منبر العراق الحر :من السهل أن تختلف مع حكومة، وأن تنتقد أداءها، بل أن تطالب بتغييرها. لكن من الصعب تفسير ذلك الإصرار على إنكار كل ما تحققه، وكأن الاعتراف بإنجاز واحد يمنح خصومها هزيمة سياسية. والأشد غرابة أن يتحول الخلاف حول إدارة الحاضر إلى محاولة لإعادة كتابة الماضي، أو إخضاع الحقوق الدستورية لموازين القوة والمصالح المتغيرة. هنا لا تعود المسألة مرتبطة بحكومة أو حزب، وإنما بثقافة سياسية لم تتعلم بعد أن الاعتراف بحقوق الآخرين لا ينتقص من حقوقها، وأن نجاح جزء من الدولة لا ينبغي أن يُفسَّر باعتباره خسارة لبقية أجزائها. ولفهم ما يجري في كوردستان، لا تكفي العودة إلى السنوات الأخيرة، لأن جذور المسألة أقدم من الحكومات المتعاقبة والدستور العراقي نفسه. فمنذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، ظلت العلاقة بين المركز والكورد محكومة بسؤال لم يجد تسوية مستقرة: كيف يمكن بناء دولة متعددة القوميات دون أن تتحول وحدتها إلى ذريعة لإلغاء خصوصيات مكوناتها؟
من ثورات الشيخ محمود الحفيد إلى الحركة البارزانية، ومن اتفاقية آذار 1970 إلى حملات الأنفال والقصف الكيميائي لحلبجة عام 1988، لم تكن المطالبة بالحقوق الكوردية وليدة ظرف سياسي طارئ. لقد تشكلت عبر عقود من الصراع والتضحيات، قبل أن تفتح انتفاضة 1991 الطريق أمام تجربة الحكم الذاتي، ثم تأتي انتخابات 1992 لتؤسس لبرلمان وحكومة في الإقليم. ولذلك فإن القول إن وجود كوردستان السياسي والإداري جاء بمنحة من بغداد يتجاهل تسلسلاً تاريخياً سبق النظام الاتحادي الحالي بسنوات طويلة.
وعندما أُقر الدستور العراقي عام 2005، لم ينشئ إقليم كوردستان من العدم، وإنما اعترف في المادة 117 بكيانه وسلطاته القائمة إقليماً اتحادياً. وهذه نقطة قانونية بالغة الأهمية، لأن الاعتراف الدستوري بواقع مؤسساتي قائم يختلف جوهرياً عن منح صلاحيات إدارية مؤقتة يمكن سحبها بقرار سياسي.
ولم يتوقف الدستور عند الاعتراف الشكلي. فقد منحت المادة 121 سلطات الإقليم صلاحيات تشريعية وتنفيذية وقضائية، باستثناء الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، وأقرت المادة 115 مبدأ أولوية قانون الإقليم في حالات التعارض ضمن الاختصاصات المشتركة. وبذلك اختار العراقيون، عبر الاستفتاء الدستوري، نظاماً اتحادياً يفترض توزيع السلطة، لا إعادة إنتاج المركزية تحت مسميات جديدة.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يستحق نقاشاً عراقياً صريحاً: هل يمكن مطالبة كوردستان بالالتزام بالدستور، بينما تبقى بعض الالتزامات الدستورية المقابلة معلقة منذ أكثر من عقدين؟
المادة 140 مثال واضح على هذه الإشكالية. فقد رسمت مساراً لمعالجة أوضاع كركوك والمناطق المتنازع عليها، يبدأ بالتطبيع ثم الإحصاء وينتهي بالاستفتاء، وحددت نهاية عام 2007 موعداً لإنجازه. لكن الموعد مضى دون استكمال التنفيذ. والأهم أن المحكمة الاتحادية أكدت لاحقاً استمرار نفاذ المادة، بما يعني أن انتهاء المهلة لا يساوي سقوط الالتزام الدستوري.
هذه ليست تفصيلاً قانونياً، لأن الدستور لا يستمد قوته من النصوص التي تختار السلطة تطبيقها، بل من التزامها بالنصوص جميعاً. والدولة التي تؤجل معالجة حقوق دستورية متفق عليها، ثم تطالب أحد أطرافها بالثقة الكاملة في مؤسساتها، تضع نفسها أمام أزمة مصداقية تتجاوز حدود الخلاف السياسي.
