«المجتمع والهوية والشرعية في الدولة المزدوجة الإيرانية» … الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :….باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي…

المشروع الاستراتيجي: «من يملك السيادة؟»

التقرير الاستراتيجي رقم (59) / 8 :

«بين المواطن الإيراني والمواطن الثوري»

13 تشرين الأول / أكتوبر 2026

1. الازدواجية هنا ليست مؤسسات فقط… بل هويات أيضًا

الدولة الإيرانية الحديثة لا تطلب من المواطن الانتماء إلى الدولة بوصفها جغرافيا وسيادة وقانونًا فقط؛ بل تحمل أيضًا تعريفًا عقائديًا للدولة نفسها.

فالدستور الإيراني ينص في مادته الثانية عشرة على أن الإسلام والمذهب الجعفري الاثني عشري هما الدين والمذهب الرسميان، فيما تضع المادة الحادية عشرة تصورًا يتجاوز الحدود الوطنية، بالتأكيد على وحدة الأمة الإسلامية والسعي إلى وحدتها السياسية والاقتصادية والثقافية.

ومن هنا يتولد مستويان متداخلان للهوية:

الهوية الوطنية الإيرانية:

إيران، التاريخ، اللغة والثقافة، الأرض، الدولة، والمجتمع.

وإلى جانبها:

الهوية الإسلامية–الثورية:

الجمهورية الإسلامية، الثورة، ولاية الفقيه، الأمة الإسلامية، وفكرة الدفاع عن المشروع الثوري.

هاتان الهويتان لا تتعارضان بالضرورة؛

فالنظام نفسه عمل طويلًا على دمجهما،

وتقديم الجمهورية الإسلامية باعتبارها التعبير السياسي عن استقلال إيران وهويتها الدينية معًا.

لكن التوتر يظهر عندما يختلف تعريف المصلحة الوطنية الإيرانية عن تعريف الواجب العقائدي أو الثوري، أو عندما يرى المواطن أن الانتماء إلى الوطن لا يقتضي بالضرورة تأييد جميع سياسات النظام.

وهنا يظهر السؤال:

هل المواطن مطلوب منه أن يكون إيرانيًا أولًا، أم حاملًا لمشروع الجمهورية الإسلامية أولًا؟

والأدق مؤسساتيًا أن نسأل:

هل تتسع المواطنة الإيرانية لجميع المواطنين على قدم المساواة، بصرف النظر عن موقفهم من المشروع الثوري؟

وهذا أحد أعمق أسئلة الشرعية في النظام الإيراني.

2. الشرعية الإيرانية ليست مصدرًا واحدًا

النظام الإيراني لا يستند إلى الشرعية الدينية وحدها.

لقد بنى شرعيته تاريخيًا من عدة مصادر متراكبة:

♦️ الشرعية الثورية: ثورة 1979 وسقوط نظام الشاه.

♦️ الشرعية الدينية: ولاية الفقيه والمرجعية الإسلامية للنظام.

♦️ الشرعية الانتخابية: الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وغيرها.

♦️ الشرعية الوطنية: حماية إيران واستقلالها في مواجهة القوى الخارجية.

♦️ الشرعية الأمنية: حفظ الدولة والنظام في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.

♦️ الشرعية الإنجازية: قدرة الدولة على تقديم الخدمات والتعليم والصحة والبنية التحتية والتنمية.

لكن من الضروري التمييز بين ثلاثة مستويات:

شرعية الدولة بوصفها كيانًا وطنيًا.

وشرعية النظام بوصفه صيغة محددة للحكم.

وشرعية السياسات الحكومية بوصفها قرارات قابلة للتأييد أو الاعتراض.

فقد يعارض المواطن سياسة اقتصادية دون أن يعارض النظام، وقد يعارض النظام السياسي دون أن يتخلى عن ولائه للدولة.

وهذه نقطة مهمة جدًا:

كلما ضعف أحد مصادر الشرعية، يستطيع النظام أن يستند مؤقتًا إلى مصادر أخرى.

إذا انخفض الرضا الاقتصادي، يمكن تعبئة الشعور القومي.

وإذا تراجعت المشاركة السياسية، يمكن استدعاء شرعية الثورة أو التهديد الخارجي.

لكن تعدد مصادر الشرعية لا يضمن بقاءها جميعًا؛ فتراكم الأزمات قد يؤدي إلى تآكل عدة مصادر في وقت واحد، أو إلى انفصالها في وعي المجتمع.

3. الجمهورية والثورة داخل المواطن نفسه

من منظور البنية الدستورية والعقائدية، يُنظر إلى المواطن من زاويتين.

هو من جهة:

ناخب، ودافع ضرائب، ومتلقي خدمات، وصاحب حقوق قانونية.

ومن جهة ثانية:

عضو في مجتمع يُنتظر منه الالتزام بالقيم التي يقوم عليها النظام، والمشاركة في حماية مكتسبات الثورة.

وهذا يخلق نموذجًا مختلفًا عن التصور الليبرالي التقليدي للمواطنة.

