«حين تعجز السماء عن حسم الحرب… المعضلة الأميركية في إيران» … د. صباح نوري العجيلي

منبر العراق الحر :
شهدت الحروب الحديثة تطوراً كبيراً في قدرات القوة الجوية والصاروخية والطائرات المسيّرة، وأصبحت قادرة على تدمير أهداف عسكرية مهمة وإرباك منظومات القيادة والسيطرة وشل أجزاء من البنية التحتية. ومع ذلك، فإن التفوق الجوي لا يعني بالضرورة تحقيق الحسم السياسي؛ إذ تتوقف نتائج الحرب على طبيعة الأهداف الاستراتيجية، وقدرة الطرف المهاجم على تحويل إنجازاته العسكرية إلى مكاسب سياسية وميدانية مستدامة.

وتؤكد التجارب العسكرية أن القوة الجوية، مهما بلغت دقتها وكثافة ضرباتها، لا تستطيع بمفردها احتلال الأرض أو ضمان السيطرة على المدن أو فرض نظام سياسي جديد. فقد تنجح في إضعاف الخصم وإجباره على التفاوض، لكن إسقاط نظام سياسي وفرض واقع جديد يطرحان تحديات تتجاوز مجرد التفوق في الجو.

وعلى الرغم من تنفيذ الطيران الأمريكي أكثر من 13 ألف طلعة جوية في حرب ال 39 يوما الا ان حسم الحرب مع إيران لم يتحقق ومازال النظام على راس السلطة وقوات الحرس الثوري تتمسك بزمام الأمور في انحاء البلاد وعلى المستوى السياسي لم ترضخ طهران للشروط الامريكية.

تفوق الطيران الأمريكي:

تمتلك الولايات المتحدة وإسرائيل قدرات جوية متقدمة تجمع بين التفوق التقني، والتنوع في الطائرات المقاتلة، وأنظمة الاستطلاع والإنذار المبكر، والقدرات الاستخبارية، والحرب الإلكترونية، والتزود بالوقود جواً، والذخائر الدقيقة بعيدة المدى.

وتمنح هذه المنظومة المتكاملة الطيران الأمريكي قدرة عالية على الوصول إلى الأهداف، وتنسيق الضربات، واختراق أجزاء من الدفاعات الجوية، واستهداف مراكز القيادة والسيطرة ومنشآت الصواريخ والبنية العسكرية. كما يعزز التعاون الاستخباري وتبادل المعلومات والتكامل العملياتي من فاعلية الهجمات الجوية. غير أن هذه الميزات، على أهميتها، لا تعني القدرة على تدمير جميع القدرات الإيرانية أو إنهاء قدرتها على مواصلة القتال؛ فالتفوق في الجو يتيح إلحاق خسائر كبيرة بالخصم، لكنه لا يضمن وحده تحقيق الأهداف السياسية للحرب.

دروس من التاريخ العسكري:

تقدم حرب الخليج الثانية عام 1991 مثالاً مهماً على العلاقة بين القوة الجوية والعمليات البرية. فقد استمرت الحملة الجوية للتحالف الدولي نحو 38 يوماً قبل بدء الهجوم البري في 24 شباط/فبراير. وعلى الرغم من الأضرار الكبيرة التي ألحقتها الضربات بالبنى التحتية والقوات العراقية، تحقق هدف استعادة الكويت من خلال العمليات البرية التي استثمرت التفوق الجوي وحولته إلى سيطرة ميدانية.

وفي حرب العراق عام 2003، أسهم التفوق الجوي الأمريكي في إضعاف القوات العراقية وتوفير الإسناد للقوات البرية التي تقدمت نحو بغداد، وانتهت باحتلالها وانهيار الدولة العراقية.

وتؤكد التجربتان أهمية التكامل بين القوة الجوية والبرية عندما يكون الهدف السيطرة على الأرض أو إسقاط النظام السياسي.
لكن ذلك لا يعني أن كل حرب تتطلب تدخلاً برياً واسعاً؛ فقد تكون القوة الجوية والبحرية كافية لتحقيق أهداف محدودة أو فرض ضغوط تفاوضية، إذا كانت الغايات السياسية قابلة للتحقيق من دون غزو الأراضي.

اهداف العمليات الجوية الأمريكية:

تركز العمليات الجوية الأمريكية والاسرائيلية ضد إيران، وفق طبيعة الأهداف المعلنة والتقارير المتعلقة بها، على إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية وتقليص قدرتها على تهديد القوات الأمريكية وحلفائها والملاحة في الخليج ومضيق هرمز.

