منبر العراق الحر :
متحفٌ أنتِ للزهور، وللعطّارين، ولسواقِ الرُفاة، وصاغةِ الذهب، وبائعاتِ البصلِ
الأخضر، والوجوهِ التي تشتري الذكرياتِ بقطعِ الحلوى.
وحائطُ الصفِّ، يقفُ أمامهُ من لم يكتبْ الواجبَ، يرفعُ قدماً وأخرى على الأرض،
وعلى الجدارِ أقرأُ: “ذكرى لتلميذٍ دهسته سيارةٌ قبل عامٍ من الآن”، فيسألني
المعلم: لِمَ لمْ أضربْكَ بعصا، لماذا بكيتَ؟
أردُّ: من هذه الذكرى…
وحين قرأها، أخرجَ منديلاً ليُخفي به دمعتهُ،
فمن المحرّماتِ أن يبكيَ المعلمون أمامَ تلامذتهم.
هذه محطاتٌ من حياةٍ لي في مدينةٍ أشعرُ بأنها خُلِقَتْ على الأرضِ لتكونَ قصيدةً،
حفظتُها عن ظهرِ غيبٍ وطُفتُ بها خرائطَ الأرض.
بعضُهم لم يسمعْ باسمها،
ولكن متى قلتُ: إبراهيمُ وُلِدَ قريباً من جفنها السومريّ،
قالوا: يا لبختِ من يولدُ وقابلتُهُ القابلةُ ذاتُها التي أنجبتْ إبراهيم.
مدينةُ العواصفِ النادرةِ،
ورياحُ الشرجيّ تأتيها من البصرة،
وفوقَ السطوحِ مَرَحُ الحكاياتِ، وحتى النجومُ تلعبُ “الشميطرة”.
أنتِ يا مدينتي،
قصتي، وفصلُ الروايةِ، وصفيحةُ الدهنِ لبطاقة التموين، وودكة الدارِ، ومرايا كنتورِ أمي،
خشبُهُ من الهندِ،
ومساميرُهُ من ضلوعِ أبي.
والمدينةُ،
دشداشةٌ سوداءُ من صيفِ عاشوراء،
وهريسةٌ،
وطيفُ حلمٍ لعصفورٍ،
كلَّ صباحٍ يمدُّ جناحيهِ ليصافحَ صوتَ فيروز.
فوبرتال – 23 أكتوبر 2026
منبر العراق الحر منبر العراق الحر