منبر العراق الحر :
وجدتُ الجزائر في تلك الحِقبة امرأة دَهَنَت بالنَّفط شعرَها ، لتجلب أطماع الراغبين في وِدِّهَا ، بمقابل يطمعون في الحصول عليه منها ، براميل من الذهب الأسود ذي الرائحة الناشرة إغراءها ، لصيد مواقف تقبل بأي طلعة منها ، صوبَ ما تريد داخل القارة السوداء الخاضعة لتيار ثورات تنفض بها غبار ما تحياه من انتكاسات اقتصادية خانقة تقضّ مضاجع حكامها ، امرأة أدخلَت طموحها لبرنامج تجميل سطَّره “الهواري بومدين” ينأَى عن تَرِكَةِ مَن سبقه للزعامة لغاية التخلُّص النهائي القَطْعِي من الفكر الناصري ، الذي اعتمده أحمد بنبلة مهيمناً على بلاد تريد فرنسا أن تبقَى في محيط ثقافتها حتى في الجزء المؤيد لسياستها الخارجية القائمة على تفريق شمل العرب من المحيط إلى الخليج بدافع فرّق تسود ليبقَى الجميع طوع بنانها . امرأة أهملتها قساوة العادات المحافظة على مبادئ لا يكتمل جمال الأنثى إلا بها ، غير الحياء المُبالغ فيه نفاقاً الملجّم للأفواه المكسِّر أي محاولة للتعبير عن رأيها ، لتبقَى مُنعزلَة طائعة للأوامر منتجة لأولادها ، أكانت مع عمرو أو زيد لا مشكلة لها ، صابرة على توجيه كبراء الأسرة في سالف كمستقبل عمرها ، ما دام الاستعمار الفرنسي جاثم على قلبها وقلوب أولياء أمورها . بعد الاستقلال وجدَت مصيرها متغيّر فما استطاعت كَتْم فرحتها، حيث خرجت للدنيا مبعثِرة طاقاتها ، على هذا وذاك تلبية لهوَى صاحب كرسي تربَّع فوقه ليسلب كل حقوقها ، بأسلوب نفَّذه بالتدريج ليلهيها ، ولمَّا وصل الأمر لمعاداة المغرب شعرت أنه طاعن ظهرها ، بخنجر ما فكّرَت رفعه على وجه مَن كان أيام مِحنها الطوال قبل وبعد استقلالها ، أفضل وأخلص وأقوى سندٍ لها .
… تجولتُ بما يكفِي لأقارنَ ما جئتُ به مِن معلومات وما استطعتُ إضافته في عين المكان موسِّعاً آفاق تحرُّكي المريح وصولاً لانجاز ما عزمتُ النيّة على انجازه مهما اعترضَت تقدُّمي من عثرات ، قاطعاً المراحل بسرعةٍ لضيق تاريخ الفترة المنتهية بالشهادة فالرحيل عن هذه الدنيا ، أو تمكين الرئيس الهواري بومدين من فُرصةَ تغيير موقفه مِن المغرب ، عِلماً أن خوضَ مثل المعارك داخل الجزائر لا يَسْلَم من مخاطر الفشل فتحمُّل أبشع أنواع العقاب المصحوب بالانتقام الأعمَى المنعدم الشفقة أو الرحمة ، لكن التأنِّي المُحكَم الارتباط بذكاء التنقُّل بين الوقت المناسب والمكان الأنسب ، يؤهل الاستمرار تحت نفس الغطاء ، لدرجة الشعور بالارتياح ، مع التغلُّب على الغرور “هدية الطبيعة لذوي النفوس الضعيفة” كما وصفته الأديبة الفرنسية “جورج ساند” ، و التمكن من قناعة لا تقل أهمية ، أن الذكي مَن يقرّ بوجود مَن هو اذكَي منه بكثير ، خاصة وجهاز المخابرات التابع لأوامر الهواري بومدين يتوفَّر على عناصر قويَّة التدريب مزوَّدة بآخر الآليات التقنية ابتكاراً الحاسبة على الهدف المشكوك فيه حتى الأنفاس ، أما العملاء الخارجين من دائرة الضوء ، فمصيبة أخرى تحتاج لجهدٍ استثنائي لتفادي شرورها الجزئية كالكلية .
