منبر العراق الحر :…..باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي….
التقدير الاستراتيجي الشامل: «حملة الفجر»
تفكيك هيكلية الاقتصاد الموازي، موازين القوى الجيوسياسية، ومآلات الاستقرار السيادي والعسكري بالعراق
التاريخ: الأحد، 28 حزيران/يونيو 2026
المقدمة الاستراتيجية النارية:
حافة الصدام وصناعة “الدولة الثالثة”
لم تكن المداهمات المبرمجة بالآليات الثقيلة لجهاز مكافحة الإرهاب والفرقة الخاصة في قلب المنطقة الخضراء فجر اليوم الأحد 28 حزيران 2026 مجرد حملة قضائية تقليدية، بل هي زلزال سياسي يمثل معركة “كسر عظم” نهائية بين منطق الدولة ومصالح اللادولة. إن العراق يقف اليوم فوق صفيح ساخن يهدد بإنهاء الصيغة التوافقية المحصنة التي حكمت البلاد منذ عام 2003، والانتقال نحو مركزية سلطوية صلبة تقودها أدوات الردع الشرعية. خطورة الموقف تكمن في أن الشبكات المستهدفة بحملة “الفجر” لا تمثل لصوصاً للمال العام فحسب، بل هي أعمدة النظام المالي الموازي والغطاء السياسي لمنظومات عابرة للحدود تمول السلاح وتتحكم في مصير الاستقرار الإقليمي. إن نجاح رئيس الوزراء علي فالح الزيدي ومجلس القضاء الأعلى برئاسة فائق زيدان في هذه المغامرة المحسوبة سيعني إعادة صياغة السيادة الوطنية، أما الانكفاء تحت ضغط السلاح أو الابتزاز فسيقود الدولة نحو انهيار هيكلي شامل، وعزلة مالية دولية، وانفلات أمني غير مسبوق يضع العاصمة على حافة حرب شوارع مصيرية.
المحور الأول: حجم ومأسسة الفساد وتحويله إلى غطاء سياسي وأمني
إن خطورة الفساد العراقي لا تكمن في حجمه المالي فقط، وإنما في اندماجه التدريجي مع شبكات النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي، بحيث أصبح إنتاج السلطة وإنتاج الثروة عمليتين متداخلتين يصعب الفصل بينهما. ومن هنا لم يعد الفساد مجرد انحراف إداري أو مالي، بل تحول إلى بنية موازية تؤثر في صناعة القرار، وإدارة الموارد، وإعادة إنتاج مراكز النفوذ داخل الدولة.
الفساد الهيكلي المنظم: تحول الفساد في العراق من سلوك فردي انحرافي إلى “نظام حكم متكامل” قائم على مأسسة المحاصصة الحزبية وتوزيع الوزارات السيادية كإقطاعيات مالية.
تسييس الأجهزة الحمائية: نجحت النخب السياسية على مدى عقدين في صناعة خطوط دفاع قانونية وإدارية داخل المؤسسات الرقابية، لضمان حظر أي ملاحقة قضائية تطال “رؤوس الصف الأول”.
الواجهات الاقتصادية للكتل: تم تفكيك شبكات معقدة من الشركات الوهمية، المصارف الأهلية، والمشاريع الاستثمارية الواجهية التي تُستخدم حصرياً لتبييض الأموال المنهوبة وإعادة ضخها في الماكينات الانتخابية.
صناعة الحصانة السياسية: الفساد المالي بات الأداة الرئيسية لشراء الولاءات، وتمويل الجيوش الإلكترونية، والسيطرة على القرار التشريعي والتنفيذي بقوة المال المنهوب.
وبذلك لم يعد الفساد مجرد نتيجة لضعف الدولة، بل أصبح أحد أهم العوامل التي تعيد إنتاج موازين القوة السياسية والأمنية والاقتصادية، وهو ما يفسر تعقيد أي محاولة لتفكيكه أو محاصرته.
المحور الثاني: تفكيك الارتدادات الهيكلية على قطاع النفط والطاقة والاستثمارات الأجنبية
انكماش اقتصاد النفط الأسود: ضربة فجر اليوم قد تؤثر بصورة مباشرة في تهريب المشتقات النفطية والمكثفات التي تديرها الفصائل، مما يهدد بقطع شريان السيولة “الكاش” عن هذه المجاميع.
