حرب السودان… “الدعم السريع” يتمدّد في دارفور ومفاوضات “متكتمة” في جدّة

منبر العراق الحر :

تدخل الحرب السودانية في منعطف خطير مع تمدد قوات الدعم السريع في إقليم دارفور، حيث أعلنت سيطرتها على إحدى أكبر مدن الإقليم وسط مواجهات مع الجيش في مناطق أخرى. وتثير هذه التطورات القلق من وقوع سيناريوات مشابهة لتلك التي شهدها جنوب السودان ودفعت إلى انفصاله. وبالتزامن، تُجرى في جدة مفاوضات مستمرة بين الطرفين المتحاربين، وسط تكتم شديد على المجريات.
الدعم السريع ينتشر في نيالا 
 في وقت كانت الوفود المشاركة تستعد لأولى جولات التفاوض في جدة، أعلنت قوات الدعم السريع سيطرتها على مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور وإحدى أكبر مدن الإقليم والسودان. وبثت منصات الدعم مقطعاً مصوراً يظهر نائب قائد القوات عبد الرحيم دقلو أمام مبنى الفرقة 16 في المدينة، يدعو فيه المواطنين إلى العودة إلى منازلهم، طالباً إلى رجال الشرطة والنيابة مزاولة أعمالهم وتأمين المدنيين وفتح الأسواق والمستشفيات. كما تداول ناشطون مقاطع لاحتجاز الدعم السريع الكوادر الطبية في مستشفى الطوارئ الإيطالي قبل ساعات من احتدام المعارك في الفرقة 16، التي كانت أحد أهم معاقل الجيش. ويأتي ذلك بالتزامن مع مواجهات عنيفة في مدينة الضعين، عاصمة ولاية شرق دارفور، وكذلك في الفاشر، عاصمة شمال دارفور
التي تحدثت مصادر ميدانية إلى “النهار العربي” عن انتشار قوات الدعم السريع في عدد من أحيائها، وسط استنفار للطيران الحربي وقصف متكرر أدى إلى نزوح المدنيين.
نيالا… أهمية استراتيجية واقتصادية
وتقع نيالا جنوب غربي السودان، وتبعد من العاصمة الخرطوم قرابة ألف كيلومتر، وتكتسب أهمية اقتصادية مهمة تجعلها ثاني أهم المدن في البلاد، إذ تتمتع بشبكة طرق تمتد من أقصى الشرق في البحر الأحمر حتى الحدود مع كل من أفريقيا الوسطى وجنوب السودان، ما ساهم بتنشيط التبادل التجاري عبر المعابر الحدودية. ويساعد وجود مطار مدني فيها على حركة التنقل والنمو الاقتصادي.
على أن المشهد تبدل مع بداية الحرب السودانية وتمدد قوات الدعم السريع باتجاه المطار ثم الأسواق والشوارع الرئيسية، حيث دارت مواجهات متكررة نجح الجيش في صدها، وصولاً إلى تكثيف المعركة حول الفرقة السادسة عشرة، التي مع سيطرة الدعم عليها يكون قد أحكم قبضته على ثاني مدينة في إقليم دارفور، بعد زالنجي وسط دارفور.
مخاوف من تكرار جنوب جديد في السودان 
أثارت سيطرة الدعم السريع على نيالا وتمدده في دارفور مخاوف واسعة من احتمال انفصال الإقليم، على غرار ما حصل في الثمانينات والتسعينات يوم نجحت الحركة الشعبية لتحرير السودان في حكم الجنوب والمشاركة في الحكم بالخرطوم قبل قرار الانفصال بموجب استفتاء عام 2010.