… بعد مسلسل “الشيطان” واللقاء الصدفة الذي تمَّ بيني والرئيس الهواري بومدين ، أصبحتُ جذ معروف بين شرائح عدة مِن المُجتمع في العاصمة ووهران وغيرهما من المدن الكُبرى ، مِن تلك الشرائح نخب ميادين شاغلة وظائف مهمة في الدولة ، والمنضوية بعضها تحت لواء جمعيات ، أكانت ثقافية التوجُّه فنية الميول ، أو سياسية تحاول الإقلاع بمنظور مؤيد للنظام ، باستثناء أقليَّة معارضة بقيت وفية لأحمد بنبلة الموضوع في إقامة جبرية منعزلاً عن العالم بأمر شخصي من صديق دربه الهواري بومدين .
ذات صباح اتصلَ بي أحد مساعدي المدير العام للإذاعة والتلفزة الجزائرية طالباً مني مرافقته للوقوف على أمر يخصني ، لبيتُ الأمر بكل سرور وتبعته لغاية مكتب أدخله لأول مرة يمثل محور تلك المؤسسة بواسطة مدير متمتع بصلاحيات تنفيذية مرتبطة بكل الاختصاصات الإعلامية الملونة بإرادة رئيس دولة ، يريد بواسطتها أن يكون الكل في الكل 24 ساعة على 24 ساعة ، وما يتطلبه الفاعل من مجتهدين ومبتكرين وأصحاب أفكار تبسط المطلوب بما يقرّب لعقول المواطنين ، بما يُذاع صوتاً أو يُرى صورةً ما يبذله الرئيس مِن مجهود لخلق دولة معاصرة قوية تليق بجزائر القرن العشرين الذائعة الصيت لدى المحافل الثورية عبر العالم ، ذات الكلمة المسموعة وبخاصة في دول عدم الانحياز والعديد من الأقطار الأسيوية وبعض الدول العربية ، بتحفُّظ يخفي ما يقلل مِن عدم اهتمام بالأخيرة لأسباب سأتطرَّقُ إليها لاحقاً . رحَّبَ بي السيد المدير بكلمة مدح جعلتني أتأكَّد أن مسلسلَ “الشيطان” أدى أعظم دور خِدمَة للشَّخصية التي أصبحتُ مميَّزاً بمكانتها في عالم الكتابة الهادفة للتأثير الإيجابي على المجال السياسي صلب تدبير الشأن العام في بلد حديثة العهد بالاستقلال ، طبعاً السيد المدير لم يقتصر على إبداء رأيه في عملي السريع التقدُّم لما أحظَى به من تقدير مُشرِّف ، بل نقلَ لي رغبة الرئيس الهواري بومدين أن أتولَّى إنتاج برامج تهدف شَرْحَ مضامين الثورات الثلاث المصاحبة انبعاث نظام جديد ، ينقل جزائر الحاضر إلى جزائر المستقبل ، بواسطة شجرة تدبير متكامل التنظير والتطبيق ، بفروع ثلاثة : الثورة الثقافية ، والثورة الصناعية ، والثورة الفلاحية ، وقد كُلّفَ أن يزودني بكل الدراسات المعمولة من طرف خبراء ، كل في مجال تخصُّصه وأيضاً ملاحق تفصيلية مع وثائق أخرى تكميلية ، المطلوب مني قراءة كل مضامين مثل الملف الضخم الذي وضعه بين يداي للخروج منه بمشاريع برامج تذاع صوتاً وصورةً وفق ترتيبات زمنية سنحدِّدها فيما بعد ، المهم أمامي أسبوعاً واحداً لا غير ابتداء من الآن كي نلتقي في اجتماع خاص للاطلاع على نتاج اجتهادي في الموضوع ، وأخيراً أبلغني بوضع الإدارة كل احتياجاتي المادية وغيرها تصلني أولاً بأول ، وإن احتجتُ لإضافات أخرى ما عليَّ إلاَّ الاتصال به شخصياً ، مماَّ يجعل إقامتي مريحة وتنقلاتي مهما كانت الوِجهة فورية ، وقبل أن يودّعني بأدب جم ، التمسَ مني أن أبْقِي الموضوع برمته في طي الكتمان وشروط السرية المُطلقة.