الجمود البيروقراطي المؤقت: مداهمة منازل المدراء العامين في شركتي “نفط الوسط” و”سومو” ستصيب مفاصل التوقيع على العقود وجولات التراخيص بـ “الشلل المؤقت” خشية الملاحقة.
تهديد أمن الطاقة الصيفي: تتوقع الوحدة قيام أطراف متضررة بأعمال تخريبية مبرمجة ضد أبراج نقل الكهرباء ومحطات التوليد لتأليب الرأي العام ضد حكومة الزيدي في ذروة الصيف الحالية.
ارتباك تصنيف المخاطر السيادية: تقف الشركات الدولية وعقود الطاقة الكبرى (مثل توتال إنرجيز ومشروع طريق التنمية) في حالة ترقب حذر، بانتظار معرفة مدى مأسسة الحملة واستدامتها لضمان حماية رؤوس أموالها.
المحور الثالث: مسارات وسيناريوهات حل مجلس النواب وإجراء انتخابات مبكرة
يبقى أي مسار لحل مجلس النواب مرتبطاً أولاً بمدى تطور التحقيقات القضائية، وحجم التوافق أو الانقسام بين القوى السياسية، الأمر الذي يجعل هذا السيناريو مشروطاً وليس حتمياً. فالحملة قد تفتح باب إعادة تشكيل المشهد السياسي، لكنها لا تعني تلقائياً الوصول إلى حل البرلمان أو انتخابات مبكرة ما لم تتوافر شروط دستورية وسياسية ضاغطة.
عقبة المادة 64 الدستورية: يستلزم حل البرلمان العراقي تصويت الأغلبية المطلقة (165 نائباً)، وهو مسار معقد قانونياً في ظل ملاحقة النواب المعتقلين وتجميد عضوياتهم.
سيناريو “عجز النصاب والهندسة القضائية” (الاحتمالية الأعلى): لجوء الكتل المتضررة لإستراتيجية كسر النصاب ومنع عقد الجلسات، مما يدفع المحكمة الاتحادية العليا للتدخل وإعلان عجز البرلمان ومنح رئيس الوزراء تفويضاً لإدارة البلاد بمرسوم جمهوري.
سيناريو “الحل الدستوري بضغط الشارع” (احتمالية متوسطة): تصاعد التظاهرات الشعبية الداعمة للحكومة، مما يجبر القوى السياسية الخائفة على شرعيتها على التوافق لحل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة خلال 60 يوماً.
العوائق اللوجستية والمالية لعام 2026: تتطلب الانتخابات المبكرة فترة لا تقل عن 6 أشهر لتحديث سجلات المفوضية، وتشريع قانون تمويل نفقات الانتخابات، وتعديل الدوائر الانتخابية المعقدة.
المحور الرابع: أبعاد الحملة في الكواليس الاستخبارية وخفايا الارتباط بالإرهاب العالمي
شريان الإنقاذ الإقليمي الكاش: اعترافات وكيل وزارة النفط (عدنان الجميلي) ومصادرة 86 مليون دولار كاش مدفونة تحت الأرض كشفت عن شبكة لتهريب العملة الصعبة لمساعدة دول الجوار على الالتفاف على العقوبات.
البنية التحتية اللوجستية للإرهاب: تتقاطع معلومات وزارة الخزانة الأمريكية حول قيام “الفساد السيادي” بتمويل خطوط إمداد السلاح والعتاد وتسهيل حركة خلايا داعش النائمة والجماعات المسلحة المصنفة دولياً كإرهابية.
تزوير فواتير المنصة الإلكترونية: كشفت الكواليس عن تورط بنوك تجارية تابعة لسياسيين ورياضيين بارزين في تزوير وثائق استيراد وهمية لسحب الدولار من نافذة العملة وتهريبه للخارج.
استهداف السيادة المخترقة: ترى الدوائر الاستخبارية الغربية أن تفكيك شبكات الفساد في بغداد هو الممر الوحيد والضروري لتجفيف التمويل المظلم (Dark Financing) واستعادة سيادة القرار الوطني.
المحور الخامس: ارتدادات الحملة على السياسة النقدية وسوق صرف الدينار
قد يشهد السوق حالة هلع قصيرة الأمد نتيجة ارتفاع مستويات عدم اليقين، يعقبها استقرار تدريجي إذا نجحت السلطات النقدية في احتواء المضاربات، وتعزيز أدوات الرقابة النقدية، والحفاظ على انسيابية تمويل التجارة المشروعة.
