حبٌّ مستَنسَخ !..كريم خلف الغالبي

منبر العراق الحر :
كانت تصلُ قبلَ كل الموظفين ، لكنها لم تسبق مديرها الذي يشعر بقيمة الزمن ، زمنٌ بعثرته تلك الفوضى التي لم تنته بعد ، تمرُّ كالنسيم من أمام غرفته ، تهبُّ من جسدِها الصحراوي المطوي بعباءةٍ من الليل رائحةُ عطرٍ زكيةٍ ، تتعثر النسائم بطيات ثيابها فيشتعل الشوقُ نارا وتضيق أفق الخيال بسحرها وجمالها ، تجلس وحيدةً تترقب حركة الباب دون جدوى ولم يكلف نفسه قط للحديث معها ، انه حذرٌ وفيٌّ لزوجته ، لا يبالي بغيرها ولا يسمح لنفسه دخول مغامرة قد تكلفه خسران حياته ، كما انه يعتقد بان للمشاعر حدودٌ سيقف عندها ومن أطلق العنان لمشاعره وأهواءه سيضيع في التيه واللاجدوى ، ولابدَّ له من قيود كي لا يتجاوز المعقول واللامعقول .
إنها لا تشعر باستمالة قلبها إليه ، لكنها تعتقد إن الحبَّ يأتي أما بالمصادفة أو بالتصنع ولا بُدَّ من القيام بتمثيل الدور المناسب ، فلا يوجد قلبٌ في هذا العالم يقف عند حدود امرأة واحدة ، فكل الرجال جاهزون لخوض تجارب حبٍّ جديدة ، وما على المرأة إلا أن تكتشف نقاط ضعفه ، ومن ثم تضع حبائل صيدها في الطريق المؤدي إليه ، وكم من مرة فكرت بذلك ، إنما سرٌّ عجيب يكمن في روحه وسجيته طوَّقها وحال دون أن تقوم بذلك الدور ، حاولت مرة أن تدخل عليه عبر شبكة التواصل الاجتماعية (الدردشة) وقد طلبت صداقته باسم مستعار ، مضى على الطلب شهرا كاملا ، وما أن وافق حتى أسرعت تدردشُ معه بكلمات معسولة طالبةً منه أن يصفَ مشاعرهُ ولم يرفض فأجابها :
كيف أستطيع أن اصفَ مشاعري ببضع كلمات ، وهل وصف المشاعر كالمشاعر نفسها؟ ومهما كان التعبير أو التصوير فهو لا يمثل حقيقة الأشياء المعبر عنها ، إنه مجرد استنساخ لصورة الشيء وليس الشيء نفسه ، الحب هو إحساس لا يمكن ترجمته أبدا ، وما نقوم به من كتابة عن الحبِّ ، إنما هو تزوير فيه جزء من الحقيقة وليس الحقيقة ذاتها ، فالذين نعاشرهم ، نتكلم معهم ، إنما ننظر أو نتعامل مع تلك الصورة التي نحملها في أذهاننا عنهم ، ولم نستطع إدراكهم كما هم ، وكما أن العملة المزورة لم تصمد ويظهر زيفها وان تركت أثرا وربما حققت غاية ، كذلك من يكذب ويوهم الآخرين بحبٍّ كاذب مزوَّر ، سيحقق الغاية المرجوّة من وراء هذا التزوير ، وليس الغاية مما يريده الحبُّ من تبادل مشاعر ملتهبة يطفئ أوارها شوق حقيقي لا يستكين إلا بالصدق والوفاء ، فهل المتعة واللذة هي امتزاج مادي لا دخل للإحساس فيها؟ وأية متعة هذه ستكون من غير ذلك الإحساس؟ سيموت أثرها ولا تصمد ، ستزول لحظة فتورها وتخلف في نفسَي الطرفين نفوراً وامتعاضا …
وما أن قرأَتِ الرسالةَ بتروٍّ ودقةٍ متناهية حتى أسرعت في اليوم التالي بطلبٍ ترجوه فيه أن ينقلها إلى قسم آخر ، وعندما سألها عن السبب أجابته : ما هذا الطلب إلا استنساخ وصورة مزورة لرغبةِ امرأةٍ لا تعرفُ الحبَّ المزور .
.·´¸.·¨) ¸.·¨

اترك رد