فالمواطنة القانونية تقوم، من حيث المبدأ، على:

حقوق + واجبات + مساواة أمام القانون.

أما النظام العقائدي فيضيف إلى ذلك توقعًا سياسيًا وأخلاقيًا:

الالتزام بالقيم المؤسسة للنظام.

ولا يعني هذا أن جميع المواطنين يخضعون لواجب عقائدي واحد بالدرجة نفسها، أو أن كل اختلاف فكري يتحول تلقائيًا إلى مخالفة قانونية؛ فالمسألة تتفاوت بحسب المجال والمؤسسة والموقع السياسي.

لكن المشكلة تظهر عندما يصبح المواطن مستوفيًا لشروط المواطنة القانونية، بينما يواجه قيودًا على المشاركة أو الوصول إلى بعض مواقع السلطة بسبب موقفه العقائدي أو السياسي.

وهنا ينبغي التمييز بين:

المواطنة بوصفها صفة قانونية.

والولاء العقائدي بوصفه معيارًا سياسيًا.

وكلما اتسعت المسافة بينهما، ظهرت حدود المساواة السياسية داخل الدولة العقائدية.

4. الباسيج: تحويل العقيدة إلى تنظيم اجتماعي

إذا كان الحرس الثوري أحد أهم أدوات حماية النظام عسكريًا وأمنيًا، فإن الباسيج يمثل إحدى أبرز وسائل تحويل العقيدة الثورية إلى حضور اجتماعي وتنظيمي يومي.

والباسيج ليس مجرد تشكيل عسكري احتياطي.

له وجود في:

♦️ الأحياء.

♦️ المساجد.

♦️ المدارس والجامعات.

♦️ المؤسسات الحكومية.

♦️ مواقع العمل.

♦️ الفضاء الاجتماعي.

وتعود جذوره إلى دعوة الخميني عام 1979 لإنشاء تعبئة شعبية واسعة، قبل أن يتطور تنظيمه وعلاقته المؤسسية بالحرس الثوري، وتتوسع وظائفه من الحرب والتعبئة إلى الأمن الداخلي والعمل الاجتماعي والسياسي والثقافي.

وهنا تظهر وظيفة شديدة الأهمية:

الباسيج هو أحد الجسور التي تنقل المشروع الثوري من قمة الدولة إلى الحي والجامعة والمدرسة.

لكنه ليس ممثلًا للمجتمع الإيراني كله؛ فالمجتمع يضم أيضًا شبكات مدنية ومهنية وثقافية ودينية لا تتطابق بالضرورة مع تنظيمات الثورة.

وبذلك لا تقتصر الدولة المزدوجة على هندسة مؤسسات الحكم العليا، بل تمتلك امتدادات اجتماعية منظمة، تتفاوت كثافتها وتأثيرها من بيئة إلى أخرى.

5. الإيجاب المؤسساتي للباسيج: قدرة التعبئة

من زاوية القدرة التنظيمية، تمنح هذه الشبكة النظام إمكانات مهمة.

عند الحرب أو الكوارث أو الأزمات، يمكن لشبكات التعبئة المحلية أن تسهم في:

♦️ تعبئة المتطوعين.

♦️ توزيع المساعدات.

♦️ تنظيم جهود الاستجابة محليًا.

♦️ إعداد كوادر سياسية وإدارية.

♦️ نقل التعليمات والرسائل بسرعة.

♦️ تعزيز الاستعداد الأمني.

وهذه قدرات قد يصعب توفيرها بالسرعة نفسها عبر الجهاز البيروقراطي التقليدي وحده.

بمعنى آخر:

النظام لا يعتمد على الشرطة والجيش والمؤسسات الحكومية فقط؛ بل يمتلك شبكات اجتماعية منظمة مرتبطة بمؤسساته العقائدية.

لكن القدرة التنظيمية لا تعني بالضرورة قبولًا اجتماعيًا عامًا؛ ففاعلية التعبئة تعتمد أيضًا على الثقة المحلية، وطبيعة المهمة، ومدى استعداد السكان للتعاون.

وهنا ينبغي الفصل بين أمرين:

قدرة التنظيم على الحشد.

ومدى اقتناع المجتمع بالمشروع الذي يحشد من أجله.

وهما ليسا مقياسًا واحدًا.

6. السلب المؤسساتي للباسيج:

    تداخل المواطن مع جهاز الرقابة

لكن الأداة نفسها تحمل مشكلة مقابلة.

حين تصبح المؤسسة العقائدية موجودة في:

◾️ الجامعة،

◾️ المدرسة،

◾️ مكان العمل،

◾️ والحي،

يمكن أن تضعف المسافة الفاصلة بين:

المجتمع المدني والدولة الأمنية–العقائدية.

وحين يُستخدم الباسيج في مراقبة النشاط السياسي أو مواجهة الاحتجاجات، يتحول من شبكة تعبئة مجتمعية إلى جزء من منظومة الضبط والردع الداخلي.

وقد وثقت دراسات وتقارير أدوارًا لعناصر الباسيج في مواجهة احتجاجات طلابية وانتخابية واجتماعية خلال مراحل مختلفة من تاريخ الجمهورية الإسلامية.

