*كيف تدير واشنطن إمبراطوريتها بين الجمهوريين والديمقراطيين؟* ناجي الغزي

منبر العراق الحر :….كاتب وباحث في الاقتصاد السياسي…
هل تعني خسارة الجمهوريين انتخابات التجديد النصفي وفوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسي الكونغرس أن الولايات المتحدة مقبلة على تغيير استراتيجي في سياستها تجاه إيران والشرق الأوسط؟ أم أننا أمام انتقال من مرحلة إدارة الصراعات بالقوة العسكرية إلى مرحلة توظيفها اقتصادياً وسياسياً، بما يضمن استمرار المصالح الأمريكية بأقل تكلفة ممكنة؟
ما جرى في الانتخابات الأمريكية في 3 نوفمبر 2026 لم يكن مجرد خسارة انتخابية لدونالد ترامب، بل تحولاً في موازين القوى داخل المؤسسات التشريعية الأمريكية. فقد تمكن الديمقراطيون من انتزاع الأغلبية في مجلسي الشيوخ والنواب، في ضربة سياسية ستحدّ من قدرة ترامب على تمرير مشروعاته، وتفتح الباب أمام رقابة وتحقيقات وضغوط مالية وسياسية خلال العامين المتبقيين من ولايته. لكن السؤال الأهم: هل سيغيّر ذلك جوهر السياسة الأمريكية الخارجية؟
التاريخ الأمريكي يقدم إجابة مختلفة؛ فالحزبان يتنافسان على السلطة، لكنهما يلتقيان غالباً عند حماية المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، وإن اختلفت الوسائل والأساليب.
*أولاً: يناير موعد انتقال السلطة التشريعية وليس نهاية المواجهة*
يدرك ترامب أن نتائج الانتخابات ستتحول إلى واقع مؤسسي في 3 يناير 2027، عندما يبدأ الكونغرس الجديد أعماله. ومن هنا تبرز أهمية الأسابيع المتبقية، إذ يمتلك الجمهوريون خلالها فرصة أخيرة للتحرك بأريحية تشريعية أكبر، قبل انتقال الأغلبية إلى الديمقراطيين.
قد يجد ترامب في هذه الفترة حافزاً لتشديد الضغط العسكري على إيران، أو محاولة فرض وقائع ميدانية وسياسية يصعب على خلفائه في الكونغرس التراجع عنها.
لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن ضربة عسكرية واسعة أصبحت حتمية، فالحرب مع إيران ليست قراراً انتخابياً بسيطاً، بل مغامرة ترتبط بأسعار الطاقة وأمن إسرائيل ومصالح دول الخليج والاقتصاد العالمي.
وتمنح نتائج الانتخابات الديمقراطيين أدوات ضغط مهمة، لكنها لا تسلب الرئيس صلاحياته العسكرية بصورة تلقائية. فقانون صلاحيات الحرب الصادر في 7 نوفمبر 1973 يمنح الرئيس هامشاً للتحرك العسكري، مع إخضاع استمرار العمليات لشروط زمنية وتشريعية محددة.
*ثانياً: الديمقراطيون لا يحتاجون إلى إنهاء الحرب.. يكفي تغيير قواعدها*
من الخطأ الاعتقاد بأن وصول الديمقراطيين إلى الأغلبية يعني الانسحاب الأمريكي من المواجهة مع إيران. الأرجح أن واشنطن ستنتقل إلى إدارة أكثر تعقيداً للصراع، تعتمد على العقوبات الاقتصادية، والضغوط الدبلوماسية، والتفاهمات المؤقتة، والاحتواء العسكري.
لدينا مثال تاريخي واضح: إدارة بيل كلينتون خلال تسعينيات القرن الماضي. بعد حرب الخليج عام 1991، لم تنسحب الولايات المتحدة من المنطقة، ولم تنه سياسة احتواء العراق. استمرت مناطق حظر الطيران شمالاً وجنوباً، وتواصلت العقوبات الاقتصادية، فيما أصبحت القواعد العسكرية والوجود البحري الأمريكي جزءاً دائماً من معادلة الأمن الإقليمي.
وفي عام 1996 بدأ تنفيذ برنامج النفط مقابل الغذاء بموجب قرار مجلس الأمن 986، ليصبح نموذجاً لإدارة الأزمة العراقية من خلال أدوات اقتصادية وإنسانية وسياسية، دون إنهاء حالة الاحتواء. هذا النموذج ربما يتكرر مع إيران، ولكن بأدوات مختلفة: تخفيف مشروط للعقوبات، تجميد أجزاء من البرنامج النووي، ضمانات تتعلق بالملاحة البحرية، مقابل استمرار القيود العسكرية والرقابة الدولية.
*ثالثاً: هرمز.. الممر الذي تتجاوز قيمته الجغرافيا*
لا تكمن أهمية مضيق هرمز في كونه ممراً مائياً فحسب، بل في تأثيره المباشر على استقرار أسواق الطاقة العالمية. فأي اضطراب فيه يرفع تكاليف التأمين والشحن، ويؤثر في أسعار النفط والغاز، ويضع الاقتصادات الآسيوية والأوروبية أمام مخاطر إضافية. وبالتالي فإن السيطرة على أمن الملاحة، أو امتلاك القدرة على التأثير فيها، يمثل ورقة استراتيجية بالغة الأهمية.
