أسئلتنا أولًا… طريقنا إلى الإنسانية….عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :
يشترك البشر جميعًا في البعد الإنساني، لكنهم لا يشتركون بالضرورة في الأسئلة التي يطرحونها. فاختلاف البيئات، والتقاليد، والمعتقدات، والثقافات، والتجارب التاريخية، يجعل لكل مجتمع أسئلته الخاصة التي تنبع من واقعه وتعبر عن حاجاته. ولذلك، فإن اختلاف التجارب يولِّد اختلافًا في الأسئلة، ولكل تجربة أسئلتها التي لا يمكن استعارتها من غيرها.
ومن هنا، ليس كل ما يصلنا متأخرًا ينبغي أن ننشغل بأجوبته؛ فبعض الأجوبة وُلدت لأسئلة ليست أسئلتنا، ونشأت في سياقات تختلف عن سياقاتنا. والخصوصية هي المائز الذي يفصل بين ما هو لنا وما ليس لنا، وبين ما يصلح لواقعنا وما يحتاج إلى مراجعة أو إعادة نظر.
إن الانشغال بأجوبة الآخرين قبل تشخيص أسئلتنا لا يؤدي إلا إلى اغتراب معرفي، إذ ننشغل بحلول لمشكلات لم نعشها، بينما تبقى مشكلاتنا الحقيقية معلقة بلا جواب. لذلك، علينا أن ننشغل بأسئلتنا أولًا، فهي وحدها القادرة على إنتاج الأجوبة التي تنسجم مع واقعنا وتفتح لنا أبواب المستقبل. فالوقت لا ينتظر أحدًا، والأمم التي تصنع أسئلتها هي التي تصنع مستقبلها، بينما تسبقنا الأمم في حركتها كلما بقينا أسرى أسئلة ليست لنا وأجوبة لا تعالج قضايانا.
وإذا بقي الحال على ما هو عليه، فإن الإنسان فينا سيظل يعيش الغربة والاغتراب؛ غربةً عن واقعه، واغترابًا عن ذاته، لأنه فقد الصلة بين تجربته وأسئلته، واستعار أجوبة لم تنبع من حياته ولا من حاجاته.
ومع ذلك، فإن الدعوة إلى الانطلاق من أسئلتنا لا تعني الانغلاق أو رفض خبرات الآخرين. فعندما نجد الحلول المناسبة لأسئلتنا، فلا ضير بعد ذلك في أن نُغربل الأسئلة الوافدة، ونُكيِّف أجوبتها بما يلائم واقعنا، فنأخذ منها ما يثري تجربتنا، ونترك ما لا ينسجم مع خصوصيتنا. فالحكمة ليست في الرفض ولا في التقليد، بل في حسن الاختيار.
وهكذا، لا نعزل أنفسنا عن العالم، ولا نذوب فيه، بل نشارك في نسيج الإنسانية مشاركةً واعية؛ نُسهم فيها من موقعنا، ونضيف إليها من تجربتنا، ونأخذ منها ما يعيننا على التقدم، دون أن نفقد هويتنا أو نستبدل أسئلتنا بأسئلة غيرنا. فالإسهام الحقيقي في الحضارة الإنسانية يبدأ حين نمتلك شجاعة طرح أسئلتنا، ثم ننفتح على العالم بعقول ناقدة لا بعقول مقلِّدة.

اترك رد