وشملت الأهداف: تصفية قيادات الصف الأول والثاني بما فيهم المرشد الاعلى السابق (علي خامنئي) وأعضاء مجلس الدفاع الإيراني ومستشار الأمن القومي وبعض المنشآت النووية ومنظومات الدفاع الجوي ومنصات إطلاق الصواريخ، ومستودعات الصواريخ والطائرات المسيّرة، ومراكز القيادة والاتصالات، ومواقع الحرس الثوري، ومنشآت التصنيع الحربي، فضلاً عن بعض المنشآت الساحلية، والبحرية، ومحاور النقل والإمداد.

ويكشف هذا النمط من العمليات عن سعي إلى تقليص قدرة إيران على استخدام منظوماتها الصاروخية والبحرية، وتهيئة بيئة عملياتية أكثر ملاءمة للقوات الأمريكية. غير أن تدمير الأهداف المعروفة لا يعني القضاء على جميع القدرات الإيرانية، في ظل اتساع مساحة البلاد وتنوع تضاريسها وإمكان توزيع المنشآت العسكرية وتحصينها واستخدام مواقع بديلة.

لذلك، لا ينبغي قياس نتائج الحملة الجوية بعدد الأهداف المدمرة وحده، بل بمدى تراجع قدرة إيران على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتهديد الملاحة، وإدامة العمليات العسكرية وإعادة بناء قدراتها المتضررة.

الطيران بين التدمير والحسم:

تكمن المعضلة الأساسية في أن النجاح العملياتي لا يساوي بالضرورة النجاح الاستراتيجي. فقد تنجح الولايات المتحدة في إلحاق أضرار كبيرة بالقدرات العسكرية الإيرانية، من دون أن يؤدي ذلك إلى استسلام إيران أو قبولها بالشروط الأمريكية.

فالدول لا تعتمد على قدراتها العسكرية وحدها، بل تستند أيضاً إلى عمقها الجغرافي، وتماسك مؤسساتها، وقدرتها على تعبئة الموارد وتحمل الخسائر. وقد يدفع القصف المكثف الخصم إلى اعتماد أساليب قتال غير متماثلة، وتوزيع قواته ووسائله، وتوسيع نطاق المواجهة بدلاً من الاستسلام.

وتزداد أهمية هذه المعادلة في الحالة الإيرانية، بسبب اتساع مساحة البلاد وتنوع تضاريسها وامتلاكها قدرات صاروخية ومسيّرة وشبكات نفوذ إقليمية.

ومن هنا، فإن السؤال الاستراتيجي لا يتعلق فقط بقدرة الولايات المتحدة على تدمير الأهداف الإيرانية من الجو، وإنما بقدرتها على تحويل التفوق العسكري إلى نتيجة سياسية واضحة. فإذا كان الهدف إضعاف القدرات العسكرية وتقليص التهديدات التي تواجه القوات الأمريكية وحلفاءها، فقد تحقق الضربات الجوية والبحرية جزءاً مهماً من هذه الغاية. أما إذا كان الهدف إسقاط النظام أو فرض تغيير سياسي شامل، فإن طبيعة المهمة ومخاطرها تتغيران جذرياً.

معضلات التدخل البري الأمريكي في إيران:

يمثل التدخل البري الواسع داخل إيران خياراً بالغ التعقيد، بسبب حجم القوات المطلوبة، ومتطلبات الإمداد، وطبيعة مسارح العمليات، والكلفة البشرية والسياسية، واحتمالات اتساع الحرب وعلى النحو الآتي:

أولاً: حجم القوات وطبيعة المهمة: تختلف متطلبات العمليات المحدودة، مثل عمليات القوات الخاصة أو الإنزال المؤقت، عن متطلبات الغزو الواسع أو السيطرة على المدن وإسقاط النظام. وكلما اتسعت المهمة، ازدادت الحاجة إلى قوات قتالية وإسنادية واحتياطية، فضلاً عن القوات اللازمة لحماية المواقع وخطوط الإمداد.

ثانياً: الإسناد اللوجيستي: تحتاج القوات المتقدمة إلى إمدادات مستمرة من الوقود والذخيرة والمعدات والإخلاء الطبي. وكلما ابتعدت عن قواعدها، ازدادت صعوبة حماية خطوط الاتصال والإمداد، وارتفعت الحاجة إلى قوات إضافية لتأمين المناطق التي جرى اجتيازها.

ثالثاً: طبيعة مسارح العمليات: جغرافية إيران تضم سلاسل جبلية ومناطق صحراوية ومدناً كبرى ومراكز سكانية كثيفة، ما يزيد تعقيد حركة القوات والمناورة والإسناد. كما تفرض العمليات داخل المدن مخاطر عسكرية وإنسانية وسياسية إضافية.

رابعاً: الكلفة البشرية والسياسية: قد يؤدي ارتفاع الخسائر الأمريكية أو إطالة أمد العمليات من دون نتائج واضحة إلى زيادة الضغوط الداخلية وإضعاف التأييد الشعبي للحرب، خصوصاً إذا لم تتناسب النتائج مع حجم التكاليف والتضحيات.

