بين صمتين…..نجلاء محجوب

منبر العراق الحر :
ليس هناك أحد… حتى أنا لم أكن. كنتُ محضَ سراب.
كنتُ مُعلّقًا في الهواء، كاعتذارٍ لم يُقال.
أتعثّر بالفراغ،
وكلّ ما حولي يشبه أطلالَ حلمٍ قديم،
أطلالًا بلا ظلّ… بلا رائحة… بلا شهقةِ حياة..!
كانت المدينةُ ممدّدةً كجملةٍ نُسيت نهايتها،
والوقتُ ينزفُ كساعةٍ مُلصقةٍ على جدارٍ مهجور،
أين ذهب الضجيجُ المتواري خلف الأبواب؟ وفي الطرقات؟ وخلف الأزقة؟
هل كانوا… ورحلوا؟
أم أنهم لم يكونوا موجودين من الأساس؟
أتنفّس كطفلٍ خائفٍ يحاول ألّا يُسمِع بكاءه،
يفتح عينيه كنافذةٍ لا تعرف إنْ كان الليل ما زال قائمًا..
أم أن الموت جاء..!
صوته الداخلي يتكسّر كمرآةٍ رأت الحقيقة،
ويبتسم كمن فقد أسماءَ الراحلين ولم يجرؤ على السؤال،
كان الطريقُ على المدى ضيّقًا كقبرٍ مفتوحٍ في الذاكرة،
لا أتذكّر شيئًا.
لم أعد واثقًا إنْ كنتُ أتحرّك،
أم أن المكانَ هو من ينكمش داخلي.
هناك ..
تلمع بقايا حياةٍ للأمكنة..
أرى مقعدًا مهجورًا،
كأن أحدهم انتظر طويلًا… ثم رحل.
توقفتُ. أتأمّل جدارًا
عليه رسمٌ باهتٌ لطفلٍ يضحك،
وأمّ تُطعم أطفالها الحياة، وأبٌ يزرع الهواء،
وجدّ يُطفئ الأنوار لتنام المدينة،
أين أنا؟
تحت الرسم، كتبتْ يدٌ مرتعشة:
“لا تبحثوا عني، كنتُ هنا… ومضيت.”
هل كنتُ أعرف هذا الطفل؟
هل كنتُ أنا؟
أم أنه أحدُ أشباحِ الأمكنة التي نسيت أن ترحل؟
حين أكملتُ المسير ..
كانت الخطى تُحدِث صدىً، وكأن الأرضَ فارغةٌ تحت قدمي،
لا جدرانَ تُردّده،
ولا قلبَ يؤمن بأني لستُ وحدي.
هناك.. كان صوت أبي.
صوتُه يخرج من مكانٍ ضيّق،
يلمع كدمعةٍ لم تجد خدًّا تسقط عليه.
يردّد:
“نمْ هادئًا…”
ثم عاد صامتًا، كفمٍ يبلع نداءً قديمًا.
وجاء صوتٌ من الفراغ:
“لا تُزعج الموتى…
هنا تُطوى الحياة.
ستجده – الموت- هناك، يضحك على الطريق ..
الطريق. الذي كان يسمى: حياة.”
ثم ينطفئ الصوت كشمعةٍ تُطفئ نفسها خجلًا.
يختبئ كحرفٍ محذوفٍ من اسمٍ عزيز.
يرحل كحلمٍ اكتشف أنه ليس حلمَ أحد.
يتمايل كستارةٍ نُسيت في بيتٍ ميت.
سقط كصوتٍ لم يُفهَم، فتلاشى..!
أمشي في ثِقَل، أجرّ الحياة خلفي.
وصلتُ إلى المقهى…
ذلك الذي لم يُغلق يومًا،
كان مفتوحًا كفمِ عجوزٍ فقد القدرةَ على النطق.
جلستُ.
أمامي فنجانُ قهوةٍ باردة…
ومن بعيد، جاءني صوتُ أبي:
“نمْ هادئًا… لا تُزعج الموتى.”
كنتُ جالسًا بين الحياة والموت،
كجفنٍ لم يجرؤ على الإغماض،
وهادئًا كحرفٍ لم يُنطق.!
لم أنَم .. لم استطع
كنت اتأمل الخوف والطمأنينة
وبدأتُ أكتب. ما لم أكن أتذكّره..!
نجلاء محجوب

اترك رد