منبر العراق الحر :
التصور الساذج، وغير العمالي، وغير الماركسي، ينظر إلى الأول من أيار، يوم التضامن العمالي العالمي، على أنه ينطلق من الواقع المزري الذي تعيشه الطبقة العاملة اليوم في العديد من بلدان المنطقة، بما فيها العراق. ويروّج لهذا التصور يسارٌ متلحّف بالماركسية، لكنه غير اجتماعي وليست ذات صلة بالمنظومة الفكرية والسياسية والاجتماعية لماركس؛ وهو ما أشار إليه منصور حكمت حين قال إنهم ينظرون إلى العمال من خلال كفوفهم المتشققة، لا بوصفهم طبقة اجتماعية، اذا ما نظمت نفسها ووعت لمكانتها بأنها لقادرة على قطع شريان الحياة عن الطبقة البرجوازية. ولهذا تصح العبارة إذا ما تراجعت الطبقة العاملة وتراجع نضالها، فأية بربرية ووحشية تسود المجتمع الإنساني.
ومن خلال هذا التصور، يغيب كليًا مفهوم الصراع الطبقي، الذي يرسم الملامح السياسية والاجتماعية في المجتمع، ومن خلاله تُصاغ مجمل القوانين وتُتخذ القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. إن جميع محاولات البرجوازية تتمحور حول طمس ماهية الصراع الطبقي، وتصوير “الدولة”-تلك الالة القمعية التي تتكون من الأجهزة الأمنية والسجون والمعتقلات ومنظومة القوانين والتشريعات- على أنها فوق المجتمع، والإيحاء بأن المجتمع خالٍ من الطبقات. حتى إن مفهوم الطبقة العاملة يُطمس في العديد من الأدبيات السياسية البرجوازية، ويُستبدل بمصطلح “الطبقة المتوسطة”.
ومع ذلك، فإن «الدولة» التي يُروَّج لها في الأدبيات البرجوازية على أنها محايدة وتعمل على ترسيخ العدالة، نجدها—أي “الدولة”—تقمع الأول من أيار وتمنع الاحتفاء به، وتوجّه نصالها ضد أية احتجاجات عمالية كما نعيشها في العراق؛ إذ لا تستطيع حماية نفسها من الميليشيات، لكنها تقمع تظاهرات العمال العاطلين، وتضرب بيدٍ من حديد دون اين يرف لها جفن كلما لاح في الأفق أي احتجاج للعمال أو المعلمين أو الخريجين.
وإذا كان يوم الأول من أيار بالنسبة لليسار هو «يوم رفع العتب»، لذلك تُنظَّم فعاليات ونشاطات شكلية، فلماذا تستنفر الأنظمة البرجوازية الحاكمة في العديد من البلدان—التي تتشدّق بالديمقراطية ونظامها السياسي—قواتها الأمنية، وتحاول بكل السبل منع العمال من الاحتفاء بهذا اليوم؟ على سبيل المثال: تركيا، وكوريا الجنوبية، وإيران، والفلبين، وعشرات البلدان الأخرى. وحتى في فرنسا، تعرّض العمال في العام الفائت إلى القمع في يوم الأول من أيار عندما رفعوا شعارات ضد قانون التقاعد الذي اقترحتها حكومة ماكرون. ولماذا فصلت الطبقة الحاكمة في كندا وأمريكا مناسبة الأول من أيار عن يومها الحقيقي، وحوّلتها إلى «يوم العامل» في الأسبوع الأول من أيلول من كل سنة، في حين يعود تقليد الأول من أيار إلى الإضرابات العمالية التي اجتاحت المدن في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تعرّض العمال إلى مؤامرة كبيرة فيما عُرف بساحة هايماركت في شيكاغو في 4 أيار 1886، وتم إعدام أربعة من القادة العمال، قال أحدهم، وهو أوغست سبايس: -سيأتي يومٌ يكون صمتُنا في القبور أقوى من الأصوات التي تخنقونها اليوم!-.
وبهذه المناسبة، أي مناسبة الأول من أيار، لا بد من الإشارة إلى أن الغائب في الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، هو الطبقة العاملة، في حين أن من يتحمّل الأعباء الاقتصادية والأمنية والمعيشية هم العمال. فارتفاع أسعار السلع وتكاليف المعيشة بسبب غلق مضيق هرمز، وضرب مناطق عمل العمال في الحقول النفطية والموانئ، وتحويل المناطق السكنية إلى ثكنات عسكرية أو دروع بشرية، هي من تداعيات هذه الحرب. وكل أولئك الفاسدين واللصوص من جميع الأطراف قالت كلمتها، سوى العمال. وعليه، فعلينا نحن العمال أن نرفع صوتنا ضد الحرب، وضد تدمير المدن والبنية التحتية، وتعكير صفو الأمن في منطقتنا، وفي مقدمتهم ما يتعرّض له رفاقنا العمال في إيران وعموم المجتمع. وعلينا أيضاً أن نرفع صوتنا بوجه الحكومة الحالية، حكومة السوداني التي تشدقت كثيرا بأنها أبقت العراق محايدا وبعيد عن المحاور، بأن هذه الحرب ليست حربنا، وأننا لا نتحمّل تكاليفها، وعليها ضمان أمن وسلامة المجتمع وتأمين تكاليف المعيشة.
وفي الوقت ذاته، علينا أن نُفَوِّت الفرصة على من يدقّ إسفيناً في صفوفنا عبر نشر الترهات الطائفية والخزعبلات القومية، التي هي أبداً وقود الطبقة البرجوازية الحاكمة بجميع تلاوينها وتياراتها الدعائي والفكري والسياسي للمضي في سرقة آخر دينار من جيوبنا من أجل إدامة سلطتهم وحكمهم الفاسد.
وأخيراً، فإن الأول من أيار هو فرصة للتأكيد على ما قاله ماركس: ((الإنسان هو أثمن رأسمال)). وهي راية تبين بشكل قاطع، دون أي لبس أو شك، أن التقسيمات آنفة الذكر بين البشر هي تقسيمات وهمية لطمس التقسيم الطبقي للمجتمع والهوية الطبقية؛ إذ إن العمال، يشكّلون غالبية المجتمع، ينتجون كل الخيرات، بينما حفنة لا تتجاوز 1% تنعم بتلك الخيرات، وترتكب كل أشكال الجرائم، من التطهير الطائفي والتغيير الديموغرافي، إلى عمليات الاختطاف والقتل، ونشر المخدرات، والمتاجرة بالجسد والأعضاء البشرية، من أجل إدامة ذلك التقسيم والبقاء في السلطة.
للتنويه: نشر هذا المقال في صحيفة (نضال العمال) الفلسطينية
منبر العراق الحر منبر العراق الحر