وفي هذا السياق، يعتبر المستشار فاروق كسباوي أن “هذا السيناريو موجود منذ التسعينات، تتداوله العديد من المنصات والكتب والمحللين بخطط قائمة على تقسيم السودان وإضعافه بدور واضح للكيان الصهيوني”. ويقول في حديث إلى “النهار العربي”: “المفاوضات الحالية سوف تشرعن عملية الانفصال كما جرى في الثمانينات والتسعينات والألفية، وجولات المفاوضات انتهت يومها بانفصال الجنوب، وما يخيفني أكثر هو انفصال دارفور، لأن هذه المفاوضات ستستمر، وتستمر كذلك هذه الميليشيات في التمرد، ووجدت أيضاً حاضنة سياسية تمنطق لها تحولها من كيان عسكري إلى كيان سياسي مواز للدولة يسيطر على مناطق شاسعة في غرب السودان ويحظى بدعم دولي يؤدي إلى الانفصال”.
ويقارن كسباوي بين الحركة الشعبية لتحرير السودان التي قادت معركة الانفصال في الجنوب وقوات الدعم السريع، ذلك أن الأخيرة “لم تصل إلى مستوى الحركة الشعبية وقوتها في فترة التفاهمات التي كانت تستضيفها مدينة نيفاشا في كينيا. ولكن الدعم السريع يسعى إلى ذلك بدليل وجود قوى سياسية مشتركة. لكن المشكلة أن الجنوبيين كان لديهم جون قرنق وهو مفكر مؤمن بالسودان الواحد يختلف عن حميدتي، فعقليته الانفصالية تؤمن بالاحتلال مع افتقاره إلى القيادة، لذا سيجد صعوبة في إقناع المجتمع السوداني وغرب السودان والمجتمع الدولي أيضاً”.
ويرى الكاتب والمحلل السياسي محمد ود الفول، أن تكثيف الدعم السريع عملياته للسيطرة على نيالا هو “أسوأ بدائل استراتيجيته العسكرية التي أجبرته عوامل الأرض والسماء على تبنيها”. وفي حديثه عن خطط الدعم، يقول: “كانت أهدافه الاستراتيجية هي السيطرة على الخرطوم وتسلم السلطة. وبعدما فشل، اتجه إلى البدائل وهي تسلم مدينة الأبيض أو ود مدني وحتى مناطق في نهر النيل مثل شندي وعطبرة، وفشل في ذلك. لذا يعد تراجعه نحو نيالا بمثابة المنطقة الأخيرة بالنسبة إليه، لأنه حتى على مستوى دارفور، فشل في السيطرة على الفاشر والجنينة والضعين”. ويتوقع ود الفول أن الدعم السريع “لن يستطيع حكم الإقليم في دارفور، لأنه سيواجه بحرب قبلية، لا قدرة له على مواجهتها”.
استمرار مفاوضات جدة… تكتّم شديد
تطورات المشهد الميداني جاءت على وقع أولى جولات التفاوض الجديدة في مدينة جدة، وسط تكتم شديد على مجرياتها. وقد انضم إليها وسطاء من الاتحاد الأفريقي ومنظمة التنمية “الإيغاد”. وعلم “النهار العربي” من مصادر سودانية أن الجلسة الأولى انطلقت مساء الخميس بعد لقاءات تشاورية عقدها المنظمون مع كل من الجيش والدعم السريع، لتتابع المباحثات في اليوم التالي من دون أن ترشح أي تفاصيل عما يجري. وبينما نفت المصادر انسحاب وفد الجيش بعد الأنباء عن سيطرة الدعم السريع على مدينة نيالا، بدا لافتاً إعلان التلفزيون الرسمي السوداني إمكان تعليق المفاوضات في حال استمرار المعارك، فيما قال ناشطون موالون للدعم السريع إن 265 أسيراً من القوات المسلحة كانوا محتجزين في معسكرات للدعم تم إطلاق سراحهم، وتداول الناشطون مقطعاً يشير إلى المعلومة في إطار ما وصفوه بإجراءات بناء الثقة والرغبة بإنجاح المفاوضات.
المصدر: النهار العربي

اترك رد