أما ملف النفط والغاز، فقد كشف عن إشكالية أخرى في تفسير النظام الاتحادي. فالمادة 111 تقرر ملكية النفط والغاز لجميع الشعب العراقي، بينما تنص المادة 112 على إدارة الحقول الحالية من قبل الحكومة الاتحادية مع حكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة، وعلى رسم السياسات الاستراتيجية بصورة مشتركة. ولم يضع الدستور جميع تفاصيل إدارة الثروة النفطية ضمن الاختصاصات الحصرية الواردة في المادة 110.
ومن هذا التداخل نشأ خلاف قانوني وسياسي عميق، تفاقم مع عدم إقرار قانون اتحادي شامل للنفط والغاز. وقد تمسكت أربيل بقراءة دستورية تؤكد صلاحياتها في إدارة القطاع، بينما تبنت بغداد تفسيراً مختلفاً، عززته أحكام المحكمة الاتحادية، ومنها قرار شباط 2022 المتعلق بقانون النفط والغاز في الإقليم.
ولا يصح تجاهل هذه الأحكام أو تصوير المسألة باعتبارها محسومة قانونياً لصالح طرف واحد في جميع تفاصيلها. لكن وجود أحكام قضائية ملزمة لا يلغي الحاجة إلى معالجة التشريع الناقص، ولا يعفي السلطات السياسية من واجب التوصل إلى تنظيم اتحادي واضح يحدد المسؤوليات والحقوق وآليات تقاسم الإيرادات.
ولعل التجربة الأكثر دلالة على هشاشة التفاهمات كانت في عام 2014، عندما تصاعد الخلاف بشأن حصة الإقليم من الموازنة الاتحادية، بالتزامن مع الحرب ضد تنظيم داعش وما فرضته من أعباء أمنية وإنسانية واقتصادية. وبعد سنوات، جاء توقف تصدير النفط عبر ميناء جيهان في آذار 2023، عقب قرار التحكيم الدولي المتعلق بخط الأنابيب العراقي التركي، ليضيف ضغوطاً جديدة على الموارد العامة.
وفي الحالتين، لم تكن النتائج محصورة في المؤسسات الحكومية، بل امتدت إلى الموظفين والأسواق والأسر. وهنا تتقدم مسألة أخلاقية وقانونية: هل ينبغي أن يصبح دخل المواطن واستقرار معيشته وسيلة ضغط في نزاع بين سلطتين دستوريتين؟
إن الحق في الراتب لا ينبغي أن يتحول إلى امتياز تمنحه التسويات السياسية، مثلما لا يجوز أن تعفي المطالبة بالحقوق المالية حكومة الإقليم من واجب الشفافية والانضباط المالي. فالمسؤولية مشتركة وإن اختلفت حدودها، والمواطن ليس طرفاً في المفاوضات حتى يتحمل وحده نتائج تعثرها.
وسط هذه التعقيدات، تسلمت التشكيلة الوزارية التاسعة برئاسة مسرور بارزاني مسؤولياتها في تموز 2019. ولم تكن أمامها بيئة اقتصادية مستقرة، ولا علاقة اتحادية خالية من النزاعات. ومع ذلك، اتجهت إلى تنفيذ مشاريع في الكهرباء والطرق والتعليم والاستثمار، إلى جانب محاولات توسيع الإنتاج المحلي وتنويع النشاط الاقتصادي.
مشروع روناكي، على سبيل المثال، يستحق أن يُناقش من زاوية انتظام الكهرباء وكلفتها واستدامتها، لا من زاوية هوية الجهة التي أطلقته. والمشاريع الاستثمارية ينبغي أن تُقاس بقدرتها على الإنتاج وتوفير فرص العمل، لا بعدد الاحتفالات التي ترافق افتتاحها. فالإنجاز الحكومي لا يحتاج إلى مبالغة كي يصبح مقنعاً، بل إلى نتائج يمكن قياسها والتحقق منها.
وليس في الاعتراف بهذه الخطوات ما يمنع مساءلة الحكومة عن مواطن القصور، أو المطالبة بإصلاحات أوسع في الإدارة والمالية العامة. بل إن النقد الجاد يمنح التجربة فرصة للتطور. غير أن المسافة شاسعة بين مساءلة السلطة ومحاولة نفي كل ما تقوم به، وبين المطالبة بالشفافية وتحويل الاتهام إلى حكم نهائي دون دليل.
واللافت أن بعض الخطابات السياسية والإعلامية تتعامل مع نجاح المؤسسات في كوردستان باعتباره مكسباً حزبياً يجب التقليل من قيمته، مع أن الطريق والمدرسة والكهرباء وفرص العمل لا تنتمي إلى حزب. إنها جزء من حقوق المجتمع، وما يُنجز منها ينبغي أن يبقى ملكاً عاماً مهما تغيرت الحكومات.
وفي المقابل، فإن الدفاع عن الإقليم لا ينبغي أن يتحول إلى دفاع غير مشروط عن كل قرار حكومي. فهناك فارق بين الحقوق الدستورية الثابتة والسياسات التنفيذية القابلة للمراجعة. الأولى لا يجوز الانتقاص منها بفعل الخصومة السياسية، والثانية يجب أن تبقى خاضعة للنقد والمحاسبة.
وهذا التمييز تحديداً هو ما تحتاجه العلاقة بين أربيل وبغداد. فلا يمكن بناء اتحاد مستقر بمنطق الغالب والمغلوب، ولا بتحويل النصوص الدستورية إلى أدوات انتقائية. كما أن المادة 126، بما تتضمنه من ضمانات تتعلق بتعديل صلاحيات الأقاليم، تؤكد أن إعادة ترتيب التوازن الاتحادي ليست مسألة إرادة سياسية منفردة، وإنما عملية دستورية لها شروطها وحدودها.
لقد شهد العراق منذ عام 2003 تحولات هائلة، لكنه لم ينجح بعد في تحويل جميع تفاهماته التأسيسية إلى مؤسسات وقواعد مستقرة. وربما تكمن المشكلة في أن بعض القوى لا تزال تنظر إلى الفيدرالية بوصفها تنازلاً اضطرارياً، بينما هي في جوهر الدستور إحدى الصيغ التي اختارها العراقيون لإدارة التنوع ومنع عودة احتكار السلطة.
وفي هذا السياق، لا يمثل نجاح كوردستان تهديداً للعراق، بل يمكن أن يكون دليلاً على قدرة النظام الاتحادي على إنتاج تجارب إدارية وتنموية متعددة داخل دولة واحدة. فالاتحاد القوي لا يشترط أن تتشابه أقاليمه في كل شيء، وإنما أن تتساوى في الحماية الدستورية، وأن تتكامل مصالحها دون أن تُلغى خصوصياتها. أما الإعلام، فعليه أن يدرك أن الدفاع عن الحقيقة ليس مرادفاً للدفاع عن الحكومة، وأن كشف الأخطاء لا يمنح صاحبه الحق في إنكار الوقائع. فالمصداقية لا تُبنى بالمديح المطلق ولا بالعداء المطلق، وإنما بالشجاعة في قول ما تحقق وما لم يتحقق، حتى عندما لا تخدم الحقيقة الموقف السياسي الذي يتبناه الكاتب.
وليس مطلوباً من كوردستان أن تنتظر شهادة حسن سلوك من خصومها كي تواصل البناء، كما ليس مطلوباً من منتقدي حكومتها أن يتخلوا عن حقهم في المعارضة. المطلوب فقط ألا تصبح الخصومة السياسية مبرراً لإضعاف الحقوق التي دفع المجتمع أثماناً تاريخية للحصول عليها.
فالحكومات مراحل في حياة الشعوب، أما الحقوق الدستورية فهي التزامات تتجاوز أعمار الحكومات. والقيادات تُقاس بما تضيفه إلى مؤسسات الدولة، لا بعدد الأصوات التي تمدحها أو تهاجمها.
وقد ينجح التشكيك في إرباك الرأي العام، وربما تستطيع الحملات السياسية تأخير الاعتراف ببعض الحقائق، لكنها لا تستطيع تغيير التاريخ أو إلغاء النصوص الدستورية أو محو أثر مشروع قائم على الأرض.
فالحقوق التي كُتبت بعد عقود من التضحيات لا ينبغي أن تضيع في خلافات السنوات، والإنجاز الذي يلمسه المواطن لا يحتاج إلى إذن من الخصوم كي يصبح حقيقة. والأرض، التي شهدت كل تلك التضحيات، تعرف جيداً الفرق بين من ناضل من أجل حقوقها، ومن عمل على بنائها، ومن اكتفى بالتشكيك في الاثنين.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر