منبر العراق الحر :
صارت كلمة “العقيدة” تتردد على نطاق واسع في الحوارات الإعلامية، متجاوزةً سياقاتها الدينية والسياسية والطائفية، حتى باتت تُقحَم بنشاز حاد في بعض الحوارات الفنية التي يصوغها الذكاء “الاصطناعي ” المحلي المضحك، لأنها تَرِد عاريةً من سياقها الدلالي!
العقيدة، تعريفًا، هي مجموعة الأفكار والمبادئ التي انعقد عليها العقل والقلب، وهي، في سياقها الديني، تعبير عن الإيمان لدى رجل الدين، سواء أكان مسلمًا أم مسيحيًا أم غير ذلك!
الفن الذي قدّمه الفنان الإنجليزي شارلي شابلن كان بمثابة عقيدة فنية، إذ قدّم صورة الإنسان المسحوق والمهمَّش في ظل نظام رأسمالي قاسٍ، لا يقيم اعتبارًا لإنسانية الإنسان ووجوده وعواطفه، وقد شكّل هذا الفن صفعةً عنيفةً لمجتمعه، حتى غدا شابلن فنانًا عالميًا، لأنه آمن بالإنسان وحقه في حياة حرة أينما كان في المعمورة!
وقدّم شكسبير خلاصاتٍ لكشوفات مهمة في أعماق الذات الإنسانية وتداعياتها، فيما قدّم الروسي دوستويفسكي والفرنسي بلزاك أعمالًا أدبية وروائية عظيمة هائلة ومتشعبة، اتكأت عليها مجموعة من العلوم في بناء تصوراتها، قبل أن تتحول بعض تلك الكشوفات إلى نظريات في علم النفس والاقتصاد والاجتماع!
لقد شكّلت طروحات هؤلاء عقائد فكرية وثقافية وأخلاقية راسخة لدى شعوبهم، ومصدرًا لإنتاج حضاراتهم اللاحقة، في جانبيها الإنساني والتكنولوجي!
ولم يحظَ رجال الدين المسيحي في تاريخ الشعوب الأوروبية بما حظي به علماء ومفكرون وفنانون، مثل غاليليو غاليلي، وكارل ماركس، والموسيقار العظيم بيتهوفن، والرسام ليوناردو دافنشي، والنحات مايكل أنجلو، الذي نطق الحجر على يديه بلغة الفن والجمال. فقد رسّخت هذه الأسماء عقائد فكرية وجمالية في مجتمعاتها، لأنها تحوّلت إلى مدارس وثقافة راسخة، فكريًا وجماليًا!
لقد طرزت شخصيات عديدة صفحات التاريخ بحضورها المضيء، وأسهمت في تشكيل عقيدة إنسانية من خلال الفن والأدب والعلم والمنجز الحضاري الذي يخدم الإنسان، بصرف النظر عن انتمائه الديني أو العرقي. وتلك الأسماء العظيمة التي اكتشفت الكهرباء، واخترعت الأدوية والهاتف والطائرة والإنترنت، وطوّرت الذكاء الاصطناعي، واكتشفت الخريطة الجينية، جاءت بمنجزات تجاوزت، جغرافيًا وتاريخيًا، ما يقدّمه الخطاب التأملي لرجل الدين، ولا سيما في الحقب التي جاءت بعد عصور الأنبياء والرسل حتى لحظتنا الراهنة؛ لأنها عملت على تطوير قيم العيش وتحسين ظروف الحياة المادية والمعنوية، وتخفيف آلام الإنسان وإسعاده!
لم يقدّم هؤلاء نظريات في الحروب وإبادة الآخر، بل حملوا الإنسانية نحو السلام وغدٍ أفضل.
واختصارًا، فإن العقيدة هي أن تعمل فعلًا بما تؤمن به، ليكون إيمانك نافعًا لك وللآخر. وليست العقيدة ميزةً ذاتية أو دينية أو طائفية فحسب، بل إنها تكشف عن نفسها في السلوك، وتتجلى في نتاجك، سواء أكنت تعمل في حقل الطب أم الفن أم السياسة أم غيرها، فالعقيدة ليست إعلانًا عن التميّز، ولا ذريعةً لتبرير الأخطاء أو الخيانات الإنسانية على رؤوس الأشهاد!
منبر العراق الحر منبر العراق الحر