لكن واشنطن لا تحتاج بالضرورة إلى إغلاق المضيق أو الدخول في حرب مفتوحة لتأكيد نفوذها. يكفي أن تمتلك شبكة عسكرية واستخبارية قادرة على مراقبة الممرات البحرية وحماية حركة التجارة والتدخل عند الضرورة.
هنا نفهم لماذا لا يرتبط الوجود الأمريكي في الخليج بإيران وحدها، بل بمنظومة أوسع تضم حماية طرق التجارة، وضمان تدفق الطاقة، والحفاظ على التفوق العسكري الأمريكي.
ولهذا من المستبعد أن تتخلى واشنطن بسهولة عن الأسطول الخامس في البحرين، أو قاعدة العديد في قطر، أو قاعدة الظفرة في الإمارات.
*رابعاً: من اقتصاد السلاح إلى اقتصاد التكنولوجيا*
ربما يكون التحول الأهم في الاستراتيجية الأمريكية المقبلة هو الانتقال من تسويق الحماية العسكرية إلى تسويق الاعتماد التكنولوجي طويل الأمد. خلال السنوات الماضية، شكلت المخاوف الأمنية أحد أهم دوافع الإنفاق العسكري في الشرق الأوسط. وكانت شركات مثل لوكهيد مارتن ورايثيون وبوينغ من أبرز المستفيدين من سوق التسليح الإقليمي.
لكن الولايات المتحدة تدرك أن بيع منظومة صواريخ أو طائرات مقاتلة يحقق أرباحاً كبيرة، بينما ربط دولة كاملة بمنظومات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، وأشباه الموصلات، والطاقة المتقدمة، يخلق علاقة اقتصادية واستراتيجية تمتد لعقود.
وهنا يظهر اختلاف محتمل بين مدرستين في إدارة النفوذ الأمريكي: مدرسة ترامب التي تفضل الضغط المباشر والصفقات الصاخبة، ومدرسة ديمقراطية تميل إلى توظيف التحالفات والمؤسسات والاقتصاد والتكنولوجيا. إنها عملية انتقال من بيع السلاح لحماية الحليف إلى بيع التكنولوجيا التي تجعل الحليف مرتبطاً بالولايات المتحدة في بنيته الاقتصادية والإنتاجية.
*خامساً: الصين.. الفزاعة الأكبر والهدف الاستراتيجي*
إذا كانت إيران تمثل تحدياً أمنياً مباشراً في الشرق الأوسط، فإن الصين تمثل التحدي الاستراتيجي الأكبر للولايات المتحدة على المستوى العالمي. فالمنافسة بين واشنطن وبكين لم تعد محصورة في التجارة أو الرسوم الجمركية، بل امتدت إلى أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والفضاء والقدرات البحرية وسلاسل الإمداد.
ومن هنا يمكن فهم احتمال أن تسعى الإدارة الأمريكية المقبلة إلى تخفيف حدة المواجهة مع إيران، إذا كان ذلك يتيح لها تركيز موارد أكبر في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وقد سبق لواشنطن أن استخدمت هذا النوع من إعادة ترتيب الأولويات. ففي فبراير 2022، أطلقت إدارة جو بايدن استراتيجية المحيطين الهندي والهادئ، مؤكدة أن المنافسة مع الصين تمثل أحد المحددات الأساسية للسياسة الأمريكية طويلة الأمد.
وبالتالي، فإن تخفيف التوتر مع طهران قد لا يكون تنازلاً عن المصالح الأمريكية، بل إعادة توزيع للموارد والاهتمام الاستراتيجي باتجاه الخصم الأكثر تأثيراً في مستقبل النظام الدولي.
*سادساً: إيران بين الصفقة والفوضى والاحتواء*
أمام واشنطن ثلاثة مسارات محتملة في التعامل مع إيران.
الأول: الوصول إلى تسوية سياسية واقتصادية مشروطة، تضمن الحد من البرنامج النووي وتقييد القدرات الصاروخية مقابل تخفيف العقوبات وفتح المجال أمام الاقتصاد الإيراني.
والثاني: استمرار الضغط حتى إضعاف النظام، مع مخاطر الانزلاق إلى اضطرابات داخلية وتفكك أمني وإقليمي. وهذا السيناريو لا يخدم بالضرورة دول الخليج، لأن إيران الضعيفة والمضطربة قد تكون أكثر خطورة من إيران الضعيفة والمنضبطة.
أما الثالث، وهو الأكثر واقعية في حسابات الاحتواء التقليدي، فيتمثل في إبقاء إيران دولة قائمة، لكن بقيود عسكرية واقتصادية وسياسية تحد من قدرتها على تهديد المصالح الأمريكية وحلفائها.
فواشنطن لا تنظر إلى المسألة من زاوية إسقاط الأنظمة أو بقائها فقط، وإنما من زاوية الكلفة والعائد والبدائل المتاحة.

اترك تعليقاً