منبر العراق الحر :… : التحولات الميدانية والارتدادات الاستراتيجية على أمن الملاحة الإقليمية …
يمثل مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ يربط البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب، ويشكّل البوابة الجنوبية المؤدية إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وتنبع أهميته من موقعه الجغرافي الذي يجعله حلقة وصل رئيسية بين طرق التجارة البحرية بين آسيا وأوروبا، فضلاً عن دوره في نقل الطاقة وتأمين سلاسل الإمداد العالمية.
وفي تطور ميداني مهم، تمكنت القوات الحكومية اليمنية، وبإسناد جوي مكثف واستخدام الطائرات المسيّرة، من استعادة مواقع حيوية في محيط المضيق، شملت مناطق ذوباب وجبال كهبوب والوازعية وجزيرة ميون. وتمثل هذه التحركات تطوراً مهماً في معادلة السيطرة على الساحل اليمني، لما قد تتيحه من تقليص قدرة الحوثيين على استخدام الموقع الجغرافي كورقة ضغط في الصراع الإقليمي، وما يرتبط بذلك من مصالح إيرانية.
أولاً: جغرافية مضيق باب المندب:
يقع مضيق باب المندب بين الساحل اليمني من جهة، وسواحل جيبوتي وإريتريا من جهة أخرى، ويشكّل نقطة عبور رئيسية بين البحر الأحمر وخليج عدن. وتتحكم في محيطه مجموعة من المواقع الساحلية والجزر ذات الأهمية العسكرية، وفي مقدمتها جزيرة ميون الواقعة داخل المضيق، فضلاً عن المرتفعات الساحلية اليمنية التي تتيح الإشراف على أجزاء مهمة من الممرات البحرية والمناطق المحيطة بها.
ولا تقتصر الأهمية العسكرية لهذه الجغرافيا على المضيق نفسه، بل تمتد إلى السواحل والجزر والمرتفعات التي يمكن أن تؤثر في أمن الملاحة وحرية الحركة البحرية، فضلاً عن حماية الموانئ وخطوط الإمداد.
ومن هذا المنطلق، فإن تأمين باب المندب يتطلب السيطرة الفعلية والمستمرة على المواقع الحيوية المحيطة به، وتوفير منظومة متكاملة للمراقبة والاستطلاع والإنذار المبكر، بما يمنع استغلال الجغرافيا الساحلية لتهديد السفن أو تعطيل حركة الملاحة.
ثانياً: الأهمية الاقتصادية والعسكرية لباب المندب:
الأهمية الاقتصادية:
يكتسب باب المندب أهميته الاقتصادية من كونه ممراً رئيسياً لحركة التجارة العالمية بين المحيط الهندي والبحر المتوسط، عبر خليج عدن والبحر الأحمر وقناة السويس.
وتشمل حركة النقل عبر هذا الطريق النفط والمنتجات النفطية والغاز والسلع الصناعية والغذائية وغيرها من البضائع، مما يجعل أمن المضيق عاملاً مؤثراً في استقرار التجارة الدولية وأمن الطاقة.
وأي اضطراب أمني في المنطقة ينعكس على حركة السفن وتكاليف التأمين والشحن، وقد يدفع شركات النقل البحري إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، الأمر الذي يزيد مسافات الإبحار ومدة الرحلات وتكاليف النقل.
وبذلك، فإن أمن باب المندب لا يمثل شأناً يمنياً أو إقليمياً فحسب، بل يرتبط مباشرة بالاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وحركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
الأهمية العسكرية:
تنبع الأهمية العسكرية للمضيق من موقعه الحاكم للمدخل الجنوبي للبحر الأحمر، الأمر الذي يمنح السيطرة على محيطه تأثيراً مباشراً في أمن الملاحة وحركة السفن التجارية والعسكرية.
وتكتسب جزيرة ميون والمرتفعات الساحلية أهمية خاصة في مراقبة المجال البحري وتأمين المناطق المحيطة بالمضيق. وفي المقابل، فإن وجود تهديدات صاروخية أو طائرات مسيّرة أو ألغام بحرية أو زوارق هجومية في المنطقة يمكن أن يرفع مستوى المخاطر التي تواجه السفن العابرة، حتى في ظل وجود قوات بحرية متقدمة.