وهنا تظهر المفارقة:

الأداة التي تربط الدولة بالمجتمع يمكن أن تتحول، في ظروف معينة، إلى الأداة التي توسع المسافة بينهما.

فالانتشار التنظيمي يمنح المؤسسة القدرة على الوصول إلى المواطن، لكنه لا يمنحها تلقائيًا ثقته.

وعندما تختلط الخدمة الاجتماعية بالرقابة السياسية، يصبح المواطن أمام علاقة ملتبسة: هل يتعامل مع مؤسسة تقدم له العون، أم مع مؤسسة تراقب موقفه من السلطة؟

وهذه إحدى أكثر مناطق الدولة المزدوجة حساسية على المستوى الاجتماعي.

7. الانتخابات: الشرعية المتجددة ولكن المشروطة

من الخصائص المهمة للنظام الإيراني أنه احتفظ بالمؤسسات الانتخابية.

فالإيراني يصوت للرئيس والبرلمان والمجالس المحلية ومؤسسات انتخابية أخرى.

وهذا يمنح الناخب قناة للمشاركة والتأثير في اختيار مسؤولين وتوجهات وسياسات ضمن الحدود الدستورية القائمة.

لكن المجال الانتخابي نفسه محكوم بشروط أهلية المرشحين وآليات التدقيق التي يمارسها مجلس صيانة الدستور، فضلًا عن وجود صلاحيات استراتيجية لا تتوقف على نتائج الانتخابات وحدها.

إذن هناك:

مشاركة انتخابية فعلية.

لكن داخل:

مجال سياسي محدد دستوريًا ومؤسساتيًا.

وهنا تتشكل شرعية مركبة:

النظام يقدم نفسه بوصفه دينيًا وثوريًا، لكنه أيضًا جمهوري وانتخابي.

وقد أتاحت الانتخابات تاريخيًا تداول مواقع تنفيذية وتشريعية، وصعود اتجاهات سياسية مختلفة داخل الإطار العام للنظام، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انتقال السلطة العليا إلى خارج بنيته العقائدية.

وهنا يصبح السؤال ليس فقط:

هل توجد انتخابات؟

بل أيضًا:

ما حجم القرار الذي يستطيع المواطن تغييره عبر الانتخابات؟

فوجود صندوق الاقتراع لا يكفي وحده لقياس اتساع السيادة الشعبية؛ وإنما ينبغي النظر إلى حدود السلطة التي يملك المنتخبون ممارستها.

8. المشكلة: ماذا يحدث عندما لا يرى المواطن الانتخابات طريقًا للتغيير؟

هنا تدخل أزمة الشرعية الانتخابية.

حين يعتقد جزء من المجتمع أن الانتخابات لا تستطيع تغيير القضايا الأساسية، فإن المشاركة قد تفقد تدريجيًا قدرتها على تجديد الثقة بالمؤسسات.

وفي استطلاع أجرته مؤسسة GAMAAN خلال أيلول / سبتمبر 2025، اختار نحو 14.4% من المستجيبين المشاركة في الانتخابات بوصفها الوسيلة الأكثر فاعلية لإحداث التغيير، مقابل 31.4% للاحتجاجات المدنية، فيما توزعت بقية الإجابات على خيارات أخرى أو عدم إبداء رأي.

وهذا لا يعني أن 14.4% فقط يؤمنون بالانتخابات، بل يعني أن هذه النسبة اختارتها بوصفها الوسيلة الأكثر فاعلية ضمن الخيارات المطروحة.

وفي تقرير نشرته GAMAAN عام 2025 اعتمادًا على استطلاع أُجري عام 2024، أشارت المؤسسة إلى أن نحو 70% من المستجيبين عارضوا استمرار الجمهورية الإسلامية، مع اختلاف مواقفهم بشأن طبيعة النظام البديل.

وهنا لا بد من تحفظ منهجي:

استطلاعات الرأي الإلكترونية في البيئات المقيدة تواجه تحديات تتعلق بإمكان الوصول إلى الإنترنت، والاستجابة الطوعية، وتمثيل الفئات الاجتماعية، حتى مع استخدام الأوزان الإحصائية لتقليل الانحياز.

ولذلك لا يجوز التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها حكمًا نهائيًا على موقف كل الإيرانيين.

لكنها تقدم مؤشرًا يستحق الدراسة:

هناك قطاعات من المجتمع لا ترى المشاركة داخل المؤسسات القائمة طريقًا كافيًا للتغيير.

وتبرز هنا مفارقة إضافية:

الاعتراض على استمرار النظام لا يعني بالضرورة الاتفاق على شكل البديل.

فالمعارضة الاجتماعية قد تكون واسعة ومتنوعة في الوقت نفسه، بينما تبقى رؤاها الدستورية والسياسية مختلفة.

وهذا التمييز ضروري لفهم الشرعية، كما هو ضروري لفهم حدود التحول السياسي.