خامساً: خطر اتساع الحرب: قد يدفع التدخل البري إيران إلى توسيع نطاق الرد ضد القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، بما يهدد الملاحة وإمدادات الطاقة، ويفتح المجال أمام تحول المواجهة إلى حرب إقليمية يصعب التحكم بمسارها.

ولا تعني هذه المعضلات استحالة تنفيذ عمليات برية نوعية، لكنها تؤكد أن نجاحها لا يتوقف على القدرة على إدخال القوات إلى الأراضي الإيرانية فحسب، بل على القدرة على تحقيق أهداف محددة وتأمين القوات وتحمل تبعات العملية.

ما الهدف الأمريكي النهائي؟

يتوقف مسار الحرب بدرجة كبيرة على طبيعة
الهدف الاستراتيجي الأمريكي. فهناك فرق بين هدف إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، وفرض قيود على برنامجها النووي والصاروخي، وإجبار طهران على تقديم تنازلات استراتيجية، وبين السعي إلى إحداث تغيير سياسي شامل.

إذا انحصر الهدف في إضعاف القدرات العسكرية وتقليص التهديدات التي تواجه القوات الأمريكية وحلفاءها، فقد تكون الضربات الجوية والبحرية والضغوط الاقتصادية والدبلوماسية أدوات مؤثرة.

أما إذا كان الهدف فرض تنازلات واسعة، فإن النجاح سيعتمد على مدى تأثير الضغط العسكري في حسابات القيادة الإيرانية، وعلى وجود مسار تفاوضي قادر على تحويل الأضرار العسكرية إلى اتفاق سياسي قابل للتنفيذ.

وفي حال استهداف إسقاط النظام بالقوة، تصبح المهمة أكثر تعقيداً؛ فتدمير المنشآت العسكرية ومراكز القيادة لا يضمن انهيار مؤسسات الدولة أو قيام نظام بديل مستقر. كما أن فرض واقع سياسي جديد والمحافظة عليه يطرحان تحديات تتجاوز مرحلة القصف، حتى لو لم يستلزم التغيير السياسي في جميع الحالات احتلالاً برياً شاملاً. وعليه، فإن تحديد الهدف النهائي هو العامل الذي يحدد طبيعة القوات المطلوبة، وحجم المخاطر المقبولة، والموارد اللازمة، والمعايير التي يمكن من خلالها الحكم على نجاح الحرب.

التحليل النهائي:

تشير المعطيات الاستراتيجية إلى ضرورة التمييز بين إضعاف إيران عسكرياً وتحقيق الحسم السياسي. فقد تستطيع الولايات المتحدة إلحاق أضرار كبيرة بالقدرات الإيرانية، وتقليص قدرتها على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والقوة البحرية، ورفع كلفة استمرار المواجهة، من دون أن تضمن بذلك استسلام طهران أو قبولها بالشروط الأمريكية.

وفي ظل اتساع الأراضي الإيرانية وتعقيد تضاريسها وقدرتها على خوض حرب غير متماثلة، قد تكون العمليات البرية المحدودة أقل اتساعاً في أهدافها من الغزو الشامل، لكنها لا تخلو من مخاطر التصعيد والاستنزاف. أما الغزو الواسع الذي يستهدف السيطرة على الأراضي أو إسقاط النظام، فسيفرض متطلبات بشرية ولوجستية وسياسية كبيرة، من دون ضمان تحقيق استقرار سياسي مستدام.

إن القوة الجوية تستطيع تدمير القدرات، والقوة البحرية تستطيع فرض الضغط، لكن الحسم الاستراتيجي لا يُقاس بحجم الدمار وحده، بل بمدى قدرة الحرب على تحقيق غاياتها السياسية.

وعليه، فإن مستقبل الحرب الأمريكية–الإيرانية سيتحدد وفق الهدف الأمريكي النهائي، وقدرة الطرفين على تحمل الاستنزاف، ومدى إمكان الانتقال من المواجهة العسكرية إلى تسوية سياسية. فإذا بقي الهدف إضعاف القدرات وفرض شروط تفاوضية، فقد تستمر الحرب في إطار الضربات والضغط المتبادل. أما إذا اتجهت نحو تغيير النظام بالقوة، فإنها ستدخل مرحلة أشد تعقيداً، تتجاوز نتائجها الميدان العسكري لتطال أمن المنطقة واستقرارها ومصالحها الاقتصادية.

وهنا تكمن المعضلة الاستراتيجية الحقيقية: ليس في قدرة الولايات المتحدة على كسب المعركة الجوية، بل في قدرتها على تحويل هذا التفوق إلى نتيجة سياسية قابلة للتحقق والاستمرار، من دون الانزلاق إلى حرب برية مفتوحة يصعب التحكم بتكاليفها أو ضمان نهاياتها..

اترك رد