وتتطلب حماية المضيق التنسيق بين القوات البحرية وخفر السواحل والقوات البرية المكلفة بتأمين الساحل والجزر، إلى جانب توفير قدرات الرصد والاستطلاع والإنذار المبكر، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي لضمان حرية الملاحة.
ثالثاً: إعادة السيطرة على المواقع الحيوية في محيط المضيق
تبرز أهمية التحركات التي نفذتها القوات الحكومية اليمنية في المناطق الساحلية والمرتفعات المطلة على باب المندب، ولا سيما المواقع المرتبطة بذوباب وجزيرة ميون وسلسلة جبال كهبوب، نظراً إلى دورها في تعزيز السيطرة على المنطقة وتأمين الممرات المؤدية إلى المضيق.
وتكتسب هذه التحركات أهميتها من طبيعة الأرض التي تجري فيها العمليات؛ فالسيطرة على المواقع الساحلية والمرتفعات المشرفة على الطرق والمحاور المؤدية إلى المضيق يمكن أن تعزز أمن الساحل، وتحد من حرية حركة القوات المعادية، وتحسين القدرة على مراقبة المنطقة.
كما أن تأمين جزيرة ميون يمثل عنصراً مهماً في حماية الملاحة، بالنظر إلى موقعها داخل المضيق وتأثيرها في البيئة العملياتية المحيطة به.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين استعادة مواقع عسكرية محددة وإحكام السيطرة الأمنية على كامل المنطقة الساحلية والممر البحري. فالسيطرة المستدامة تتطلب استمرار انتشار القوات، وتأمين خطوط الإمداد، ومنع عودة التهديدات، وتوفير قدرات فعالة لحماية المنطقة وإدارتها.
ومن ثم، فإن القيمة الاستراتيجية للعملية لا تتحدد بحجم الأراضي والمواقع المستعادة وحدها، بل بقدرة الحكومة اليمنية على تحويل المكاسب الميدانية إلى سيطرة أمنية مستدامة، تمنع إعادة استخدام الساحل والجزر لتهديد الملاحة الدولية.
رابعاً: الدلالات الاستراتيجية لإعادة السيطرة
تحمل استعادة المواقع الحيوية في محيط باب المندب مجموعة من الدلالات العسكرية والسياسية والأمنية، يمكن تحديد أبرزها على النحو الآتي:
استعادة المبادرة العسكرية: إن استعادة مواقع ذات أهمية جغرافية تعزز قدرة القوات الحكومية على التحرك في المناطق الساحلية، وتوفر لها مواقع متقدمة يمكن توظيفها في حماية الممر البحري والحد من التهديدات المحيطة به.
تعزيز سلطة الدولة اليمنية: تمثل السيطرة على المناطق الحيوية والمنافذ البحرية خطوة باتجاه استعادة سلطة الدولة وقواتها المسلحة.
الحد من تهديدات الملاحة الدولية: إن تأمين الساحل والجزر والمرتفعات المشرفة على المضيق قد يقلل من فرص استخدام هذه المناطق لشن الهجمات على السفن أو تهديد حركة التجارة. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب استمرار المراقبة البحرية وتوفير قدرات سريعة للاستجابة لأي تهديد.
إعادة تشكيل التوازنات في البحر الأحمر: يمكن أن تؤثر استعادة المواقع الاستراتيجية في حسابات الأطراف الإقليمية والدولية، ولا سيما الجهات التي تسعى إلى استخدام الموقع الجغرافي اليمني للتأثير في حركة الملاحة أو ممارسة الضغط السياسي والعسكري.
تعزيز الموقع الاستراتيجي لليمن: إن امتلاك الحكومة اليمنية القدرة الفعلية على حماية أحد أهم الممرات البحرية الدولية يمنحها وزناً إضافياً في الترتيبات الأمنية الإقليمية، ويجعل استقرار اليمن عاملاً أساسياً في أمن البحر الأحمر وخليج عدن.