9. الشباب: فجوة الذاكرة السياسية

الأجيال التي صنعت الثورة عاشت:

◾️ نظام الشاه،

◾️ ثورة 1979،

◾️ الحرب العراقية–الإيرانية،

◾️ سنوات تأسيس الجمهورية وبناء مؤسساتها.

أما شاب إيراني عمره عشرون أو ثلاثون عامًا اليوم، فلم يعش تلك الأحداث بوصفها تجربة شخصية مباشرة.

وهو يقيس أداء النظام من خلال قضايا معاصرة، منها:

♦️ فرص العمل.

♦️ الحرية الشخصية.

♦️ الإنترنت.

♦️ السفر.

♦️ الاقتصاد.

♦️ العلاقة مع العالم.

♦️ الحقوق الفردية.

ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته:

فجوة الذاكرة السياسية.

فالجيل المؤسس يستحضر الثورة باعتبارها لحظة تحرر وتأسيس واستقلال.

بينما قد يقول جزء من الجيل الجديد:

«أنا أحاكم النظام على حياتي الحالية، لا على ما حدث سنة 1979».

لكن الشباب الإيراني ليسوا كتلة سياسية واحدة؛ ففيهم المؤيدون والمعارضون والإصلاحيون وغير المنخرطين في السياسة.

والمشكلة المؤسساتية لا تكمن في افتراض موقف موحد للشباب، بل في أن الشرعية المستمدة من الذاكرة التاريخية تحتاج إلى تجديد مستمر كي تبقى مقنعة لمن لم يعش تلك الذاكرة.

وهذه مشكلة لا تُعالج بالأمن وحده، لأنها تتعلق بقدرة النظام على إنتاج معنى سياسي جديد للأجيال المتعاقبة.

10. المرأة: نقطة اصطدام العقيدة بالمجتمع

وضع المرأة واحد من أوضح المجالات التي يظهر فيها التوتر بين الدولة العقائدية والمجتمع المتغير.

فالدستور الإيراني يعترف بحقوق الرجال والنساء ضمن الإطار القانوني الإسلامي، لكنه يجعل ممارسة تلك الحقوق مرتبطة بمعايير النظام الدستورية والدينية.

ومع اتساع تعليم النساء وحضورهن الاجتماعي والمهني، وانتشار أنماط حياة أكثر تنوعًا، أصبحت بعض القيود المتعلقة باللباس والسلوك والحقوق الشخصية ميدانًا للاختلاف والصدام السياسي.

وقد ظهر ذلك بوضوح في حركة:

«المرأة، الحياة، الحرية».

التي انطلقت عام 2022 بعد وفاة مهسا أميني عقب احتجازها، ثم اتسعت مطالب المشاركين فيها إلى قضايا الحقوق والحريات وطبيعة العلاقة بين المجتمع والسلطة.

ومن هنا فإن قضية الحجاب، مثلًا، لم تعد في المجال السياسي مجرد نقاش فقهي أو تنظيمي.

بل أصبحت سؤالًا عن:

من يملك تعريف حدود المجال الخاص للمواطن: الفرد أم الدولة العقائدية؟

وهذا سؤال شرعية، وليس مجرد سؤال لباس.

كما أن قضية المرأة تكشف مفارقة أوسع:

قد تنجح الدولة في توسيع التعليم والمشاركة الاجتماعية، لكنها تواجه لاحقًا مطالب ناتجة عن ذلك التوسع نفسه، تتعلق بالمساواة والاستقلال الفردي وحق الاختيار.

وهنا يتقاطع التحديث الاجتماعي مع حدود البنية العقائدية.

11. الأقليات الدينية والقومية:

   المواطنة غير المتطابقة تمامًا

يعترف الدستور الإيراني صراحة بالزرادشتيين واليهود والمسيحيين بوصفهم الأقليات الدينية المعترف بها، ويمنحهم حقوقًا محددة في الشعائر والأحوال الشخصية.

كما يعترف بالمذاهب الإسلامية الأخرى ضمن أحكام دستورية خاصة.

وفي المقابل، تؤكد المادة التاسعة عشرة المساواة في الحقوق بصرف النظر عن القومية والقبيلة واللغة، فيما تربط المادة العشرون التمتع بالحقوق بالمعايير الإسلامية.

لكن هناك فرق بين:

الاعتراف القانوني بالتعدد.

و:

المساواة الكاملة في فرص الوصول إلى مواقع السلطة العليا.

فالمادة الخامسة عشرة بعد المئة من الدستور، مثلًا، تشترط في المرشح لرئاسة الجمهورية الإيمان بالمبادئ الأساسية للجمهورية الإسلامية وبالمذهب الرسمي للبلاد.

وهنا تظهر حدود مؤسساتية واضحة:

يمكن للدولة أن تعترف بالتعدد الاجتماعي والديني، من دون أن تجعل هذا التعدد أساسًا متساويًا للوصول إلى جميع مواقع السلطة.

ولا ينبغي كذلك اختزال المسألة القومية في الدين وحده.

