*هل يؤدي رفع سعر الدولار إلى حل الأزمة المالية العراقية؟* ناجي الغزي

منبر العراق الحر :….كاتب سياسي واقتصادي….
إن رفع سعر الدولار قد يمنح الحكومة العراقية إيرادات أكبر بالدينار من مبيعات النفط، لكنه لا يعني بالضرورة زيادة الثروة الوطنية أو معالجة الأزمة المالية من جذورها. فالمشكلة الاقتصادية العراقية لا ترتبط بسعر الصرف وحده، بل باعتماد الموازنة على النفط، واتساع النفقات الجارية، وضعف الإيرادات غير النفطية، وتزايد الالتزامات المالية. ولذلك، فإن تقييم أي تغيير في سعر الصرف يجب أن يوازن بين المكاسب التي تحققها الخزينة والكلفة التي يتحملها الاقتصاد والمواطن.
*أولاً: الأثر المالي لرفع سعر الدولار*
عندما تبيع الدولة كمية محددة من الدولارات النفطية بسعر أعلى، فإنها تحصل على دنانير أكثر مقابل الكمية نفسها. وقد يساعد ذلك على تمويل جانب من النفقات الحكومية وتخفيف الضغط على السيولة، لكن هذا التحسن يبقى محاسبياً ما لم يقترن بإصلاحات تعزز الموارد الحقيقية للدولة وتحد من نمو الالتزامات.
فزيادة الإيرادات بالدينار قد تقابلها زيادة في كلفة السلع والمعدات المستوردة، فضلاً عن ارتفاع كلفة بعض الالتزامات المرتبطة بالعملة الأجنبية. كما أن استمرار توسع النفقات الجارية قد يبدد أثر الزيادة في الإيرادات، لتجد الحكومة نفسها أمام ضغوط مالية متجددة.
وعليه، لا يكفي النظر إلى مقدار ما تحصل عليه الخزينة من الدنانير الإضافية، بل يجب قياس الأثر الصافي للقرار في الموازنة، ومدى استدامته، وقدرته على تقليل العجز من دون نقل أعباء أكبر إلى المجتمع.
*ثانياً: أثر رفع الدولار على المواطن العراقي*
يتحمل المواطن جانباً مباشراً من كلفة ارتفاع سعر الدولار، لأن الاقتصاد العراقي يعتمد على الاستيراد لتوفير نسبة كبيرة من احتياجاته الاستهلاكية والإنتاجية. فعندما ترتفع كلفة الدولار، قد ترتفع أسعار المواد الغذائية والأدوية والأجهزة المنزلية والسلع المستوردة، كما ترتفع كلفة المواد الأولية والمعدات التي تحتاج إليها المصانع والورش والشركات المحلية.
وقد تنتقل هذه الزيادة إلى أسعار المنتجات المحلية التي تعتمد على مدخلات مستوردة، فتتسع دائرة التأثير لتشمل قطاعات تتجاوز التجارة الخارجية. وإذا بقيت الرواتب والأجور ثابتة، فإن المواطن سيحتاج إلى إنفاق مبلغ أكبر لشراء السلع نفسها، ما يؤدي إلى تراجع القوة الشرائية وانخفاض مستوى المعيشة.
وتكون الفئات محدودة الدخل وأصحاب الرواتب الثابتة أكثر تعرضاً لهذه الضغوط، لأن دخولهم لا ترتفع عادة بالسرعة نفسها التي ترتفع بها الأسعار. كما قد تواجه المشروعات الصغيرة والمتوسطة ارتفاعاً في كلف التشغيل، بما يؤثر في قدرتها على الاستمرار والتوسع وتوفير فرص العمل.
لذلك، ينبغي ألا يُقيّم تعديل سعر الصرف من زاوية الإيرادات الحكومية وحدها، بل من خلال أثره في التضخم والدخل الحقيقي والأسعار وفرص العمل. وإذا اقتضت الظروف اتخاذ إجراءات نقدية مؤثرة في معيشة الناس، فمن الضروري أن ترافقها سياسات لحماية الفئات الهشة، ومراقبة الأسواق، ومنع الاستغلال، وضمان استقرار السلع الأساسية.
وفي هذا السياق، أُعلن في 7 تشرين الأول 2026 عن تعديل سعر الصرف الرسمي إلى 1500 دينار للدولار. مما يجعل هذا التطور إصلاح الموازنة أكثر إلحاحاً، لأن تغيير السعر لا يضمن وحده استقرار الأسواق أو إنهاء الفجوة مع السوق الموازية.
*ثالثاً: ما البديل العملي أمام الحكومة العراقية؟*
لا تنحصر الخيارات الحكومية في تأخير الرواتب أو الاقتراض أو فرض إجراءات تقشفية عامة. فهناك مسارات أخرى تبدأ بكشف الوضع المالي الفعلي، وتحسين تحصيل الإيرادات المستحقة، ومنع الهدر، وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، مع اللجوء إلى الاقتراض المنضبط عند الضرورة.
خلال الثلاثين يوماً الأولى، ينبغي لوزارة المالية، بالتنسيق مع الجهات الرقابية، إعداد تقرير مالي موحد يحدد الإيرادات المحصلة فعلياً، والالتزامات المستحقة خلال الأشهر المقبلة، ونفقات الرواتب والتقاعد وخدمة الدين، والمستحقات المتأخرة، والعقود والمشاريع القابلة للمراجعة. كما يجب حصر الضرائب والرسوم والديون المستحقة للدولة، وتحديد طبيعة الأرصدة المالية غير المسوّاة، ووضع سيناريوهات للتعامل مع انخفاض أسعار النفط أو تعطل الصادرات.
وخلال تسعين يوماً، ينبغي إطلاق برنامج عاجل لتحصيل المستحقات القانونية، ومراجعة العقود الحكومية الكبرى وتكاليفها وكمياتها ونسب إنجازها، وتدقيق حالات الازدواج والمخالفات في الرواتب والمخصصات من دون المساس بالحقوق القانونية للمستحقين. كذلك يتطلب الأمر إعداد سجل موحد لأراضي الدولة وعقاراتها وشركاتها العامة، وتحديد الأصول القادرة على تحقيق عوائد مستدامة.
أما خلال ستة أشهر، فينبغي مراجعة الإنفاق الإداري والبروتوكولي، ودمج المشتريات المتشابهة، وإعادة تقييم المشاريع المتلكئة وضعيفة الجدوى، وضبط التعيينات الجديدة وفق الحاجة الفعلية. ويجب ربط تمويل المشاريع بمراحل الإنجاز المتحققة، وإلزام المشاريع الكبرى بدراسات جدوى واضحة، بحيث تكون الوفورات محددة وقابلة للقياس، لا تخفيضات عشوائية تضر بالخدمات الأساسية.
وخلال اثني عشر شهراً، يتعين توسيع الإصلاح ليشمل تطوير الإدارة الضريبية والجمركية ورقمنة التحصيل، وإصلاح الشركات العامة، وتشجيع الاستثمار المنتج في الغاز والطاقة والصناعة والزراعة، وتحسين بيئة الأعمال أمام القطاع الخاص. كما ينبغي إعداد إطار متوسط الأجل للموازنة يوضح الإيرادات والنفقات والدين، ويحد من نمو الالتزامات الجارية غير الممولة.
*رابعاً: التجربة المصرية وانعكاسها على الواقع العراقي*
في آذار 2024، اتجهت مصر إلى توحيد سوق الصرف وزيادة مرونة تحديد سعر العملة، بالتزامن مع تحسن توافر الدولار وتدفقات تمويلية كبيرة، من بينها صفقة رأس الحكمة وبرنامج صندوق النقد الدولي. ولم يكن تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي نتيجة بيع الدولار عبر المصارف الحكومية وحده، بل ارتبط بتوفير السيولة الأجنبية، وتخفيف القيود التي أعاقت الحصول على العملة عبر القنوات الرسمية، وتغيير آلية تحديد السعر.
وتوضح التجربة أن السوق الموازية تكتسب قوتها عندما يعجز المواطن أو المستورد عن الحصول على الدولار بصورة مشروعة وسريعة من المصارف. أما توفير العملة بكميات كافية، وتبسيط الإجراءات، وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي، فيمكن أن يقلل جاذبية السوق الموازية، لكنه لا يضمن اختفاءها بصورة دائمة. ومع ذلك، لم تكن التجربة المصرية بلا كلفة اجتماعية، فانخفاض قيمة العملة رفع كلفة الواردات وضغط على الدخول الحقيقية. وهذا يؤكد أن معالجة نقص الدولار لا تعني تلقائياً تحسن مستوى المعيشة.
ويختلف العراق عن مصر في طبيعة اقتصاده ومصادر عملته الأجنبية، إذ يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات النفط. لذلك، لا يمكن نقل التجربة المصرية حرفياً، بل ينبغي الاستفادة من عناصرها المتعلقة بتوافر الدولار ومرونة السوق والإجراءات المصرفية، مع مراعاة خصوصية الاقتصاد العراقي.
وبالنسبة إلى العراق، فإن توسيع توفير الدولار عبر المصارف الرسمية وتبسيط إجراءات الحصول عليه قد يساعدان على تقليص الفجوة السعرية، شريطة توافر العملة الأجنبية، ووضوح الضوابط، واستقرار السياسة النقدية. لكن توحيد سوق الصرف لا يغني عن إصلاح الموازنة، كما أن تعديل السعر لا يعالج بمفرده الهدر المالي وضعف الإنتاجية والاعتماد المفرط على النفط.

اترك رد