منبر العراق الحر :
يذهب بعض قادة الأحزاب العراقية الحاكمة إلى وصف ما يحدث في العراق بعد 2003 بالعملية السياسية، وإذا كان الحديث في فصول زمنية وأحداث سابقة استغرقت نحو عشرين سنة، عن عملية سياسية تتمحور في نظام “ديمقراطي” قد نجحت في إجراء انتخابات برلمانية ومحلية وتمثيل مكونات الشعب في حكومات اتسمت بالفساد الإداري والمالي، فإن الوقت الحالي جعلهم يتحدثون ويحذرون من انهيار العملية السياسية وسقوطها، وانشغال سلطات الدولة في صراعات المال والنفوذ والهيمنة وتهديد بعضها للأخرى، ما جعلها تدخل في صدام مستمر ونهاية عمر العملية السياسية المشوهة التي جاء بها الاحتلال الأمريكي.
هل توجد عملية سياسية في العراق؟
الجواب: كلا، فالعملية السياسية وفق مباحث الفكر السياسي تعني وجود عملية توليدية مستمرة في بنية النظام السياسي، تستطيع أن تصوب أخطاءها، وتتجاوز مناطق الفشل والركود السياسي والتراجع في خطوات إصلاح ذاتية دائمة، يجعلها تُرسي دعائم نظام ديمقراطي وفق قواعد تأسيسية صُلبة.
في ضوء ما تقدم، فإن الحراكات السياسية التي جرت بعد سقوط نظام صدام حسين، عبرت عن نفسها في تكتلات حزبية تنطوي على انتماءات طائفية وأخرى عرقية وثالثة مناطقية ورابعة حاملة لأجندات متنوعة، تسلمت السلطات وغرقت في شعارات الديمقراطية والحرية والدستورية والمدنية، دون تأهيل معرفي أو استعداد سلوكي ممنهج في بنية مجتمع متخلف من الناحية الثقافية، وجماعات سياسية متخلفة في فهم فكرة الدولة الحديثة ومعارف الفكر الديمقراطي وشروطه، بل هي جماعات معارضة في دول الشتات جُمِّعَت بكونها ترفع شعارات المعارضة ووضعها في دست السلطة، فاندفعت بسلوكيات ثأرية نحو مجتمع متطلع للخلاص من النظام الاستبدادي، فوجد نفسه في فخ الديمقراطية، الذي اغتال الحلم التاريخي لشعب كانت تحكمه سلطة قرارات الإعدام ونزهات المقابر الجماعية، لينتهي إلى نظام الفساد والميليشيات وهيمنة أحزاب الإسلام السياسي في دورة استبداد جديدة بعناوين براقة مثل الديمقراطية والدستور والحريات وغيرها.
نظام بلا هوية تعريفية دقيقة، فهو يتكون من أحزاب “تمتلك” السلطات، جميع السلطات المال والسلاح ومؤسسات الدولة والسلطة التشريعية والتنفيذية، وتمارس ضغوطها وتأثيراتها على السلطة القضائية أيضاً، لا توجد لديها فلسفة أو برامج في استراتيجية بناء الدولة، وقواعدها الأساس مثل البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية، ولا نغالي إذا تحدثنا عن انعدام وجود قواعد الدولة كالعدالة الاجتماعية والمساواة والأمن الاجتماعي والحق في العيش وفق مبدأ تكافؤ الفرص لجميع أبناء الشعب.
لا توجد عملية سياسية عراقية، بل توجد مراكز قوة للمال والسلطة والتشريع والقانون، تتحكم بمقدرات البلاد وتسيطر عليها، وتشكل حكوماتها وسلطاتها وفق هدف استمرار سلطة الأحزاب والشخصيات المالكة لمراكز القرار والمال والقوة أو ما تسمى بالدولة العميقة أيضاً!
بموجب هذا الاختصار الشديد لظواهر السلطة في العراق خلال عشرين سنة ماضية، انتحر مشروع الديمقراطية في البلاد، وتلاشت ما تعرف بالعملية السياسية التي فقدت قدرتها على أن تتشكل كقلب نابض بحياة سياسية متجددة، وتحولت البلاد إلى أحزاب تكرر نفسها بالسلطة وسط مقاطعة انتخابية تصل 80% من الشعب، الذي صار يُتهم بالانحراف والأجندات الخارجية والأطراف الدولية كلما انتفض ضد الفساد وغياب الخدمات والعدالة، فيقدم مواكب من الضحايا الشهداء وآلاف الجرحى.
الأزمة الأبرز الآن في أحزاب السلطة هي عمليات الفساد الصادمة للعالم بأرقامها غير المسبوقة حتى على مستوى التاريخ السياسي العالمي، فساد يتمثل بسرقات مليارديرية ونهب ترتكبه مؤسسات الحكومة التابعة للأحزاب، أرقام مرعبة تذهب لحسابات عدد من السياسيين قادة الأحزاب والتيارات المتسلطة وخاشياتهم ومنظوماتهم، ما جعل الدولة تتحول إلى أسلاب للسياسيين، حتى بدؤوا بمصادرة وبيع أصول الدولة واستثمارها لصالح أحزابهم التي حولت وزارات الدولة إلى مستعمرات مالية تعمل بدوافع النهب المتعجل، إزاء شعب يعاني البطالة والفاقة وشح في الخدمات ونسبة فقر تتجاوز ال25% ، وانعدام خدمات الصحة وتراجع التعليم وخدمات النظافة والأمن الاجتماعي، يقابلها فوضى القرارات الحكومية وأميتها وانتشار السلاح المنفلت والمخدرات وشتى أنواع الجرائم ومظاهر التحلل والتشتت الاجتماعي جراء مظاهر الطلاق المرتفعة على نحو غير مسبوق.
إزاء ما تقدم، عن أي عملية سياسية يتحدثون ويحذرون من انهيارها؟ لقد ماتت العملية السياسية منذ أن أصبح الخاسر بالانتخابات هو الفائز الذي يتصدى للسلطة، وبدأت دول الجوار إضافة إلى أمريكا تفرض رأيها في اختيار تشكيلة الحكم وتوزيع مراكز القوة والنفوذ، وبحسب الولاء والانتماء. وهكذا انهارت العملية السياسية في وقت مبكر من نشوءها، وأصبح الوضع السياسي في العراق هجيني أقرب إلى التركيبة المافيوية، محكوماً بقلق الأحداث والمتغيرات في المحيط الإقليمي، لا يمتلك قوة البقاء، لأنه لن يرتبط بإرادة ومصالح شعب العراق.
التركيبة السياسية الحاكمة الآن قائمة على ركيزة عائدات النفط، ومتى تنخفض أو تنهار أسعار النفط يسقط النظام، لأنه لم يعد يملك ما يكسب به صمت الشعب!
هذه الحقائق لن تتقبلها الأحزاب الحاكمة، رغم أنها تأتي من طرف محايد لا ينافسها على سلطة أو مال، بل هو نداء لإصلاح حالها وإيقاف جشعها، وتذكيرها بحقيقة إن الشعب أقوى منها يوم ينفجر الغضب الوطني وتحين ساعة الحساب.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر