السيادة.. والاختبار الأكبر ….يوسف السعدي

منبر العراق الحر :

لم يكن خروج القوات الأمريكية من العراق نهاية 2011 مجرد انسحاب عسكري، بل محطة مفصلية اختبرت قدرة العراقيين على إدارة دولتهم وصناعة قرارهم الوطني، فقد حددت الاتفاقية الأمنية العراقية ـ الأمريكية الموقعة سنة 2008 سقفاً زمنياً للانسحاب، ليكتمل خروج القوات الأمريكية عسكرياً خلال ديسمبر 2011.

لكن السؤال الحقيقي لم يكن: متى يغادر اخر جندي؟ بل: ماذا يفعل العراقيون بعد رحيله؟

السيادة لا تختصرها مغادرة القواعد، ولا تختزلها الاحتفالات، إنها دولة تمتلك قرارها، ومؤسساتها، وأمنها، واقتصادها، وعلاقاتها الخارجية.

العراق دفع ثمناً باهظاً للوصول إلى تلك اللحظة، سنوات الإرهاب والعنف خلفت آلاف الضحايا، واستنزفت الدولة والمجتمع، فيما خاض العراقيون معركة شاقة لإعادة بناء المؤسسات وترسيخ النظام السياسي.

ومن هنا، يصبح الانسحاب بداية مسؤولية لا خاتمة معركة.

فالسيادة تحتاج دستوراً يحكم الجميع، ومؤسسات تتجاوز الأشخاص، وقوى سياسية تجعل المصلحة الوطنية سقفاً للخلاف، وهوية عراقية تستوعب التنوع بدل تحويله إلى خطوط انقسام.

كما تحتاج اقتصاداً لا يبقى أسيراً لتصدير النفط الخام، فالعراق يمتلك ثروة كبيرة، لكن بناء المستقبل يتطلب صناعة وزراعة واستثماراً وقطاعاً خاصاً قادراً على توفير فرص العمل، إلى جانب مشاريع الإسكان والخدمات والبنية التحتية.

وتبقى المؤسسة الأمنية أمام الاختبار الأشد: حماية المواطن، تأمين الحدود، مواجهة الإرهاب، وسد الثغرات التي قد تعيد إنتاج الفوضى.

أما السيادة الخارجية، فتحتاج سياسة متوازنة تنفتح على المحيط العربي والإسلامي والدولي دون ارتهان لمحور، وقد أثبتت التجربة أن الملفات الدولية لا تقل أهمية عن الوجود العسكري، فملف تعويضات الكويت، مثلاً، لم يُغلق نهائياً إلا سنة 2022، بعد دفع نحو 52.4 مليار دولار لنحو 1.5 مليون مطالب.

لذلك، فإن خروج القوات الأجنبية لا ينبغي أن يكون نهاية القصة، بل بداية مشروع عراقي أكثر صعوبة: بناء دولة قادرة على حماية نفسها وإدارة خلافاتها وصناعة مستقبلها.

السيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد الجنود الذين غادروا، بل بقدرة الدولة على البقاء قوية بعد مغادرتهم.

وهنا يبدأ الاختبار الأكبر:
هل يستطيع العراقيون أن يجعلوا قرارهم الوطني أقوى من خلافاتهم؟

ذلك هو المعنى الأعمق للاستقلال، وذلك هو الامتحان الذي لا ينتهي بانسحاب أي قوة أجنبية.

 

 

اترك رد