منبر العراق الحر :
كنتُ أسير على شاطئ البحر في ليلةٍ صيفيةٍ ساكنة، والنجوم تتلألأ في السماء كأنها مصابيح صغيرة تراقب صمت العالم، وكان كل شيء حولي هادءا كهدوء كياني. وقفتُ أحدّق في المدى البعيد، فانساب خيالي نحو طفولتي، وكأن الزمن عاد بي خطواتٍ إلى الوراء.
وفجأةً رأيت طفلةً صغيرة تقترب مني . كانت تشبهني كثيرًا، كأنها حورية خرجت من أعماق البحر. اقتربتُ منها شيئًا فشيئًا حتى أصبحتُ أقف بجوارها. كانت ترتعش، ليس من بردٍ ولا من خوف، بل من غضبٍ شديدٍ تجاهي، كأنها جاءت لتعاقبني على ما أصبحت عليه.
مددتُ يدي لأهدئها وألمسها، لكن جسدها كان كالشوك، يجرح يديّ كلما حاولت الاقتراب منها، فابتعدت قليلًا وأنا أتأمل وجهها البائس. عندها أدركت الحقيقة . كانت هي نفسي. تساءلتُ بدهشةٍ وألم: كنتِ طفلةً صغيرةً وهادئة، فكيف تحولتِ إلى هذه المخلوقة التائهة؟ ولماذا حاولتِ تدميري مراتٍ عديدة؟ كانت تعاتبني كأنني نسيتها، لكن الحقيقة أنها لم تغادرني يومًا؛ كانت تسكن أعماقي طوال هذا الوقت. غير أننا كنا متخاصمتين، وكلٌّ منا يحمل ألمًا لا يعرف كيف يبوح به للآخر.
وقفتُ لحظةً صامتة، ثم تركتُ كل آلامي خلف ظهري، واقتربتُ منها واحتضنتها. كان اللقاء صعبًا في بدايته، لكنه كان صادقًا… لحظة مصالحة بعد صراعٍ طويل. وهكذا انتهى بنا المطاف إلى حضن صلحٍ طويلٍ أبدي، حضنٍ أعاد الطفلة إلى قلبي وأعادني إلى نفسي… قربٍ لا فراق بعده أبدًا
منبر العراق الحر منبر العراق الحر