منبر العراق الحر :
أنا فتى عراقي من أرض سومر، وُلدتُ بالقرب من مدينة أور التاريخية. كانت سكة الحديد تمرّ عبر أور، وتربط شمال العراق بجنوبه، وكأن أور السومرية كانت سُرّة العراق، ومنها يمتدّ شريان الحياة ليربط أجزاء العراق بعضها ببعض.
كانت في أور محطة رئيسة للقطار، تتصل بسكة حديد فرعية صغيرة، يسير عليها قطار صغير ينقل المسافرين إلى مركز مدينة الناصرية، وريثة أور السومرية، القائمة على ضفاف نهر الفرات. وكانت المحطة الصغيرة تقع قرب جسر جميل يربط ضفتي المدينة.
وكنت أتساءل: لماذا كانت محطة القطار الرئيسة في أور، بينما كانت المحطة الصغيرة في الناصرية؟ ولماذا كان هناك قطار صغير يربط بين المدينتين قرب نهر الفرات؟
ربما كان في الأمر ما يتجاوز وظيفة القطار في نقل المسافرين؛ فقد خُيّل إليّ أن صدى صوت جلجامش يأتيني من أعماق التاريخ، ليقول:
«إنّ القطار الصغير يمثّل الحبل السُّرّي الذي يربط الأمَّ أور السومرية بجنينها الناصرية».
كنا نعبر الجسر مبتسمين، والهواء العليل يداعب أنفاسنا، ويحرّك خصلات شعرنا، وكأنه يراقص أفكارنا…
كنا نرى ظلال جلجامش وأنكيدو؛ مرةً يعبران النهر فوق الجسر، وتارةً يقودان السفينة في الأهوار ليصطادا السمك، ومرةً أخرى يزرعان الأرز ويحرثان الأرض بالمحراث. وكأنهما يطلّان من أعماق التاريخ ليتفقّدا أحفادهما، ويتأمّلا تفاصيل حياتهم، حيث العمل والأرض والنهر والنخيل.
وكنت أراهما يتجوّلان في غابات النخيل على ضفتي الفرات، مبتسمين فرحين بأحفادهما. لكنني لاحظت ذات يوم أن الحزن يسكن قلب جلجامش، على الرغم من ابتسامته.
فقال أنكيدو:
ـ يا أخي جلجامش، أرى قلبك حزينًا رغم أن وجهك مبتسم!
أجابه جلجامش:
ـ لقد أتعبني كثيرًا القلق على أحفادي، وأنا أراهم في كل يوم يخرجون من حرب ضروس، ثم يدخلون أخرى أشدّ فتكًا؛ حروب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، يدفعون أثمانها من أعمارهم وأحلامهم، بينما يشعلها آخرون لإرضاء أطماعهم.
841,577,0,0.5757894736842105,-1
منبر العراق الحر منبر العراق الحر