فإيران تضم مجتمعات فارسية وأذرية وكردية وعربية وبلوشية وتركمانية وغيرها، تختلف مطالبها وهوياتها المحلية وعلاقاتها بالمركز.

وبعض التوترات تتعلق باللغة والتنمية والتمثيل السياسي وتوزيع الموارد، لا بالعقيدة الدينية فقط.

وهذا يضيف بُعدًا آخر إلى مفهوم السيادة:

فالمواطنة المتساوية لا تُقاس بالانتماء الوطني المعلن وحده، بل بقدرة المؤسسات على استيعاب التنوع القانوني والثقافي والسياسي.

12. الهوية القومية الإيرانية:

المنافس الذي لا يستطيع النظام الاستغناء عنه

من الخطأ تصور أن النظام الإيراني يعتمد فقط على الإسلام السياسي.

فإيران تمتلك هوية تاريخية وثقافية عميقة تسبق الجمهورية الإسلامية بقرون.

اللغة الفارسية، والذاكرة الحضارية، والشعر، ونوروز، والتاريخ، والإحساس بالاستقلال الوطني؛ كلها عناصر مهمة في الوعي الإيراني.

والنظام نفسه يستخدم الرموز الوطنية والتاريخية عندما يحتاج إلى التعبئة العامة، خصوصًا في أوقات الحرب والتهديد الخارجي.

وهنا نشهد ظاهرة مهمة:

الدولة الإسلامية تحتاج إلى الهوية القومية الإيرانية، حتى وهي تحاول إدماجها في مشروعها الإسلامي والثوري.

لكن العلاقة بين الوطنية والنظام ليست علاقة تطابق دائم.

فعند وقوع هجوم على إيران، قد يدافع المواطن عن وطنه وسيادته حتى لو كان معارضًا للجمهورية الإسلامية.

وفي المقابل، قد يؤيد مواطن آخر النظام لأنه يراه الضامن الأقوى لاستقلال البلاد.

وهنا يجب التفريق بين:

شرعية النظام.

و:

شرعية الوطن.

وهما ليستا الشيء نفسه.

بل إن قوة الوطنية قد تظهر أحيانًا في مواقف متعارضة من الحكومة، مع اشتراك أصحابها في رفض المساس بوحدة البلاد وسيادتها.

ومن هنا فإن الوطنية ليست ملكية سياسية حصرية لأي مؤسسة أو تيار.

13. هذه النقطة أصبحت أوضح بعد الحروب الأخيرة

تقدم استطلاعات الرأي الحديثة إشارات مهمة إلى التمييز بين الموقف من الحرب والموقف من النظام.

ففي استطلاع GAMAAN المنشور في 27 تموز / يوليو 2026، والمبني على إجابات جُمعت خلال الفترة من 20 إلى 27 حزيران / يونيو، وصف 42% من المستجيبين العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية بأنها عدوان على إيران، فيما عارضت نسبة قريبة هذا التوصيف.

وفي سؤال آخر ضمن الاستطلاع نفسه، حظي شعار «عاشت إيران» بموافقة بلغت 94%، بينما واجهت شعارات مرتبطة مباشرة بالخطاب الرسمي للجمهورية الإسلامية مستويات أعلى من الرفض.

ولا تعني هذه النتائج أن كل من يرفع شعار إيران يعارض النظام، أو أن كل من يعارض الهجمات الخارجية يؤيده.

كما أن العينة اعتمدت على مشاركين عبر أدوات اتصال إلكترونية، واستُخدمت أوزان إحصائية لمواءمتها مع خصائص السكان المتعلمين داخل إيران ممن تبلغ أعمارهم خمسة عشر عامًا فأكثر؛ ولذلك لا يجوز تعميمها بلا تحفظ على جميع السكان.

لكن الإشارة التحليلية المهمة تبقى قائمة:

يمكن أن تتعايش الوطنية الإيرانية القوية مع مواقف سياسية مختلفة، بل متعارضة، من الجمهورية الإسلامية.

وهذا يقودنا إلى استنتاج يستحق الاحتفاظ به:

الدفاع عن الوطن لا يساوي تلقائيًا تفويض النظام، كما أن معارضة النظام لا تعني بالضرورة التخلي عن الوطن.

والتمييز بين الأمرين ضروري لفهم المجتمع الإيراني خلال الحرب والسلم معًا.

14. الشرعية الأمنية: «نحن نحميكم من الفوضى»

هناك مصدر آخر للشرعية لا ينبغي التقليل منه.

فالنظام الإيراني يقدم نفسه أيضًا بوصفه:

ضامن وحدة إيران وأمنها ومنع انهيار مؤسساتها.

ويستحضر الخطاب السياسي الرسمي تجارب إقليمية شهدت الحروب أو التفكك أو التدخل الخارجي، مثل:

◾️ العراق بعد 2003،

◾️ سوريا،

◾️ ليبيا،

◾️ وأفغانستان.

وتقوم الحجة الأمنية هنا على معادلة مفادها:

قد تختلفون مع النظام، لكن انهيار الدولة أو تفكك مؤسساتها قد يحمل تكاليف أشد خطورة.

