعمل داخل مؤسساتها، ثم تحتفظ أحيانًا بمفاتيح خارجها».

اترك رد