منبر العراق الحر :
لم يكن آدم يعرف معنى الحرب. كان يعرف فقط أن الكرة يجب أن تُركل بقوة كي تصل إلى آخر الزقاق، وأن أمه تناديه كل مساء قبل أن يبرد الضوء على الجدران. في ذلك العصر كانت الساحة الضيقة بين البيوت مليئة بصوت الأطفال، وكانت الضحكات تتطاير في الهواء مثل عصافير صغيرة لا تعرف شيئًا عن السماء الثقيلة فوقها.
ركض آدم خلف الكرة وهو يلهث ويضحك، بينما كان سامر يصرخ من الطرف الآخر للزقاق:
“مرّرها… مرّرها!”
وقبل أن تصل الكرة إلى قدمه شقَّ الهواء صوت طويل حاد. كانت صفارة الإنذار.
في لحظة واحدة تجمّدت الضحكات في المكان، كأن أحدًا أطفأها فجأة. انفتحت الأبواب دفعة واحدة، وخرجت الأمهات إلى العتبات وارتفعت الأصوات المرتبكة:
“إلى الملجأ… بسرعة!”
لم يفهم آدم لماذا أصبح الركض فجأة مختلفًا؛ قبل لحظة كان ركضًا من أجل هدف، والآن صار ركضًا من أجل النجاة.
أمسكت أمه بيده بقوة حتى شعر أن أصابعه تختفي داخل كفها، وبدأت تنزل به درجات الملجأ بسرعة بينما كانت أقدام الناس تتدافع خلفهم مثل موجة خائفة. في الداخل كان الضوء أصفر خافتًا يتدلّى من مصباح قديم يهتز قليلًا مع كل صوت بعيد، وجلس الناس متقاربين أكثر مما يفعل الغرباء عادة.
كان هناك رجل مسن يحدّق في الأرض كأنه يبحث فيها عن زمن آخر، وامرأة تضم رضيعها إلى صدرها وتهمس له بكلمات لا يسمعها أحد، وطفل صغير يبكي بصمت كأنه يخاف أن يزعج الحرب.
جلس آدم قرب أمه وهو يحتضن كرته التي كان قد التقطها في آخر لحظة قبل النزول. كان يسمع أنفاس الناس حوله بطيئة ومتقطعة، وكأن الملجأ نفسه يتنفس معهم.
رفع رأسه قليلًا وسأل أمه بصوت خافت:
“ماما… هل الحرب تعرف أننا أطفال؟”
توقفت يد الأم لحظة فوق شعره، لكنها لم تجد جوابًا. ضمّته إلى صدرها وهمست قرب أذنه بصوت مرتجف:
“لا يا حبيبي… الحرب لا تعرف أحدًا.”
في الخارج دوّى صوت بعيد يشبه بابًا ضخمًا يُغلق في مكان ما من العالم، ومرّت الدقائق ثقيلة وبطيئة كأن الزمن نفسه خاف أن يتحرك.
ثم فجأة سكتت الصفارة.
ساد صمت غريب، ذلك الصمت الذي يأتي بعد الخوف حين لا يصدق الناس أن الصوت انتهى حقًا.
كان الأطفال أول من تحرك. صعد آدم الدرج ببطء ممسكًا بيد أمه حتى خرج إلى الضوء. كان المساء لا يزال هناك، والسماء ما زالت فوق البيوت كأنها لم تر شيئًا.
نظر إلى الزقاق، فرأى الكرة التي تركها قبل صفارة الإنذار ما تزال في مكانها.
ترك يد أمه قليلًا، ركض نحوها، ثم ركلها بقوة. دحرجت الكرة على الإسفلت وركض آدم خلفها، بينما وقفت الأم عند باب الملجأ تراقبه بصمت.
قبل دقائق فقط كان الجميع يهربون من الخوف، والآن كان طفل واحد يركض نحو الحياة.
في تلك اللحظة الصغيرة بدا كأن الطفولة، رغم كل ما يحدث، تحاول مرة أخرى بعناد هائل أن تعلّم هذا العالم المتعب درسًا بسيطًا:
أن الحياة، حتى تحت صوت الحرب، ما زالت تريد أن تُلعب
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
منبر العراق الحر منبر العراق الحر