عن صبيحة ومطارها في الاهوار ….نعيم عبد مهلهل

منبر العراق الحر :
أتذكر صبيحة التي مسكت أعوامها التسعين وظلت تقود قطيع جواميسها ، وحيدة ولا ولد ولا تلد كما يقولون ، اتذكرها كلما يكون الترانزيت لسفري الى بلدي في مطار صبيحة التركي وهو مطار صبيحة كوكجن الدولي (بالتركية: Sabiha Gökçen Havalimanı)‏ هو المطار الذي يخدم سُكان إسطنبول، وهو أصغر من مطار أسطنبول الحديث الذي الغى استخدام مطار إسطنبول أتاتورك. وسُمي المطار على اسم صبيحة كوكجن – وهي أول أمراة تركية تقود طائرة حربية.
صبيحة أمولح ايضا قادت أحلام المكان بأسرار أن تكون صباحاتها هنا منتظمة ،وأقدامها التي تقود فيه قطيع الجواميس لم ترتدي نعلا او حذاء في يوم ما ، وكانت تسكنني قشعريرة في كل بدني وانا أشاهد قدميها الحافيتين تتوغل في الطين وتتحمل ( شناديخ ) القصب ومع هذا تمشِ بإصرار ولا تشعرك انها تتوجع من جرح او ( تتعور ) كما يقولون هنا.
وإكراما لحضورها اليومي في طقسها الصامت وعزلتها التي لا تريد فيها المخالطة الكثيرة مع اهل القرية لتبقى سرا غامضا يكاد فيه الجميع ان ينسى وجودها وبالرغم من هذا بدلوا اسم قريتهم من قرية ام المحاريث الى قرية صبيحه.
يوم أتيت معلما في مدرسة القرية التي يقال انها اكثر قرى المعدان من تمتلك تنانير للخبز بالرغم من ان هذا يشكل خطورة لان شرر النار طالما أحرق صرائف كثيرة ولكنهم اصروا على أبقاء التنانير بمحاريثها الطويلة التي تشبه مرادي الشخاتير . وقد ولدت بينهم أسطورة شفاهية ربما أتت من أصول سومرية :تقول وحدها المحاريث الطويلة تستطيع ان تلامس الغيوم وتجبرها للهطول مطرا فتزداد مياه الأهوار,
وكان عدد صرائفها بحوالي أربعين صريفة ، وست منها ما يكونان المدرسة بإدارتها وصفوفها وصريفة من اجل قضاء حاجة المعلمين ( تواليت ).
عشرون طفلا من أبنائها هم من التحقوا في المدرسة بأربعة صفوف تنتهي بقدرين لكل واحد منهم أما الزواج ورعي الجواميس او ان يتطوع جندي مشاة ، بعد ان شعر المعدان بلذة صمون الجيش الذي يأتي بحقائب أبنائهم المجازين ،فلا يشعلون تنانيرهم وقتها ، والكبار منهم من يتذكر صبيحة ويضع في باب صريفتها كقطعتي صمون .تمد يدها اليها وكأنها تعرف ان احدهم وضعها ودون ان تظهر وجهها وتلقط الصمونتين ،واحدة تلوكها بسعادة والثانية تخبئها لفطور الغد ، أما اذا اتى الصمون يابسا بسبب طول مسافة السفر بين قرية صبيحة ومنطقة جلجمال مثلا فأنهم يتركونه لجواميسهم تعلسه بسعادة وتنتظره بلهفة فهو يغير طعم القصب في بطونها ويجعلها تدر حليبا اكثرا.
اتقيت الى القرية وصبيحة في عمر الثمانين وهاجرت عن البلاد وصبيحة عمرها خمسة وتسعون عاما ، ويوم أتت فرق الإحصاء . لم تجب على اي سؤال لموظف التعداد فهي لاتملك اي ورقة ولا تتذكر أشكال أبويها ولاتنطق سوى اسمها وأسماء جواميسها الثلاثة . واجمل الأسماء فيهن هو سمه ، اي سماء ،ولا اعرف كيف اختارت هذا الاسم الشاعري لواحدة من اجمل جواميسها الثلاث ، التي فجعنا بها ميتة وقد نفقت داخل الماء في ظهيرة قيلولتها ، وقتها وفي آخر الليل لم نكن نسمع سوى نحيبها الذي رفضت فيه ان تستقبل اي من المعزين بوفاة سماء جاموستها المدللة.
أظن ان صبيحة التي كنت أراقب بفخر وحب يومها من الصباح الى المساء وأتخيلها ستكون واحدة من أبطال روايتي ، أظنها ماتت بعد ان تجاوزت المئة عام ، وكلما يكن الترانزيت في مطار صبيحة أتذكر تلك المرأة اللغز ،وأتخيل ان واحدة من الطائرات هي سماء التي طارت الى قدرها البعيد ، بعد ان لفظت أنفاسها الأخيرة وسط مياه الهور الخضراء ، ومن بين الركاب في صالة المسافرين تجلس صبيحة وتتأمل جاموستها الطائرة في السماء البعيدة ومن اجل رحليها تقطر دمعا وصمتا وصمون جيش.

اترك رد