وهذه ليست حجة خاصة بإيران؛ إذ تستند أنظمة عديدة إلى الخوف من الفوضى أو الحرب الأهلية أو التدخل الخارجي لتعزيز شرعية الاستمرار.

لكن من الضروري التمييز بين:

حماية الدولة ومؤسساتها.

و:

حماية النظام السياسي القائم.

فقد يتفق مواطنان على ضرورة منع انهيار الدولة، بينما يختلفان بشأن شكل النظام الذي ينبغي أن يحكمها.

وهنا تظهر أهمية الشرعية الأمنية وحدودها في آن واحد.

15. لكن الإفراط في الأمن يمكن أن يقوض الشرعية الأمنية نفسها

هنا تظهر المفارقة.

إذا استخدمت الدولة مؤسساتها الأمنية لحماية المجتمع وسيادة القانون، فقد يعزز ذلك ثقة المواطنين بها.

لكن إذا أصبح المواطن يرى بعض الأجهزة الأمنية باعتبارها مصدر تهديد لحقوقه وحرياته، فقد تنقلب المعادلة.

وقد وثقت تقارير حقوقية ودراسات متخصصة استخدام القوة والاعتقالات والتضييق على النشاط الاحتجاجي والمدني خلال مراحل متعددة من تاريخ الجمهورية الإسلامية، ولا سيما في احتجاجات السنوات الأخيرة.

وهنا يصبح الأمن ذا وجهين:

يحمي الدولة من أخطار حقيقية.

لكن الاستخدام المفرط له قد يزيد اغتراب قطاعات من المجتمع عن مؤسسات الحكم.

وتنشأ المشكلة عندما يتسع تعريف التهديد الأمني ليشمل أنماطًا من الاختلاف السياسي أو الثقافي السلمي.

فالأمن الذي يحمي المجال العام يختلف مؤسساتيًا عن الأمن الذي يضيق هذا المجال.

وهنا ينبغي ألا نخلط بين:

قدرة الدولة على فرض النظام.

وقدرتها على إنتاج الرضا والقبول.

فالأولى قد تستمر بالقوة التنظيمية، أما الثانية فتحتاج إلى علاقة أوسع من الثقة والمساءلة والحقوق.

16. الشرعية الإنجازية:

  الدولة التي تعلم وتعالج وتبني

حتى الدراسة المحايدة لا ينبغي أن تختزل الجمهورية الإسلامية في بعدها الأمني وحده.

فخلال عقودها توسعت مؤسسات الدولة في مجالات متعددة، منها:

♦️ التعليم العام والعالي.

♦️ الجامعات والبحث العلمي.

♦️ الخدمات الصحية.

♦️ البنى التحتية.

♦️ الكهرباء والمياه والطرق في مناطق عديدة.

♦️ القدرات الصناعية والعلمية المحلية.

وقد أسهمت هذه التحولات في تحسين بعض مؤشرات التنمية وتوسيع الوصول إلى الخدمات، مع استمرار تفاوتات إقليمية واجتماعية ومشكلات اقتصادية وهيكلية مهمة.

كما ينبغي التمييز بين الإنجازات التي تحققت في ظل الجمهورية الإسلامية، وبين نسبة جميع هذه الإنجازات إلى مؤسساتها العقائدية وحدها؛ فجزء منها يمثل تراكمًا تاريخيًا لقدرات الدولة والمجتمع والكوادر المهنية الإيرانية.

وهنا تظهر مفارقة عميقة:

التوسع في التعليم والخدمات ينتج مجتمعًا أكثر قدرة على المشاركة والمطالبة والمقارنة.

وكلما اتسعت المعرفة والاتصالات والتطلعات، أصبح قياس شرعية النظام قائمًا على الحاضر والمستقبل، لا على إنجازات الماضي وحدها.

أي أن:

الدولة ساهمت في تعليم المواطن الذي أصبح أكثر قدرة على مساءلتها عن قواعد العلاقة معه.

وهذا من أبرز تناقضات التحديث السياسي والاجتماعي في الأنظمة العقائدية.

17. الدين نفسه: مصدر شرعية وميدان اختلاف

النظام قائم على شرعية إسلامية شيعية.

لكن الشيعة في إيران ليسوا كتلة سياسية واحدة.

فهناك اختلافات بين علماء الدين في تفسير حدود ولاية الفقيه، وبين اتجاهات محافظة وإصلاحية، وبين متدينين يؤيدون النظام ومتدينين يعارضون بعض سياساته أو بنيته السياسية.

كما أن المجتمع الإيراني يضم درجات مختلفة من التدين، وأنماطًا متعددة من الممارسة الدينية والانتماء الثقافي.

وهذا يعني أن:

الاعتراض على الجمهورية الإسلامية لا يعني بالضرورة الاعتراض على الدين.

كما أن التدين لا يساوي تلقائيًا التأييد السياسي لولاية الفقيه.

وهذه نقطة مهمة جدًا حتى لا نخلط بين:

التدين الاجتماعي.

و:

شرعية النظام الديني السياسي.

