حينما يتحول التشجيع إلى ابداع، و التعصب إلى عنف…..أيوب عبوي

منبر العراق الحر :

عندما يتحول تشجيع كرة القدم إلى إبداع في المدرجات، ومنافسة شريفة في الإبداع قبل أن تكون في الميدان، فإننا نتحدث هنا عن مجموعات الألتراس، تلك المجموعات التي يختص كل فريق منها بمجموعة تشجعه وتمنحه من حماسها وأغانيها ولوحاتها الفنية صورا استثنائية من الوفاء والانتماء. لقد أمتعتنا هذه المجموعات، على مر السنين بإبداعاتها في المدرجات، سواء من خلال التيفوهات التي تحوّل مساحات الملعب إلى لوحات فنية مبهرة أو عبر الأغاني التي لا تقتصر رسائلها على تشجيع الفريق، بل تتجاوز ذلك لتعبّر عن آلام المجتمع المغربي ومعاناة أبنائه وتكشف عن جوانب من الواقع الذي يعيشه الناس. ولعل أغنيتي “في بلادي ظلموني” لجمهور الرجاء الرياضي، و”لسان الحق” لجمهور حسنية أكادير، من الأمثلة التي تجسد هذا البعد التعبيري في ثقافة الألتراس، إلى جانب أعمال أخرى تحمل في كلماتها رسائل عميقة تتجاوز حدود المستطيل الأخضر. إنه لأمر يبعث على السرور أن نرى المدرجات تتحول إلى فضاءات للإبداع والتعبير، حيث يمتزج الحماس بجمال الأداء وتتحول أصوات الجماهير إلى أغانٍ تحمل في طياتها شيئا من واقع الناس وآمالهم وآلامهم دون تصنّع أو تكلّف. ففي تلك اللحظات، لا يكون الجمهور مجرد مجموعة من المشجعين الذين ينتظرون نتيجة المباراة، بل يصبح طرفًا فاعلًا في صناعة مشهد فني وجماعي يستحق التقدير.
لكن ما يعكّر صفو هذا المشهد، ويطرح أكثر من علامة استفهام حول ثقافة التشجيع، هو ذلك الشغب الذي يتخذ أحيانًا شكلًا من أشكال العدوانية بين الجماهير. وفي كل مرة أشاهد فيها مشاهد العنف والاعتداءات، أجدني أطرح السؤال نفسه: ما الغاية من كل هذا؟ وما الذي يدفع جماهير تنتمي إلى وطن واحد وتجمعها روابط إنسانية واجتماعية مشتركة، إلى الاقتتال فيما بينها، وتبادل السب والشتم والاعتداء، وكأن اختلاف ألوان القمصان يحوّل أبناء البلد الواحد إلى أعداء؟
هل يدخل هذا السلوك فعلًا في إطار المنافسة الرياضية؟ بالنسبة إليّ، لا علاقة لهذه المعارك بالمنافسة الحقيقية، ولا يمكن اعتبارها وجهًا من وجوه التشجيع. فالمنافسة لا تعني إهانة الآخر أو الاعتداء عليه، والانتماء إلى فريق لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر للكراهية أو وسيلة لتبرير العنف. ما أجمل أن تكون المنافسة بين الجماهير داخل المدرجات، من خلال الأغاني المبتكرة، والتيفوهات الخيالية، وعروض التشجيع المبهرة، والكراكاجات التي تضفي على المباريات أجواء استثنائية! وما أجمل أن يسعى كل جمهور إلى التفوق على منافسه بإبداعه، وأن يحاول إبهار العيون وإمتاع الحاضرين، دون أن ينتقص من قيمة الآخر أو يمس بسلامته وكرامته.

إننا بحاجة إلى تغيير نظرتنا إلى معنى التشجيع، وإلى إعادة التفكير في طبيعة المنافسة التي نريدها داخل ملاعبنا. فالمنافسة الشريفة هي التي تدفع الخصوم إلى تقديم أفضل ما لديهم لا إلى تدمير بعضهم بعضًا، وهي التي تجعل كل طرف يسعى إلى إثبات تميزه من خلال إبداعه، لا من خلال قدرته على إيذاء الطرف الآخر.
أما مشاهد العنف التي تتكرر من حين إلى آخر، وما تخلفه من خوف وأضرار وعداوات، فلا علاقة لها بجمال كرة القدم ولا بروحها الرياضية. فليس من المعقول أن تتحول لعبة يفترض أن تجمع الناس حول شغف مشترك إلى سبب في التفرقة بينهم، وليس من المنطقي أن تصبح ألوان الفرق أقوى من روابط الأخوة التي تجمع أبناء الوطن الواحد.
فلنجعل من مدرجاتنا فضاءات للإبداع بدل العنف، وللمنافسة بدل العداوة، وللتعبير بدل التخريب. فالقيمة الحقيقية للجمهور لا تُقاس بقدرته على إخافة خصومه، بل بقدرته على إبهارهم، ولا تتجلى قوة الانتماء في كراهية الآخر، بل في الوفاء للفريق مع احترام المنافس.
فلتكن المنافسة في جمال الأغاني، وروعة التيفوهات، وقوة الحضور، وابتكار الرسائل، لا في عدد الإصابات أو حجم الخسائر. لأننا، في نهاية المطاف، نشجع فرقًا مختلفة، لكننا نظل أبناء وطن واحد، وما أجمل أن نختلف في الألوان، ونتنافس في الإبداع، دون أن نختلف في إنسانيتنا.
أيوب عبوي
طالب و باحث متخرج من المدرسة العليا للأساتذة بالرباط.

اترك رد