اخترتُ منتجع “لاَمَدْرَاغْ” لأسباب أربعة منها : نقل إقامتي بعيداً عن صخب العاصمة ، والتخلص من عيون جاحظة لا يود أصحابها مفارقة أماكن أتردد عليها للتمويه لا غير ، وخاصة تلك المقهى الغريبة بروادها المعارضين لنظم بلدانهم ، أعلبهم من تونس وأقلهم من المغرب ، وخليط من الليبيين والسوريين ، المثير للانتباه تلك الحماية البالغة في حقهم ومنها توفُّرهم على وثائق تبيح لهم الاستقرار في العاصمة كضيوف يتوصلون بإعانات مادية وليسوا كلاجئين سياسيين ، لم يكن يهمني الأمر أكثر من البحث عن خيط يمهِّد طريقي لغاية التيقُّن إن كان لأي مِن هؤلاء صلة بما يروج عن اختيار السلطات الجزائرية ذوي الحالات المُشابهة لتكليفهم بمهام زرع القلاقل على الجانب المقابل من شريط الحدود بين المغرب والجزائر في نقط معينة تطل على “وجدة” و”السْعِيدِيَة” و”بني دْرَارْ” و”بُوعَرْفَةْ” و”تَنْدْرَارَةْ” و”فِجِيجْ”، إلى أن عثرتُ على فتاة مغربية من مدينة الدار البيضاء قذفَت بها موجة الغضب عن حالة أسرتها الاجتماعية ، لضفة جزائرية حسبتها طوق نجاة ، فإذا بها واقعاً أسود أعادها للغرق في يم كادت تفقد وسطه أغلى ما تملك ، لولا إرادتها التي نبَّهتها لمغربيتها التي لا ترضى بالذلّ ولو نقلها لما حلمت أن تكون سيدة مجتمع مستقرة في بيت مشيَّد على الحلال بالحلال ، تلك الفتاة التي استعادت ثقتها في نفسها وحدثتني بأمرٍ فَتَحَ ذهني على بدايةٍ المفروض أن تتحوَّل مِن الغد الموالي إلى جَمْعِ أحجار من العيار الثقيل لتشييد سد يمنع ما ذهبت زمرة الهواري بومدين لتفجير قنوات ماء حار لم يفطن هؤلاء ورئيسهم أن الضَّرر سيعمّ على الشعب الجزائري بصنيعهم ذاك قبل سواه . ثمة مَن اتَّصلَ بها قصد إقناع ما أمكن من المغاربة للمشاركة في نشاط عالمي ضخم تشرف علية وزارة العمل الجزائرية ، وأعطاها عنوان قسم كائن في مقر الإذاعة والتلفزة الجزائرية ، لتتصل به هناك ، متى أنهت المهمة ، ولها مكافأة ستسعدها حقاً ، بالتأكيد تعرفتُ على داك المسؤول وأيضا اختصاص القسم المعني ، تمنيتُ لها النجاح في مهمتها وذهبتُ رافضاً صُحبتها لموانع اقتنعت بها حقاً .
السبب الثاني ، الذي جعلني أختار “لامدراغ” ، عائد لميناء صيد لا بأس به قد يسهِّل اللجوء للانسحاب بواسطة قارب من قواربه وفق خطة مسبقة التحضير ، عزمتُ على وضعها (لفائدة تنوُّع بدائل للنجاة جاعلاً كل الاحتمالات واردة) متى توفَّرَت لي معلومات يملك جلَّها بحَّارة الميناء ذاته وبعض من روَّاده .
السبب الثالث ، وجود ملهى ليلي يتوافد للسهر فيه نخبة من علية القوم وسادة نظام يعوّضون تعبهم في تنفيذ أوامر الهواري بومدين ، بالترويح عن أنفسهم بكيفية تنتهي بفقدان عقولهم فلا يميزون إن كان حديثهم خارق لحاجز السرية ، أم مظهر من التعبير على مستوى عملهم الوظيفي للاستفادة من المعاملات الخاصة التي لا تحتاج لشرح كي تُفهم .
السبب الرابع ، لأُقنع مدير الإذاعة والتلفزة أنني منهمك (في عزلة تامة ) على استنباط أفكار صالحة تتمحور حولها برامج توعية ، شديدة القدرة على إقناع المواطنين بأن المستقبل ما يفكر فيه نيابة عنهم ، الزعيم الأوحد والقائد المُلهم والحكيم النابغة الهواري بومدين .
… أصبح قرار الاستمرار لا يحتمل التأخير تمشّياً مع تصاعد الاستعدادات المضادة المسخر لها كل الإمكانات المالية والموضوع لإنجاحها أكفأ العناصر التقنية وأكثرهم قابلية لتسريع ما يتصورونه نتائج تبهر العالم بما تقدمه من افتراءات على شكل مُشوق تعكسه وجوه حسناوات ، و يتخلله تموُّج ألحان من الروعة بمكان ، في قالب من خشب تعاونَ في إعداد تصميمه أكثر من مهندس ديكور ، المزخرف بأطياف تخطف البصر ، وما يزيد على ذلك من تنوع خارق للمعتاد ، يُبعد المتفرجين عن الشعور بالملل ، إذ من الصعب مخاطبة عقول العقلاء ، بواسطة أباطيل تتواثب داخل بستان مصطنع ، أزهاره من أوراق ملونة ، وخلفياته طاقات بشرية لا يهمها من لب الموضوع برمّته ، إلا التعويضات الزائدة عن حدِّها بوعود إضافية ترفعهم لتحقيق ما سعوا لتحقيق ولو ربعه منذ استقلال الجزائر إلى تلك اللحظة وسلطة بلدهم تمسح بهم أرضية ما تعلَّموه عن اجتهاد لتصريفه في مكانه المُجمَّل بهيبة الحق، بخِرَقٍ مُغَمَّسة في القَار ليعُم”َ السواد المتصاعدة منه رائحة تديم لمن استنشقها ، عاهة الندم وألم الضمير طول العمر .
… خلال جولة بين قاعات التدريب والتسجيل شدت أذني نغمة أغنية مغربية لي معها قصة وموقف ، قادني الصدى لمواجهة مفاجأة ، لم انتبه حتى وجدتُ نفسي غير قادر على الانسحاب إذ لمحتني المغنية المؤدية اللحن التي نسيت نفسها ومَن يعزفون وراءها فاتجهت مسرعة لتعانقني بلهفة وتوشوش في أذني : “انأ هنا اسمي جليلة حافظ “.(يتبع)
===============
من وراء المسيرة الخضراء/الجزء 18
تطوان : مصطفى منيغ
قد تلعب بعض الصدف ، دور المنبّه وإن كان عابراً يظل رنينه دون توقُّف ، أو من تأثيرات الإزعاج محذوف ، يمتحن تصرّف المتعرِّض لإحداها في مستوى اليقظة من ضربات سيف ، أو الانحناء مضيِّعاً من حيث الكم والكيف ، ما زرعه مخالفاً للعُرف ، تحت ضغط الخوف ، من مجهولٍ حاضرٍ غائبٍ غير معروف ، مجرّد لحظة من قياس ثانية تجمِّد الحركة لدى مُعَطَّل الحدس السادس المُكتسب عن نعمة الفطنة الملتصقة بذهن السابح وسط بحور مهنٍ لا تليق بمحدودي التكوين الفكري السياسي التقني الثقيل وليس الخفيف ، لحظة صادمة قادرة على تفكيك مخطَّط انصرف صاحبه لبالغ اهتمام صباح مساء كي يتماسك في تنفيذه مع توقعات النجاح الكامل وما قارنه من النصر الشامل يضيف ، أو الفشل الخازن لما أقلّ القليل فيه مُخيف ، ولكلٍ من الخاصيتين موقف ، المفروض معه عدم فقدان السيطرة ، للخروج مِن كلتا النتيجتين بأضعف خسارة ، طبعاً في مثل المواضيع حتى النجاح تتخلله خسارة ، وإن تباينت بين البسيطة والمُركَّبة تبقى حاجزاً قدَّام تحقيق الغاية المثالية ، أقربها أن ينصفك المسؤول عن جعل هذه الصفة المبدئية سائدة في محيط تدبيره للشأن العام الوطني ، بالتأكيد التضحية لا تتطلَّب المقابل إن تعلَّق الأمر بخدمة مصلحة الوطن العليا ، لكنها فرصة تكون (فيما بعد) لتُسَمَّى الأشياء والوقائع والأحداث بأسمائها الحقيقية ، ويتوصَّل في شأنها كل ذي حقٍّ بحقِّه ، مع كلِّ إضافة أضمُّها لنفس العنوان يفهم مَن يريد الفهم أن الزرع لمن قضي أغلبية عمره يتعب، وليس الحصاد لمن قضاها يلعب .
… سمعتُها توشوش في أذني : “أنا هنا اسمي جليلة حافظ” ، بعدها بدّلت حافظ بعابد ، لتكون “جليلة عابد” ، لا هي الأولى ولا الثانية بل الثالثة التي أعرفها باسمها الحقيقي ، وجذورها الأسرية الأصلية ، قَطَبَت حاجبيها مبدية الحيرة والتعجب في آن ، كنتُ مُلِّماً بما يبدو على محياها من تغيير يساير حالات ، لذا لم تكن من الصنف الذي يُظهر شيئاً ويخفيه في ذات الوقت ، ممَّا يؤخِّر تعاملها مع المطلوب ، ساعة الخضوع للكشف المعمَّق عن الشخصية الأصل والتفريق بينها وأخرى تقمَّصَتها ، لسبب من الأسباب ، سهل بعد ذلك اكتشافه . لم تكن تدري أن الحقيقة للفهم السريع شقيقة ، لَدَى المتيقِّن أن الظروف ، بعضها عن التأثير البالغ مداه موقوف ، حيال القادر على التكيّف المباشر دون إبراز أي تكليف ، ومهما برع الرقيب البشري يضيع مع جزئيات يعتمدها لبلوغ الناتج المعروف . الاطلاع على النظرية لا يساوي إتقان تطبيق ما ترمي إليه لتغيير ولو الجزء البسيط الواضح في كلمة واقع (الجزائر الرسمية في تلك المرحلة من حكم الهواري بومدين المُطلق) ذي الأربعة حروف ، واو الوقيعة وألف العلّة وقاف القسوة و عين العذاب بأشد الصُّنوف .