تقليص أوراق الضغط الحوثية والإيرانية: يمثل فقدان الحوثيين مواقعهم في هذه المنطقة، إذا تأكدت استدامة السيطرة عليها، انتكاسة لقدرتهم على توظيف الساحل الغربي ورقة ضغط في الصراع الإقليمي. كما يمكن أن يؤدي إلى تقليص إحدى أدوات الضغط غير المباشر التي تستطيع إيران الاستفادة منها للتأثير في أمن الملاحة والتجارة والطاقة الدولية.
ومع ذلك، تبقى هذه الدلالات مرتبطة بمدى استدامة السيطرة، وقدرة الحكومة اليمنية على منع تجدد الصراع في المناطق الساحلية، وتأمين المضيق بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين.
خامساً: العلاقة الاستراتيجية بين باب المندب ومضيق هرمز:
يمثل باب المندب ومضيق هرمز نقطتين محوريتين في منظومة أمن الملاحة والطاقة في المنطقة، رغم اختلاف موقعهما الجغرافي ووظيفتهما المباشرة. فمضيق هرمز يتحكم في المدخل البحري للخليج العربي، بينما يشكل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والطريق المؤدي إلى قناة السويس.
وتنبع العلاقة الاستراتيجية بينهما من ترابط طرق نقل الطاقة والتجارة الدولية، ومن إمكانية استخدام التهديدات البحرية في أحد الممرين للتأثير في حركة السفن والتكاليف الاقتصادية والأمنية في مناطق أوسع.
فإذا تعرضت الملاحة في هرمز للاضطراب، برزت أهمية المسارات البديلة وخطوط النقل الأخرى، وإن كانت هذه البدائل لا تستطيع تعويض جميع التدفقات التي تمر عبر المضيق. وإذا تعرض باب المندب للتهديد، اضطرت بعض السفن إلى تغيير مساراتها بعيداً عن البحر الأحمر وقناة السويس، بما يرفع تكاليف النقل ويطيل زمن الرحلات.
أما إذا تزامنت الاضطرابات في الممرين، فإن التداعيات قد تصبح أكثر اتساعاً، نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة والشحن والتأمين، وزيادة الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية.
وعليه، فإن تأمين باب المندب لا ينفصل عن أمن الخليج العربي، كما أن استقرار مضيق هرمز لا يلغي أهمية حماية البحر الأحمر. فالأمن البحري الإقليمي منظومة مترابطة، تتطلب تعاوناً بين الدول المتشاطئة والقوى البحرية الدولية، وتحد من قدرة أي طرف على استخدام الممرات البحرية أداةً للضغط السياسي أو العسكري.
التقييم الاستراتيجي؛
يمثل باب المندب أحد المرتكزات الجغرافية الأساسية للأمن البحري الإقليمي والدولي، وتنبع قيمته الاستراتيجية من موقعه الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويؤمن أحد المسارات الرئيسية للتجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
وفي هذا السياق، فإن استعادة القوات الحكومية اليمنية السيطرة على مواقع مهمة في محيط المضيق، تمثل تحولاً في معادلة السيطرة على الساحل اليمني، وتعزز قدرة الحكومة على حماية الملاحة الدولية وتوسيع نطاق سلطتها على المناطق الاستراتيجية.
لكن المكاسب العسكرية لا تتحول بالضرورة إلى إنجاز استراتيجي دائم ما لم تدعمها ثلاثة شروط أساسية: استمرار السيطرة على المواقع الساحلية والجزر، وبناء منظومة أمن بحري قادرة على مراقبة التهديدات والاستجابة لها، وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية تحت سلطة الدولة.
كما أن الربط بين باب المندب ومضيق هرمز يكشف أن أمن الممرات البحرية في المنطقة أصبح قضية مترابطة، تتداخل فيها مصالح الدول المنتجة للطاقة والدول المستهلكة لها والقوى البحرية الدولية. ولذلك، فإن أي اضطراب في أحد الممرين قد تتجاوز تداعياته الحدود الإقليمية، فيما يؤدي اضطرابهما المتزامن إلى زيادة المخاطر على التجارة الدولية وأمن الطاقة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر