منبر العراق الحر :….(في ذكرى -كلّ القدّيسين-) ….
-في الألفية الماضية كان يختار عن طواعية أو بتجنيد من حكوماتهم بعض من نخب العالم الغربي البلاد العربية كوجهة تجاربية و للإقامة و للعيش المؤقتين لممارسة دراساتهم و بحوثهم و في مهمات تبشيرية مسيحية و إلى غير ذلك من الأسباب و صلت منها حتى الجوسسة التي مهدت لاتفاقيات “سايكس-بيكو”. و لأنهم غربيون، لجأوا إلى/ أو اخترقوا النسيج الجغرافي و الثقافي و الديني للمجتمعات “الإسلامو-عربية” سُمّيوا بِ(المُستشْرِقين). و في نهاية نفس الألفية، لمّا غاَدرت كعربي أو مشرقي(حسب تكنيتهم لكلّ عربي) البلاد العربية باتجاه الشّمال أي القارّة الأوروبية و تغرَّبتُ قسراً -بشكل طوعي كأغرب مواطن كَوْنِي – قبل أن استغرب هناك، (ثمّ بعد ثلاثين عاما من العزلة لمّا أتعبني قهر و دموع و آلام “مريم المجدَلية الصغيرة” حزنا من -دجّال-مسّها بضرّ و أوهمها أنّه المسيح الذبيح؛ عدتُ إلى المسقط (و هل تعلمون كيف يسقط الكبار ؟) لأكسر كِبر و غرور الشمال، و لكي لا أرى ندوب مخالب الشيطان.. أكان ابتلاء ربّاني، لأنّي لستُ “أيّوباً” يا ربّي! في انتظار أن تتوقّف بُنيّتي “المجدلية” عن النحيب و عن تحميلها المستميت لي مسؤولية خلق سِبخات العالم و ضلوعي في تدفّق أنهار من الدموع المالحة الحارقة لوجهها الحزين بمسّ عظيم ؛ “أجبني يا papa، لماذا؟ pourquoi?”، طفلتي التي فتنها الشيطان و اجتثّها من ضلعي المستقيم قبل أن ينغلق صدري على صورتها الملائكية لما كانت صغيرة جدا تحبو.. كانت في حياتي كما الخطافة (سنُونوة) يافعة كُسِرَ جناحها في منتصف التحليق فسقطت سطحا من سقفي.
و هي تسائلني عن سبب خلق “المستنقعات المالحة” و عن سبب النواح في وجوه المكلومين، ويكَأنّ مَثَلِي ليس كمثل عيسى بن مريم.. هو و آدم خُلِقاَ من تراب و أنا -الأغسطيني” الوحيد لم تشفع لي أُغسطينياتي لدى أنبياء العالم الجدد شيئا، حيث ولدتُ نفسي بنفسي ثمّ أمّني الله و أمّنني و تولّاني، و عندما تكهّلت، فبدلا من أن يصِلوني، أراد أدعيائي من قومي أن يصلبوني.. لقد فتنهم صُلبي-، لم يدعهم طائري الذي أكل و لا يزال ينهش من رأسي -إلا الذكريات – و يحرس بعناية ربانية عنقي؛ رجاءًا.. يكفي غدركم الخسيس، خبئوا خناجركم، لم يحِن بعد موحد نحري على قوارع الطرقات!. بينما صغيرتي لا و لن تفهم تفاصيلي ! و إنّي أعلم علم اليقين أن وراء كل تفصيل يختبئ شيطان ما يحضّر مكيدة، أو محرقة لي!
-عند عودتي و مذ الوهلة الأولى طيلة كل أيام إقامتي في “الجنوب من هذا العالم” لم أشعر أبداً أنّي -عثرتُ على الجنوب – كما عهدته.. خارطته تشي كأنّها هي! ما زلتُ لا أرى نفسي في هذا الشرق؛ فمن كسّر مرايا الشرق و الوجع و ألف وجع بربري؟.. ما زلتُ لا أرى نفسي -بهذه الأكْسَدة- في جنوبي إلا متغرّبا يواصل استغرابهُ في البلاد العربية المستغربة، لم أعلم أنّ “نجمة الرّاعي” قد أفَلَتْ هي أيضا. ويحي! لقد أضعتُ شَمالي، و من أضاع شَماله لا قِبلةً له ..يا ربّي أينكْ؟!.. لقد سحتُ أراضيكَ شمالا و جنوبا مصلوب الروح و أنتَ مالكها، صُلبي يوجعني.. فَ أكفِلْنيه هذا الوجع الطاغي و لا تُمَجْدِلْ* مريمي الصغيرة، إنّ طفلتي لم تقتل المسيح و لم تعذّبه، و إنّها لن تتحمّل آلامه بدلا من يهوذا الذي خانه ؟!!!…)..
-لمّا تأذّتْ و ترزَّتْ رزّاً مريمي المجدلية لم يعد يعنيني بعدها المشهد الجميل العبثي بعد تناثر حبات الحلوى التي تساقطت من جيوب معاطف و أكياس الأطفال على قوارع الممرات و الشوارع لأحياء “القديس بيار”، لمدينتي الجميلة في الفاتح من نوفمبر من يوم عيد “جميع القدّيسين” بعد احتفالات كل ليلة ال31 من أكتوبر !.
*
-كنتُ أتساءل في حيرة هل نجح فعلاً مشروعهم، هؤلاء من كانوا يُلقبون بالمستشرقين. و هل صرت كائنا “مُسْتَغْشِقًا *occidorientalisé*”!؟.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر