الناصرية (منكِ الحكاية ومنّي سردُها بفمي)…. نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :
المدنُ قلبُها ينبضُ حكايات، وإن لم يفعل فتلك مدنٌ ميتة، يقول عنها السندباد:

وضعوها في سفينةٍ غارقة، وهبطت منسيّةً إلى القاع، فلا نوحٌ تذكّرها ولا أوّلُ

مخاتيرِ محلّتها.
من يتذكّرها؟ بالطو أبي. لم تزل رائحةُ التبغِ فيه وأساطيرُ أيّامِ البالات.
وإن كان شتاءُ موسكو قد هزم نابليون، فشتاءُ الناصرية لم يهزم بالطو أبي.
وفي المدينة أزمنةٌ تعرفُ جيّدًا كيف تجعلُنا سعداء، وآباؤنا في قبورهم يتعلّمون

قراءةَ النوتةِ الموسيقية.
وأظنّ أنّ معلّمي القراءاتِ الخلدونية مثلُهم، ولكنّ ما يتعلّمونه هو: إذا انقطع عودُ

الوترِ أصلحوه بالدارِ والدورِ ورائحةِ البخور.
أتذكّرُ تواريخَ أخرى من سيرةِ عطرِ العطّارِ الطيّب. يجلبه من زنجبار ودلهي لتتنصّرَ

به رئاتُنا على الدوابِّ الميّتةِ في الشطِّ الخايس.
ومن الحكايات أنّ الذي سمّى شارعَ عشرين بشارعِ موسكو، أمامَ

مفوّضِ الأمنِ، قال: هذا مقترحٌ لمعلّمِ جغرافيا واختلستُه منه.
وحين سألوه: وأين نجدُ المعلّمَ الآن؟
قال: في حانةٍ ببطرسبورغ يشربُ الأركيلةَ مع ليونيد بريجنيف.
بعد ألفِ عامٍ قمريٍّ أطلقوا سراحَه.
ترك كلَّ ذكرياتِ الزنازين وجاء يسألني عن بالطو والدي.
فاستعدتُ ما سمعتُه من غاندي: تركتُ للهندِ ثوبًا تتغطّى به، وبقيت بريطانيا

عارية.
في المدينة “الناصرية” ينتعشُ الغزلُ في رسائلِ الحب.
أؤمنُ أنّ لا مدينةَ على الكرةِ الأرضيةِ تُحسنُ مثلَها اختراعَ مقدّماتِ العشقِ

المكتوبِ على الورق، ولا أحدَ يتفوّقُ على حزنِها في الأغاني، وفي انتظارِ نعوشِ

الشهداءِ كلَّ غبشةِ صبح.
مدينةٌ تجرفُ عاطفةَ النهرِ إلى ليالي السمر، وحفلاتُ أعراسِها تُقامُ في الشوارع،

والغجريّاتُ يتسابقنَ في تقديمِ الرقصِ البائس، لكنّ المغنّين يعوّضون البؤسَ

بأطوارٍ كتبها لهم غارسيا لوركا، ونقلها إلى دفاترِ طلّابِ متوسطةِ الناصرية عمُّنا

الخالد داخل حسن…
هذه حكايةٌ…
متفرّقةُ الهواجس، ويجمعُها صحنُ هريسةٍ في ليلةِ الوحشة.
تُغلقُ المدينةُ أبوابَها،
وتتكلّمُ بهمسٍ خافت،
عن إمامٍ وحده في قيظِ كربلاء،
وأهلُه نتمنّاهم عندما يكونون ضيوفًا في الناصرية، نُطعمُهم هريسةَ شهدائهم،

وحتمًا من تشكرُه أختُ الحسين يذهبُ إلى الجنّةِ دون أن يسألَه الملائكة: إلى أين

أنت ذاهب؟…
هذه الحكاية،
المدينةُ التي تشربُ الوردَ وتشمُّ المطر،
الناصريةُ منها الحكاية، وأنا أسردُها بفمي مثل روزخون.
ومتى وصلتَ الفهرستَ…
ضحكنا على مهدي الذي أراد أن يستعيرَ بالطو أبي ليجعلَه منديلًا يلوّحُ به للقطارِ

الذي سافرت به حبيبتُه مهاجرةً…
من كتابٍ معدٍّ للطبع بعنوان “الناصرية حفنة التراب وعتبة الباب”
فوبرتال، 4 نوفمبر 2026

اترك تعليقاً