القدس ليست للبيع… ولا لإعادة التعريف ….بقلم: رانية مرجية

منبر العراق الحر :

ليست القدس مدينةً تُختزل في حدود الجغرافيا، ولا في خرائط السياسة، ولا في موازين القوة المتقلبة. إنها مدينة استثنائية، لم تصنع مكانتها لأنها عاصمة، بل لأنها حملت في حجارتها ذاكرة الرسالات، وفي أزقتها سيرة الإنسان الباحث عن الإيمان والسلام. ولهذا، فإن ما يجري فيها اليوم لا يمكن قراءته بوصفه سلسلة إجراءات متفرقة، بل باعتباره مشروعًا متكاملًا لإعادة تعريف المدينة، وتغيير هويتها، وفرض رواية جديدة على تاريخها.

من هنا، لا يبدو استهداف الكنائس في القدس مجرد خلاف ضريبي، ولا نزاعًا إداريًا يمكن تسويته بالإجراءات القانونية. فحين تُفرض الضرائب على المؤسسات الكنسية في مدينة تخضع لاحتلال يرفض المجتمع الدولي الاعتراف بسيادته عليها، فإن المسألة تتجاوز المال إلى المعنى، وتتجاوز الجباية إلى محاولة تكريس السيادة، وتتحول الورقة الإدارية إلى أداة سياسية لإعادة رسم حدود الشرعية.

فالاحتلال يدرك أن السيطرة على الأرض وحدها لا تكفي، وأن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تمنح الرواية شرعيتها. لذلك، يخوض معركته الأعمق في ميدان الذاكرة، حيث يسعى إلى إعادة تعريف القدس، لا باعتبارها مدينة ذات وضع تاريخي وقانوني خاص، وإنما باعتبارها فضاءً يخضع بالكامل لمنظومته القانونية والإدارية. وهنا تكمن الخطورة؛ لأن الأرض قد تُستعاد يومًا، أما إذا تغيّرت الرواية، فإن استعادة الحقيقة تصبح أكثر تعقيدًا من استعادة الحدود.

إن الكنائس في القدس ليست مباني حجرية، ولا مجرد دور عبادة يؤدي فيها المؤمنون صلواتهم. إنها جزء من الضمير التاريخي للمدينة، ومؤسسات حملت رسالة التعليم والرعاية الصحية والعمل الإنساني، وشاركت في صون الهوية الوطنية الفلسطينية، تمامًا كما شاركت المساجد في حماية روح القدس عبر القرون. ولهذا، فإن استهدافها لا يطال المسيحيين وحدهم، بل يصيب البنية الأخلاقية والإنسانية للمدينة بأسرها.

وليس من قبيل المصادفة أن تتزامن الضغوط على الكنائس مع الاعتداءات المتكررة على المسجد الأقصى، ومع التوسع الاستيطاني، ومحاولات تغيير الواقع الديمغرافي، والتضييق على المؤسسات الفلسطينية. فهذه ليست ملفات منفصلة، وإنما فصول متعاقبة في مشروع واحد، يقوم على تفكيك القدس إلى قضايا صغيرة، حتى يغيب عن الأذهان أنها قضية واحدة: قضية هوية، وتاريخ، وحق لا يسقط بالتقادم.

إن الاحتلال لا يخشى الحجر بقدر ما يخشى المعنى. فهو يعلم أن الكنيسة ليست خطرًا لأنها تشغل مساحة من الأرض، والمسجد ليس مصدر قلق لأنه يحتضن المصلين، وإنما لأن كليهما يمثل شاهدًا حيًا على حقيقة يعجز الاحتلال عن محوها: أن القدس لم تولد مع الاحتلال، ولن يُكتب تاريخها من بواباته العسكرية.

المفارقة المؤلمة أن العالم لم يعد يختلف كثيرًا حول توصيف ما يجري في القدس، بل حول إرادة إيقافه. الجميع يعرف، والجميع يوثق، والجميع يعلن تمسكه بالقانون الدولي، لكن المدينة لا تُحمى بالبيانات، ولا تُصان الذاكرة بالإدانات. فحين تصبح اللغة أكثر حضورًا من الفعل، يتحول القانون إلى شاهد على الانتهاك، بدل أن يكون أداة لمنعه.

لقد أثبت التاريخ أن المدن لا تُغيَّر بالسلاح وحده، بل بالصمت أيضًا. فما أكثر الحقوق التي ضاعت لأن العالم اعتاد انتهاكها، وما أكثر المآسي التي أصبحت مألوفة حتى فقدت قدرتها على إيقاظ الضمير الإنساني. والخطر الحقيقي على القدس لا يكمن فقط في إجراءات الاحتلال، بل في اعتياد العالم عليها، وكأنها قدر لا يمكن تغييره.

وفي هذا السياق، يظل الدور الأردني، بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني، صاحب الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية، ركيزة أساسية في حماية الوضع التاريخي والقانوني للقدس. فالوصاية الهاشمية ليست امتيازًا سياسيًا، بل مسؤولية تاريخية وقانونية وأخلاقية، حافظت على المقدسات، ودافعت عن هويتها، وأبقت قضية القدس حية في المحافل الدولية، رغم محاولات تهميشها أو فرض وقائع جديدة عليها.

غير أن حماية القدس ليست مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، ولا الأردنيين وحدهم، ولا المسلمين أو المسيحيين وحدهم. إنها مسؤولية كل من يؤمن بأن العدالة لا تتجزأ، وأن حماية التراث الإنساني ليست خيارًا سياسيًا، بل واجبًا أخلاقيًا. فالقدس ليست إرث شعب واحد فحسب، وإنما جزء من الذاكرة الإنسانية، وكل مساس بهويتها هو مساس بالقيم التي يدّعي العالم الدفاع عنها.

سيبقى جرس القيامة يوقظ ذاكرة القدس، وسيبقى الأذان من رحاب الأقصى يعلن أن هذه المدينة لم تُبنَ على الغلبة، بل على القداسة. وقد ينجح الاحتلال في تغيير معالم شارع، أو مصادرة بيت، أو فرض إجراء، لكنه سيظل عاجزًا عن مصادرة الحقيقة الكبرى: أن القدس لا تستمد هويتها ممن يحكمها بالقوة، بل ممن أحبها، وصان مقدساتها، وكتب تاريخها بالإيمان لا بالاحتلال.

فالمدن العظيمة لا تموت حين تُحاصر، وإنما تموت حين يُنسى معناها. والقدس، ما دام في العالم من يؤمن بعدالة الإنسان قبل قوة السلاح، ستبقى أكبر من كل محاولات إعادة تعريفها، وأبقى من كل احتلال عابر.

 

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

 

اترك رد