منبر العراق الحر :
يحتاج الفكر العربي أن يعيد قراءة صفحات الهزيمة الفكرية والوجودية والعقم الطاغي على عصرنا الراهن، كما يحتاج أن بفهم العالم من حوله، وكيف يشتغل بمفاهيم وآليات وخوارزميات حديثة ومتفوقة على عالمنا العربي!
نعم حاجة ماسة أفرزتها سنة عاصفة من الأحداث والخسائر الكبيرة، ولم تحصل حتى دعوات للبحث الجدي عن أسباب خساراتنا وضياعنا المادي والفكري، بل هي ما زالت ضمن حيز التابو في التفكير، خشية أن تقع في المحضور والاتهام بالتآمر والتصهين وغيرها.
لا نحتاج تعريفاً بحجم الخسائر وعمق الفجائع التي حدثت في غزة فلسطين وبقية مدن القطاع، وكذلك في لبنان وسوريا واليمن والعراق والسودان وغيرها من الدول العربية.
ينبغي تفكيك القناعات القديمة البالية وتقديم قراءات جديدة في نظرية تكوين القوة وأثر الوجود، في عالم تبدل، وصار يعطي الأولوية لركيزتين أساسيتين هما قوة العلم والمعرفة، وكذلك قوة المال في بناء استراتيجية الحضور والتنامي، بينما الأنظمة العربية محكوم عليها بالغياب وتقبل الخسائر، لأنها لا تمتلك عناصر القوة الحديثة، ولا الفكر الذي يتجاوز المورثات الاجتماعية والقدسية وسلطة نصوص دينية تجاوز عمرها الألف وخمسمائة عام، وما زلنا نحرص ونحرّض على النوم بالماضي، لأن ضريبة الاستيقاظ لا تدفعها الشعوب المثقلة بفواتير الجهل والتعصب والأنظمة الفاسدة.
يفتقر النظام العربي لمراكز التفكير والدراسات خارج الصندوق، بل ما زلنا نعيش القطيعة مع العلوم والتكنولوجيا والتقنيات الحديثة واستخدامات الذكاء الصناعي، وكيف أصبحت ضمن الأسلحة الحديثة للأمم المتقدمة.
النظام العربي يعاني نقصاً فادحاً في القراءة، وإذا فكر بذلك، فهو يذهب لقراءة الماضي ليسقطه على الحاضر بجميع علاته، ولا يجرؤ على قراءة المستقبل وتشخيص تضاريس التخلف والأمية والقتل الذي يتبادله الأخوة الأعداء بأثمان باهظة.
سنوات وسنوات تمضي من التراجع والتخلف استطاعت فيها إسرائيل أن تنقل الصراع من ساحات المعركة القومية بين العرب وإسرائيل، إلى الحرب بين العرب أنفسهم بتحريك عوامل الصراعات الطائفية والسلطة والعشائرية وارتدادات نحو الشعوذة والخرافات، وإغراق الشعوب العربية بالوهم وجدل المنابر الدينية، بينما استطاعت حداثة السياسة العلمانية للدول الحديثة أن تكرس جهودها في مسارات التفوق والبناء المستقبلي واستثمار الزمن، عندها انتقلت البطولة من الفردية إلى المجتمعية.
تلك بإيجاز شديد قراءة بعض سمات تخلفنا وخوفنا من التغيير وحرية التفكير، والتكلس على مفاهيم وأفكار بالية وفساد مطلق، حياة تعفنت لكثرة إقامتها بكهوف الماضي وثقافة التفاهة والجهل والادعاء الكاذب بالطهورية والمقدس، ما جعلنا أمة تتنفس خارج الزمن الحاضر، وقابلة للافتراس ليس من إسرائيل وتركيا وإيران والدول الكبرى وحسب، بل ضحية مستسلمة لسرطاناتها الداخلية.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر