#أنا_هزيمةٌ_كُتبت_بلغة_رفيعة #نور_الحريري

منبر العراق الحر :
أنا هزيمةٌ
كُتبتْ بلغةٍ رفيعةْ
مرّتْ على حنجرتي الحروفُ
ولم تقلْ شيئًا
سوى أني أنوءُ بما حملتُ
من اليباسِ ومن الشقوقِ ومن يديّْ
أنا لستُ لي
أنا لحنُ الهباءِ وقد تنبّه للنشيدْ
أنا رميةُ الضوءِ الأخيرْ
لمّا استحالَ الضوءُ جمرًا
في يدِ الخوفِ المُقيمِ على العيونْ
أنا رعشةُ الأشباحِ
تمشي في طريقي دون أن تبكي،
ولا أحدٌ يراني حين أُحرقُ في السكوتْ
أمشي كأنّي آخرُ الناجينَ
من طوفانِ قلبي
كأنّي قُلتُ كلَّ الحزنِ
لكنّي نسيتُ فمي على بابِ القصيدةِ
كي أعودْ
أنا هزيمةٌ
لكنّني
ممشوقةٌ من نارِ أنثى لم تلدْ
إلّا الخساراتِ الكبيرةْ
أنا غيمةٌ
سوداءُ
فارعةُ النحيبْ
تعوي على أطرافِ نافذتي الذئابُ
ولا ذراعَ تعيدني من قَسوةِ الأيامِ
إلّا كفُّ موتٍ
كان يشبهني
ويحملُ جثّتي
عنّي
وأبكيهِ أنا
أنا رئةُ الخرابْ
أنا شهقةُ الأسماءِ حين تموتُ
في بطءِ البداياتِ الثقيلةْ
أنا الآهُ التي
نسيَ الغريقُ بأن يقولَ بها النجاةَ،
فابتلعتْهُ…
وابتلعتُ صوتهُ
أنا كلُّ الذين تشظّوا
عند قافيةِ الغيابْ
أنا لستُ حرفًا في القصيدةِ
بل أنا
ما بين بيتينِ
من الموتِ الطويلْ
أنا من تُخيطُ النورَ من ألمٍ
وتفلتُ خيطهُ قبل النهايةْ
أنا من ترثي النهاياتِ القديمةَ
ثم تُصلبُ في البدايةْ
أنا حين أضحكُ
تسقطُ الضحكاتُ من شرفاتِ روحي
ميتةً
فأجرّها نحوي،
وأدّعي الحياةْ
أنا حين أبكي
أكتمُ الصوتَ
كأنَّ الدمعَ جريمةْ
كأنّي طفلةٌ
ترجّتِ اللهَ أن يُنسي الوجعْ
فأجابها:
انسي أنا
أنا
يا أيّها الموتى بأسمائِكم
قولوا: أما شبعتُمُ من الحفرِ في قلبي؟
من القيءِ على وجعي؟
من السيرِ في أوردتي
كأنّ دمي لكمْ؟
كأنّي ما وُجدتُ سوى لتُصلبوا
على أنفاسيَ السوداء؟
أنا امرأةٌ
حملتْ على أكتافِها الليلَ الثقيلْ
وعادتْ
كي تقولَ لكلّ من عبروا:
أنا هزيمةٌ
لكنني
كُتبتُ بلغةٍ
تُبكي الرصاصْ
وتُخرسُ الانفجارْ
أنا لا أُشفى
أنا تلك الندوبُ التي تكبرُ في القلبِ
كلّما نُسيتْ
أنا نايُ الجراحِ،
إذا بكى منّي الصدى،
عادَ النزيفُ وعلّق الأبوابَ في وجهي
أنا أنثى
ضاعتْ من الوقتِ الرصينْ
تركتُني تحتَ أقدامِ السنينْ
فمشتْ فوقي الحكاياتُ العقيمةُ
وانتهتْ بي
أن أكونَ البئرَ
أن أُصغي لمن في القاعِ يصرخُ
ثم لا أصعدْ
لأنّي حجرٌ
والماءُ لا يُنقذُ من اختارَ القاعَ من أوّل وجعْ
أنا تلكَ التي
ما أنجبتْ إلّا خساراتٍ
كبيرةْ
وحملتُها بيدي
كأني أمٌّ تُرضعُ العدمَ
من لبنِ الغفرانِ
ثم تموتْ
أنا الهزيمةُ حين تكتبُ اسمَها
بمِدادِ نخرتها
أنا امرأةٌ
نسيتْ ظلَّ المرايا
فلم تَعُدْ تدري
أهي هنا؟
أم أنّها عبرتْ
من ناحيتي وماتتْ هناكْ؟
أنا الريحُ التي
إن طالها الحقلُ
استحالَ
ترابُها
قبرًا لأغنيةٍ قديمة
أنا مجدولةٌ من وجعِ الأمهاتْ
حين لا ولدٌ يعودْ
ولا موتٌ يُريحُ القلبَ
من فَقدٍ جديدْ
أنا امرأةٌ
غنّى لها الناجونَ من زمنِ الخيانةِ
ثم ألقوا باسمها في النارِ
كي لا يُنقَشَ الضوءُ على جبينِ الفقدْ
أنا ما تبقّى
من شوارعَ باردةٍ
في مدينةِ النسيانْ
امرأةٌ تحنو على خيباتِها
كأنها
طفلٌ يربّي في يديه
نارَ الهلاكْ
أنا، يا أنتَ
ما زلتُ على بابِ السؤالِ
أنتظرُ
هل لي منّي مخرجٌ؟
هل لي من الحرفِ ارتجافةٌ
تُعيدُ الدفءَ في شَتَتي؟
أم أنني ظلّي؟
أحاولُ أن أُعانقَني
فأخذلني؟
أنا هزيمةٌ
لكنني
حين أنادي باسمِ روحي،
ترتجفُ الأقدارُ
ويصمتُ كلُّ شيءٍ
إلّا القصيدةْ

اترك رد