«عملية الكرك: إخفاق أمني يهزّ الثقة، ويطرح أسئلة لا يجوز تجاهلها»..الدكتور هيثم عبدالكريم احمد الربابعة

منبر العراق الحر :

ليست حادثة الكرك مجرد واقعة أمنية عابرة، ولا حدثاً يمكن طيّ صفحته ببيان مقتضب أو تصريحات تطمئن الرأي العام؛ إنها حادثة تفرض مراجعة جادة، وتفتح أبواباً واسعة أمام أسئلة مؤلمة تتعلق بقدرة الأجهزة الأمنية على الإستباق، والإستعداد، والتعامل مع التهديدات قبل أن تتحول إلى مأساة.

حين يقع الخطر، لا يُسأل المواطن عن عدد الأجهزة الأمنية، بل عن قدرتها على حمايته.
فالأمن ليس كثرة المؤسسات، ولا ضخامة الإمكانات، ولا الشعارات التي تُرفع في المناسبات؛ الأمن مسؤولية تُقاس بمدى الجاهزية، وسرعة الإستجابة، وحماية الأرواح، ومنع وقوع الكارثة قبل أن تستفحل.

إن أخطر ما في الحوادث الأمنية ليس وقوعها وحده، بل ما تكشفه من ثغرات محتملة في منظومة الإستعداد والتنسيق وتبادل المعلومات. وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز الهروب منه: هل كانت هناك مؤشرات أو تحذيرات لم تُقرأ كما ينبغي؟ وهل جرى التعامل مع الخطر بالسرعة والحزم المطلوبين؟ أم أن الإستجابة جاءت بعد أن أصبح الضرر واقعاً لا يمكن تداركه؟

لا يجوز أن تتحول هيبة المؤسسة الأمنية إلى حصانة من النقد، ولا أن يُفسَّر طرح الأسئلة على أنه إنتقاص من تضحيات رجال الأمن. فالتقدير الحقيقي للمؤسسات لا يكون بإسكات النقد، بل بامتلاك الشجاعة لمراجعة الأخطاء، ومحاسبة المقصرين، وتصحيح الخلل. إن حماية الوطن لا تتحقق بتجميل الصورة، وإنما بمواجهة الحقيقة مهما كانت قاسية.
والأكثر إيلاماً أن المواطن، حين يسمع عن حادثة أمنية خطيرة، لا ينتظر خطاباً طويلاً بقدر ما ينتظر إجابات واضحة: ماذا حدث؟ كيف حدث؟ أين كانت نقاط الضعف؟ وهل جرى إتخاذ الإجراءات التي تمنع تكرار ما حدث؟ إن ترك هذه الأسئلة بلا إجابات مقنعة يفتح الباب أمام الشائعات، ويضعف الثقة، ويمنح الغموض مساحة أكبر من الحقيقة.

إن المسؤولية الأمنية لا تنتهي عند التعامل مع الحادث، بل تبدأ من التحقيق في أسبابه، وتحديد مواطن التقصير، وإعلان نتائج واضحة للرأي العام. فلا يكفي أن نعرف أن حادثة وقعت؛ المطلوب أن نعرف كيف أمكن وقوعها، وما الذي كان ينبغي فعله لمنعها، وما الذي سيتغير بعد وقوعها.

ومن غير المقبول أن تُختزل المراجعة في البحث عن كبش فداء، أو أن تُحمَّل المسؤولية لأفراد دون فحص منظومة القرار والتنسيق والجاهزية. فالأخطاء الأمنية، إن ثبت وجودها، لا تُعالج بالتبرير، ولا بالتستر، ولا بتبادل الإتهامات، وإنما بتحقيق مهني مستقل، ومحاسبة عادلة، وإجراءات عملية تعيد بناء الثقة.
إن الكرك ليست مجرد اسم على خريطة، بل عنوان لحق المواطن في الأمن والطمأنينة. ومن حق أهلها، ومن حق الأردنيين جميعاً، أن يعرفوا الحقيقة كاملة، وأن يطمئنوا إلى أن ما حدث لن يُترك بلا مراجعة، وأن الدروس المستخلصة لن تبقى حبيسة التقارير والأدراج.
إن أخطر إخفاق يمكن أن تواجهه أي مؤسسة أمنية ليس وقوع حادثة فحسب، بل أن تتكرر الأخطاء دون مساءلة، وأن تُطرح الأسئلة دون إجابات، وأن يصبح الصمت بديلاً عن المصارحة. فالثقة لا تُفرض، والهيبة لا تُصان بالشعارات، والأمن لا يُقاس بما يُقال عنه، بل بما يلمسه المواطن في حياته.

الكرك اليوم تطرح سؤالاً أكبر من الحادثة نفسها: هل نملك الشجاعة لمواجهة الخلل، مهما كان موقعه، أم نكتفي بإغلاق الملف بينما تبقى الأسئلة مفتوحة؟
إن الوطن لا يحتاج إلى خطاب يطمئن الناس مؤقتاً، بل إلى حقيقة واضحة، ومحاسبة مسؤولة، وأمنٍ يثبت حضوره بالفعل لا بالوعود. فحين تكون أرواح المواطنين على المحك، يصبح الصمت عن الأسئلة إخفاقاً آخر، وتصبح المصارحة واجباً لا يقبل التأجيل.

الدكتور هيثم عبدالكريم احمد الربابعة
أستاذ اللسانيات الحديثة المقارنة والتخطيط اللغوي

اترك رد