صدمة الأسواق الفورية: قفز سعر صرف الدولار في السوق الموازية فجر اليوم ليتجاوز 155,000 دينار لكل 100 دولار نتيجة هلع التجار والمضاربين.
ظاهرة “هروب الكاش”: تسارع المقربين من الشخصيات المستهدفة لتسييل أصولهم العقارية وتحويل ثرواتهم إلى دولار كاش لتهريبها عبر الحدود قبل صدور قرارات الحجز القضائي.
انكماش مبيعات نافذة العملة: أحجمت مكاتب الصيرفة والمصارف المرتبطة بالمعتقلين عن الدخول للمنصة الإلكترونية للبنك المركزي خوفاً من الرصد، مما قلل المعروض النقدي ورفع سعر الدولار الموازي.
سيناريو التدهور المؤقت والسيطرة: تتوقع الوحدة استمرار تذبذب العملة نحو مستويات الـ 160,000 دينار لأيام، قبل أن يستقر السعر عبر حزم تطمينية وإجراءات امتثال يضخها البنك المركزي للمستوردين الحقيقيين.
المحور السادس: مواقف القوى المؤثرة في المشهد العراقي (واشنطن، طهران، الرياض، أبو ظبي)
واشنطن (الدعم المشروط بالامتثال): تدعم الخزانة الأمريكية والخارجية حملة “الفجر” بقوة لكونها تترجم شروط مجموعة العمل المالي (FATF) التي أعادت العراق للقائمة الرمادية في 19 حزيران 2026، وترى فيها فرصة لتفكيك النفوذ المالي للفصائل.
طهران (القلق وحماية خطوط الإمداد): تتعامل بحذر وقلق مكتوم خوفاً من تدمير شبكات التدفق النقدي بالدولار الكاش الحيوية لاقتصادها، وتضغط خلف الكواليس لمنع امتداد الحملة نحو القيادات العسكرية لـ “الحشد الشعبي”.
الرياض (الترقب واسترداد الدولة): ترحب بالسلوك المؤسساتي وتقوية سلطة القانون بوجه السلاح المنفلت، وتربط المضي في الاستثمارات المليارية بطريق التنمية بمدى نجاح بغداد في تفكيك منظومات الابتزاز الحزبي.
️أبوظبي (الاستقرار الاقتصادي والشراكة الاستثمارية): تتابع تطورات الحملة من زاوية تأثيرها في بيئة الأعمال والاستثمار، وترى أن ترسيخ سيادة القانون وتعزيز الحوكمة يمثلان عاملين أساسيين لزيادة الثقة بالاقتصاد العراقي، مع استمرار اهتمامها بالمشروعات الاستراتيجية والشراكات الاقتصادية متى ما توفرت بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ.
المحور السابع: مستقبل التواجد العسكري والدبلوماسي الأمريكي في العراق
استنفار القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM): رفعت القوات الأمريكية جهوزيتها الدفاعية في قواعدها في الحرير وغيرها تحسباً لضربات صاروخية انتقامية أو تشتيتية قد تشنها الفصائل المتضررة.
فرملة الجدولة الزمنية للانسحاب: الارتدادات الأمنية المتوقعة للحملة تمنح واشنطن الذريعة لإقناع بغداد ب”إبطاء” أو “تأجيل” المسار الزمني لانسحاب المستشارين العسكريين والتحالف الدولي، نظراً للحاجة اللوجستية والاستخبارية لقوات النخبة العراقية.
الحمائية الدبلوماسية للسفارة الأمريكية: يتحول مجمع السفارة بالمنطقة الخضراء إلى منصة لتنسيق الدعم السياسي والدولي المطلق لإجراءات الزيدي وفائق زيدان، مستفيدة من الطوق الأمني الذي فرضه جهاز مكافحة الإرهاب حول محيطها فجراً.
