منبر العراق الحر :
1فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «خُذْ يَشُوعَ بْنَ نُونَ، رَجُلاً فِيهِ رُوحٌ، وَضَعْ يَدَكَ عَلَيْهِ، وَأَوْقِفْهُ قُدَّامَ العازار الْكَاهِنِ وَقُدَّامَ كُلِّ الْجَمَاعَةِ، وَأَوْصِهِ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ. وَاجْعَلْ مِنْ هَيْبَتِكَ عَلَيْهِ لِيَسْمَعَ لَهُ كُلُّ جَمَاعَةِ بني إسرائيل.
الإصحاح
لم يتعود تلاميذ مدرستنا على تلك الفسحة من التنزه يتمناها كل تلاميذ المدارس يسمونها السفرة المدرسية وهي برحلتين الى مناطق حددتها مديرية التربية بسفرة في الفصل الاول وثانية في الفصل الثاني ،ودائما تكون السفرة الثانية أجمل لأنها تصادف في فصل الربيع لهذا اغلب المدارس تذهب الى متنزه المدينة في الناصرية وفيه متحف المدينة الأثري ، أو الى غابة منطقة البدعة حيث المخيم الكشفي . لكننا قررنا أن نقيم سبقا واخبرنا التلاميذ من الصف الثالث الى السادس ، وبالكاد أقنعنا أولياء امورهم ، والمشكلة التي علينا مواجهتها هو نقل التلاميذ حيث يراد لنا أكثر من تسعة مشاحيف اثنان للمعلمين وخمس ينقل فيها التلاميذ الى مدينة الجبايش ومن هناك استأجرنا سيارة فالفو خشبية تعمل على خط الجبايش ــ ناصرية . فكان علينا أن ننتخي أهل القرى القريبة لترسل لنا مشاحيفها اضافة الى مشحوفين أثنين في قريتنا .
كان المفترض ان تكون سفرتنا الى مدينة اور الأثرية ، لكن التلاميذ رغبوا ان تكون الى مرقد السيد يوشع القريب من قرى المعدان ، فصحبناهم الى مرقد السيد يوشع في يوم ربيعي دافئ وقد عانت السيارة في الوصول حيث الطريق الى المرقد كان عبارة عن لسان ترابي تحيط به المياه في وقت الفيضان .
أستمتع الأطفال في سفرتهم وهم في رحاب السيد يشربون بنظراتهم بركات رايته الخضراء المنتصبة على قبته الزرقاء ، وعندما عدنا في نهاية نهار استمتعنا فيه كثيرا حيث كان المكان مزدحما بزائرين من مدن جنوبية في العمارة والبصرة والناصرية وعائلة قادمة من منطقة طوز خرماتو في كركوك حيث تعجبنا وادركت أن سبب هذه الزيارة لابد أن يكون وراءها قصة عندما اخبرنا سادن المكان هذه العائلة التركمانية تأتي لزيارة المرقد كل ربيع .
كان في أجفان كل طفل نذر لا يتعدى امنياته أن يكون ناجحا هذا العام ، عدا التلميذ ” فحل ” الذي كان أطول وأخشن تلميذ في المدرسة الذي تشجع أمام زملائه ونحن في سيارة الفولفو الخشبية عائدون من المقام إلى الجبايش عندما قال :سأتزوج عندما أحصل على شهادة الخامس الابتدائي ، وسأتطوع جنديا مثل عمي فالح ، وسأتزوج ، ويصبح عندي ولدٌ سأسميه يوشع .
قلت :وهل تمنيت ذلك عندما كنا قرب المقام .؟
قال :نعم استاذ .
في الليل استذكرت وجه التلميذ ” فحل ” وافترضت إنه تزوج وهو الآن عريف مشاة في اللواء 36 مشاة في واحدة من ربايا جبال دربنديخان . وكلما يعود من إجازته ، انظر اليه وانا اعرف أن هاشمية زوجته وابنه عمه فالح وقد أصبحت حاملا ، فأسلم عليه ولأني معلمه فهو يؤدي لي التحية كما يؤديها لآمر سريته وأسأله متى يجيء يوشع الى الدنيا ، فيرد في الاجازة القادمة انشاء الله .
وعند انشاء الله اعود مع ليلي الى روايتي وابعد وجه ” فحل ” قليلا واستعيد وجه اليوشع النبي وهو يستخلف سيده موسى ويقود إسرائيل من التيه ، فأظن أن يوشع بن نون كان محاربا واعظا وهو النبي الذي خرج إلى حروبه مع كنعان وغيرها من الاقوام منتصرا فوزع إرثه على اسباط اسرائيل ثم عاد ليهدئ في حياته ويمارس كهونية الوعظ التي تعلمها من موسى .
واخيرا رحل عن دنياه وهو طاعن في السن ، ومثل كهنة اليهود من أهل سبي بابل قاد خطاه ليموت بمكان يقال أن ضريح النبي يوشع بن نون في مقبرة الشيخ معروف في جانب الكرخ من بغداد، ويقال إن مقاما اخرا لهُ في ضواحي مدينة السلط بغرب الأردن يعرف بإسم “النبي يوشع”.
مقامان لنبي ،واخر لسيد يحمل اسم النبي هو من يوحي الى ليل رواياتي أن يتحدث عن ايام موسى ومعاركها ، فراعنة وكهنة وجنود من صعيد مصر ، وآخرون أتوا من بابل هاربين من فيلة كورش الفارسي ويطلبون عند اليوشع لجوءا وآمانا.
وبعيداً عن امنيات الليل أسمع وداع فحل لزوجته وهو يلتحق الى جبهة الحرب وقد انتهت اجازته ، ووسط اجفانه يشع الامل ان ولده يوشع سيرى النور ، واخرج لأودعه وسألته في حديث المزاح :لنفترض يا فحل إن من يجيء من قسمة الولادة انثى .؟
فرد علي ب: الرغم من انني أعرف انه سيكون ولدا اقول لك سأسميها :يوشعه .
قلت :يا لذكائك لقد اضفت الى الاسم تاء التأنيث .
قال :لأنه نذر طلبته من السيد يوم السفرة المدرسية ، ذكرا كان أم أنثى.
اتذكر الآن تلك التراجيديا المؤلمة في واحدة من صباحات الاهوار عندما بكر علينا مشحوف الصباح قادما من جهة الجبايش وهو يحمل نعشا لشهيد من ابناء القريبة ، والخبر المؤلم والفجيعة كانت ان الذي يتوسد النعش كان ” فحل : وقد سكنت صدره قذيفة هاون 120 ملم.
المؤلم والغريب اننا تجمهرنا عند المشحوف ونحن نحمل النعش لنوصله الى اليابسة ، في ذات اللحظة كانت زوجته تعاني الطلق ، ومتى أوصلنا النعش الى ضفاف الطين كانت هي قد وضعت ذكرا لايعرف إن نعش أبيه لا يبعد عنه سوى بضعة امتار وكان هذا الذكر إسمه يوشع.

منبر العراق الحر منبر العراق الحر