لماذا نختلف.. ولماذا نفسد الود؟..خلود جبار عبيد ·

منبر العراق الحر :
تتردد على مسامعنا جملة شهيرة: “الاختلاف لا يفسد من الود قضية”. جملة نبدو مقتنعين بها نظرياً، لكننا نصطدم في الواقع بتناقض هذه الجملة ؛ فأبسط اختلاف في الرأي يتحول غالباً إلى جفاء وقطيعة. فلماذا يتسع هذا الشرخ بين مانقوله والواقع؟ وكيف فسر الفلاسفة وعلماء النفس هذه الظاهرة؟
من منظور تاريخي، تعامل الفلاسفة مع الاختلاف كضرورة عقلية. فعند أرسطو، المعرفة تبدأ من تباين الآراء، ولا يمكن للناس أن يتفقوا على زاوية واحدة لرؤية الحقيقة لأن العالم أوسع من أن يحيط به عقل فردي. ومن جانب آخر ، وضع الإمام الشافعي قاعدة ذهبية تنظم العلاقة الفكرية بقوله الشهير: “رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب”. هذا الطرح يرسخ مبدأ أساسياً: الفكرة منفصلة عن صاحبها. الود يعبر عن الرابطة الإنسانية، بينما الاختلاف يعبر عن العمليات العقلية البحتة؛ وبحسب هذا المنطق، لا مانع أبداً من أن يتخالف عقلان ويتصافح قلبان.
إذا كان الفصل بين الفكرة والشخص منطقياً، فلماذا نرى العكس في الواقع؟ السبب يكمن في تدخل عوامل نفسية تفسد هذا التوازن؛ أبرزها دمج الذات بالفكرة، حيث يميل الإنسان إلى اعتبار رأيه امتداداً لشخصه، فيشعر بتهديد مباشر لكيانه عند معارضة أحدهم له. يضاف إلى ذلك الدوافع الخفية كالحسد والمراقبة المستمرة، حيث يكون الخلاف الفكري مجرد غطاء لتفريغ شحنات الغيرة من نجاح الآخر أو تميزه. إدارة الاختلاف تتطلب كبحاً للأنانية ونضجاً في تقبل الآخر، وهو مجهود شاق لا يقدر عليه الجميع.
مقولة “الاختلاف لا يفسد من الود قضية” ليست واقعاً تلقائياً، بل هي مهارة أخلاقية تتطلب وعياً وحدوداً واضحة بين نقد الأفكار ومهاجمة الأشخاص. الود القوي يتحمل تباين الرؤى، أما الود الهش فتكسره أبسط رياح الخلاف.

اترك رد