فقد يحافظ المواطن على هويته الإسلامية والشيعية، مع اعتراضه على توظيف المؤسسة الدينية في السلطة، أو على حدود الصلاحيات الممنوحة للفقيه الحاكم.

وبالمقابل، قد يرى مواطن متدين آخر أن النظام السياسي القائم هو التعبير الصحيح عن التزامه الديني.

وهنا لا يكون الخلاف بالضرورة بين الدين واللادين، بل قد يكون داخل المجال الديني نفسه، حول علاقة العقيدة بالسلطة وحدود الإلزام السياسي.

18. المواطن بين ثلاث دوائر للولاء

يمكن الآن تبسيط الوضع الاجتماعي الإيراني إلى ثلاث دوائر متداخلة:

الدائرة الأولى: إيران

الوطن والتاريخ والجغرافيا والثقافة.

الدائرة الثانية: الإسلام والمذهب

الهوية الدينية والاجتماعية.

الدائرة الثالثة: الجمهورية الإسلامية

النظام السياسي الذي يقدم نفسه بوصفه تعبيرًا عن الدائرتين السابقتين.

في مراحل معينة تتداخل الدوائر الثلاث.

لكن حين يختلف المواطن مع النظام، يمكن أن يقول:

أنا إيراني، ومسلم، ولكنني لا أؤيد طريقة حكم الجمهورية الإسلامية.

ويمكن لمواطن آخر أن يرى أن انتماءه إلى الدوائر الثلاث متكامل، وأن الدفاع عن النظام جزء من الدفاع عن الوطن والعقيدة.

وهذا الاختلاف يكشف حقيقة أساسية:

المجتمع لا يعيش بالضرورة داخل تعريف واحد للهوية السياسية.

وهنا يظهر التحدي بالنسبة إلى النظام:

إمكان انفصال الهوية الوطنية أو الدينية، في وعي بعض المواطنين، عن شرعية المؤسسة التي تدعي تمثيلهما سياسيًا.

لكن الانفصال الفكري لا يتحول تلقائيًا إلى تحول سياسي.

فبين تغير القناعات الاجتماعية وتغير بنية الحكم تقف المؤسسات والقوانين والتنظيمات وتوازنات القوة، فضلًا عن اختلاف تصورات المواطنين أنفسهم بشأن البديل.

وهذه نقطة مهمة في أي قراءة استراتيجية لمستقبل الدولة المزدوجة.

19. التقييم المؤسساتي المحايد

أ. الجانب الإيجابي: أين تكمن قوة النموذج اجتماعيًا؟

♦️ أولًا: هوية سياسية واضحة

يمتلك النظام تعريفًا دستوريًا وعقائديًا واضحًا لمبادئه وأهدافه، بما يتيح لمؤسساته إنتاج خطاب تعبوي متماسك نسبيًا.

♦️ ثانيًا: شبكات اجتماعية عميقة

المساجد والباسيج والمؤسسات الخيرية والدينية والثورية تمنح النظام حضورًا تنظيميًا يتجاوز الجهاز الحكومي المركزي.

♦️ ثالثًا: القدرة على التعبئة وقت الحرب

الجمع بين الوطنية الإيرانية والذاكرة التاريخية والدين والثورة يوفر للنظام أدوات متعددة للتعبئة عند التهديد الخارجي، وإن تفاوت قبولها بين المواطنين.

♦️ رابعًا: إنتاج كوادر مرتبطة بالمؤسسات

تتيح المؤسسات العقائدية إعداد كوادر سياسية وأمنية وإدارية واجتماعية، ونقل الخبرة التنظيمية بين الأجيال.

♦️ خامسًا: تعدد مصادر الشرعية

لا يعتمد النظام على الانتخابات وحدها أو الدين وحده؛ بل يستند إلى مصادر متراكبة، ما يمنحه قدرة على الاستمرار حين يتراجع أحدها، دون أن يضمن ذلك بقاء قبول المجتمع به.

ب. الجانب السلبي: أين تبدأ التوترات البنيوية؟

♦️ أولًا: المواطنة المشروطة بالعقيدة

كلما ارتبط الوصول إلى بعض مواقع السلطة بالانتماء العقائدي أو السياسي، أصبحت فرص المشاركة أقل مساواة بين المواطنين.

♦️ ثانيًا: فجوة الأجيال

تحتاج شرعية الثورة إلى تجديد مستمر عندما تصبح أحداثها ذاكرة تاريخية لا تجربة شخصية لدى معظم الأجيال الجديدة.

♦️ ثالثًا: تحويل الاختلاف السياسي إلى سؤال ولاء

إذا جرى تفسير المعارضة السلمية باعتبارها تهديدًا للنظام أو الثورة، فقد يضيق الحد الفاصل بين المعارضة السياسية والتهديد الأمني.

♦️ رابعًا: حدود التجديد الانتخابي

إذا شعر المواطن بأن القضايا الجوهرية لا يمكن تغييرها انتخابيًا، تتراجع قدرة صندوق الاقتراع على تجديد الثقة السياسية.