المحور الثامن: موقف المرجعية الدينية العليا وتأثيره على علاقة إقليم كردستان ببغداد
التغطية الروحية والشرعية للنجف: يمثل الموقف الراسخ لآية الله العظمى السيد علي السيستاني ضد الفساد (المجرّب لا يُجرّب) السند الأخلاقي الأقوى للحملة. كما أن البيان الصادر عن مكتب المرجعية بشأن دعم جهود مكافحة الفساد منح الحملة غطاءً معنوياً وسياسياً مهماً، وعزز شرعيتها في نظر شريحة واسعة من الرأي العام. وفي الوقت نفسه، ستراقب القوى السياسية الشيعية الأخرى هذا الموقف باعتباره مؤشراً على حدود الشرعية السياسية للحملة، ومدى قدرتها على الاستمرار أو التوسع في مراحلها اللاحقة.
انكشاف قنوات التهريب في كردستان: اعترافات الجميلي ورادار القضاء الاتحادي كشفا خطوط تهريب موازية تعبر أراضي الإقليم (أربيل والسليمانية)، مما يضع الأحزاب الكردية أمام حتمية مواجهة التزاماتها القانونية مع بغداد.
سيناريو التكامل الاضطراري بين بغداد وأربيل: ستلجأ القيادة الكردية لإبداء مرونة عالية والتعاون في تسليم مطلوبين وتفكيك شبكات النفط الموازي، مقابل ضمان استمرار تدفق أموال الرواتب الاتحادية وحماية حصتها في موازنة 2026.
الخاتمة الاستراتيجية الاستشرافية:
هندسة “العقد السياسي الجديد”
تخلص هذه الدراسة إلى أن حملة “الفجر” ليوم 28 حزيران 2026 لم تعد مجرد جولة ملاحقة جنائية، بل هي معركة صياغة الهوية السيادية للدولة العراقية ل العقد القادم.
الاستشراف المستقبلي الحتمي: إن العراق دخل رسمياً مرحلة “الاستعصاء التوافقي”؛ فالنظام المالي والسياسي القديم لم يعد قابلاً للحياة بوجود ضغوط امتثال دولية خانقة وقضاء عراقي محلي قرر استعادة هيبته بسلطة السلاح الشرعي. الأيام الـ 72 القادمة ستكون حاسمة: فإما أن تنجح الدولة عبر قوات النخبة ومباركة النجف الأشرف وحمائية واشنطن في فرض “الهندسة القضائية” وتفكيك بنية الفساد العابر للحدود وتأسيس عقد سياسي مستقر، وإما أن تنزلق البلاد نحو سيناريو الصدام الصلب المفتوح في شوارع بغداد، وهو المسار الذي يتطلب من القيادة العليا التحوط له استخبارياً وعسكرياً لحماية المصالح الحيوية ومراقبة حركة تدفق الأموال الساخنة المهربة عبر المنافذ الإقليمية.
التقدير الاستراتيجي النهائي: إن نجاح «حملة الفجر» لن يُقاس بحجم الاعتقالات أو الأموال المستردة فحسب، بل بقدرة الدولة العراقية على تحويل هذا الزخم إلى إصلاح مؤسسي مستدام، يرسخ سيادة القانون، ويعيد بناء الثقة بالمؤسسات، ويمنع إعادة إنتاج منظومات الفساد بصيغ جديدة.
المصادر المعتمدة
مجلس القضاء الأعلى العراقي: البيانات والأوامر القضائية والإجراءات الرسمية المتعلقة بالحملة.
البنك المركزي العراقي: بيانات السياسة النقدية، وسوق الصرف، وإجراءات الامتثال المالي.
هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية: التقارير والإجراءات الخاصة بمكافحة الفساد والرقابة المالية.
مجموعة العمل المالي (FATF): تقارير التقييم المتبادل وقرارات الامتثال ومكافحة غسل الأموال.
صندوق النقد الدولي (IMF): تقارير الحوكمة والإصلاح الاقتصادي والقطاع المالي.
وزارة الخزانة الأمريكية (OFAC): تقارير مكافحة غسل الأموال وتمويل الأنشطة غير المشروعة.
القيادة المركزية الأمريكية (USCENTCOM): بيانات تقييم المخاطر الأمنية وحماية القوات.
بلومبرغ (Bloomberg) وفاينانشال تايمز (Financial Times): البيانات الاقتصادية وتحليلات الأسواق والطاقة.
تشاتام هاوس (Chatham House) وكارنيغي للسلام الدولي (Carnegie Endowment) ومعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى (The Washington Institute): الدراسات المتخصصة في الاقتصاد السياسي العراقي، والحوكمة، والأمن الإقليمي

منبر العراق الحر منبر العراق الحر