♦️ خامسًا: صراع المجال الخاص

كلما اتسع تدخل الدولة العقائدية في اللباس والسلوك والثقافة والحياة الخاصة، ازدادت احتمالات الاحتكاك مع مواطنين يطالبون باستقلال أكبر في خياراتهم الشخصية.

♦️ سادسًا: انفصال الوطنية عن الولاء للنظام

حين يميز المواطن بين حب إيران وتأييد الجمهورية الإسلامية، يصبح تمثيل الوطنية مجالًا للتنافس السياسي، لا امتيازًا حصريًا لمؤسسات الحكم.

♦️ سابعًا: التعدد الاجتماعي دون اتفاق على البديل

قد تتسع مساحة الاعتراض على النظام، بينما تبقى التصورات المتعلقة بالنظام البديل متباينة بين جمهوريين وملكيين وإصلاحيين واتجاهات قومية ومحلية مختلفة.

وهذا يعني أن تراجع شرعية نظام قائم لا يكفي وحده لتحديد المسار السياسي التالي.

ومن هنا تظهر قاعدة استراتيجية:

القدرة على الاستمرار، والقبول الاجتماعي، والقدرة على الإصلاح، ثلاثة مؤشرات مختلفة لا يجوز الخلط بينها.

20. المفارقة الكبرى في الشرعية الإيرانية

وصلنا الآن إلى نتيجة تستحق التوقف عندها:

الجمهورية الإسلامية بنت شرعيتها في البداية على تقديم نفسها باعتبارها التعبير السياسي عن الدين والوطن والثورة معًا؛ لكن بمرور الزمن أصبحت تواجه سؤالًا معاكسًا:

هل تستطيع الاحتفاظ بشرعيتها إذا انفصلت هذه العناصر الثلاثة في وعي قطاعات من المجتمع؟

فإذا أصبح المواطن:

وطنيًا دون أن يكون ثوريًا،

ومتدينًا دون أن يكون مؤيدًا لولاية الفقيه،

ومشاركًا اجتماعيًا دون أن يقبل حدود المجال السياسي،

فإن الدولة المزدوجة تواجه مشكلة أعمق من الاحتجاج الاقتصادي.

إنها مشكلة تمثيل.

لكن أزمة التمثيل لا تعني تلقائيًا انهيار الدولة أو انتقال السلطة؛ إذ يمكن للمؤسسات أن تستمر بفعل التنظيم والقانون والموارد والتحالفات الاجتماعية والقدرة الأمنية، حتى عندما تتغير مستويات الرضا الشعبي عنها.

ومن هنا ينبغي التمييز بين سؤالين:

هل يستطيع النظام الاستمرار؟

وهل يستطيع تجديد القبول الاجتماعي بأسس استمراره؟

فقد تختلف الإجابتان اختلافًا كبيرًا.

وهذه، في تقديري، إحدى أهم نتائج المقارنة المؤسساتية التي نعمل عليها:

ليس كل نظام قادر على الاستمرار قادرًا بالضرورة على تجديد شرعيته، وليس كل تراجع في الشرعية مقدمة حتمية لانهيار النظام.

21. الخلاصة المؤسساتية الرابعة

لا تقتصر الدولة المزدوجة الإيرانية على وجود مؤسسات جمهورية وأخرى عقائدية؛ فهي تنتج أيضًا ازدواجًا في مفهوم المواطنة والشرعية. فالمواطن يُعامل من جهة بوصفه فردًا في جمهورية ينتخب ويتلقى الخدمات ويتمتع بحقوق دستورية، ومن جهة أخرى بوصفه عضوًا في مجتمع ثوري–إسلامي تتوقع مؤسسات النظام منه الالتزام بقيمه المؤسسة. وقد منح هذا التركيب الجمهورية الإسلامية قدرة على التعبئة والتنظيم والاستمرار، لكنه خلق في المقابل توترًا بين المواطنة القانونية والانتماء العقائدي، وبين الوطنية الإيرانية وشرعية النظام، وبين مجتمع يتغير اجتماعيًا وثقافيًا وبنية سياسية صُممت للمحافظة على استمرارية الثورة.

ولا تعني هذه التوترات أن المجتمع الإيراني موحد في موقفه من النظام، أو أن اختلاف المواطنين بشأن شرعيته يقودهم إلى تصور سياسي واحد للمستقبل. كما أن بقاء مؤسسات الحكم لا يكفي وحده لإثبات استمرار القبول الشعبي بها. ومن هنا فإن التحدي الاجتماعي للدولة المزدوجة لا يقتصر على إدارة الاختلاف، بل يمتد إلى قدرتها على تجديد العلاقة بين الدولة والمواطن، وعلى التمييز بين حماية الوطن وحماية النظام، وبين الانتماء الديني والالتزام السياسي.

«قوة النظام الإيراني أنه حاول أن يجعل إيران والإسلام والثورة هويةً واحدة؛ ومشكلته تبدأ حين يكتشف المواطن أنها يمكن أن تكون ثلاث هويات منفصلة».

اترك رد