… تعلّمتُ من مدة الإصغاء الجيّد ومتى فهمتُ الجوهر لا استفسرُ عن الباقي ، سمحت الفرصة بذلك أم حضرت وراحت لسبيلها تاركة الرنين المزعج يطارد الهدوء ولو لدقيقة ، حالما التحقَ بنا الأستاذ والموسيقار تيسير عقلة السوري الجنسية ، رئيس جوق الإذاعة والتلفزة الجزائرية ، الذي عانقني بحرارة الصداقة المتينة التي تجمع كلانا على الودّ والاحترام ، فتأتي المفاجأة الثانية حينما قدمت لي جليلة عابد الرجل بأنه زوجها ، فلم أجد غير التهنئة أقدمها لهما معا معبرا عن سعادتي بالحدث . حاولتُ الانصراف فأقسم تيسير أن يوصلني حيث أريد ، فلما أخبرته بإقامتي الجديدة في “لامدراغ” مدني بخبر ما كنتُ أتوقَّع الولوج بفحواه للبند الثاني من مُخطَّطي المُبيَّن سابقاً ، إذ سمعته وهو يقول بالحرف : “اشتغلُ في “لامدراغ” عازفاً لآلة الكمان في ملهى ليلي ، وبالمناسبة ادعوك لتسهر معنا هناك ما دُمتَ تقطن نفس المنتجع”.
… وكر الشيطان ذاك الجامع لمريدي المُجون ، داخله بكل التهم مطعون ، والخارج منه مترنحاً شبه فاقداً للوعي ملعون ، مُرغماً وجدتً نفسي ممثِّلٍّاً الانسجامَ رفقة أناس نهارهم بوجه متجهّم عبوس ، يحرسون نظاماً لا فرق عنده إلا لحظة مباركة المخلصين له بترك أيديهم تطال أعناق المشكوك في أمرهم ، تخنق أصحابها في زنزانات التعذيب الجهنمي ، وليلاً يتراقصون كقش يتطايره ريح المَسْخَرَة ، في قاعة لكل أنواع التفاهات مُسَخَّرَة . بعد وصلة دامت نصف ساعة أبدع خلالها الفنان تيسير عقلة ما سحر به ألْبَاب الحاضرين بمعزوفات تخلَّلتها فقرات العزف المنفرد الذي أظهر به أنه وريث أنغام أبي الحسن علي بن نافع الموصلي المُلقَّب بزرياب ، غادر المنصة المخصصة للأركسترا متوجهاً صوب الطاولة المُعدَّة لي بتوصية منه لنتناقش في أمور تتعلق بما كلفته إدارة الإذاعة والتلفزة بإعداد ألحان تصاحب برامج هامة يدشّن بها رئيس الجمهورية إخبار الشعب بسلسلة إصلاحات جوهرية ، لحد اللحظة لا يعرف عنها شيئا ، ملمّحاً لي ، وهو يلتفت شمالاً ويميناً ، أنني كُلِّفتُ بتأليف نصوص تلك البرامج والإشراف على تسجيلها ، عَلِمَ بذلك والمدير يتحدث هاتفيا بحضوره مع وزير الإعلام ناطقاً باسم مصطفى منيغ المنكب على إعداد مثل العمل الضخم ، ظناً أنه لا يعرفني ، أو تجاهل وجوده ، أو شيئا من هذا القبيل ، تعمَدتُ تغيير الموضوع بالحديث عن “الحاج محمد العنقةّ” المشتغل في نفس الملهى ، المنهمك في تلك الآونة على أداء أغاني من الفن الشعبي الجزائري الأصيل العتيق ، الذي صراحة لا يليق ترديد قطعه الشهيرة في مثل المكان المتصاعد منه ضوضاء المتجرعين كؤوس صَهْباء الحسن بن هانئ.
… بغتة أقترب مني شخص أعرفه موظفاً بالإذاعة المذكورة ليخبرني أن الأديب العالمي “كاتب ياسين” يرغب في مقابلتي لأمر هام غداً مساء إن أمكن، سينتظرني قرب مدخل المؤسسة في منتصف النهار تماماً ، طمأنته عن حضوري في الموعد المُحدَّد . هنا تيقنتُ أن جهاز المخابرات ورائي تتقصَّى أخباري وتحركاتي أولا بأول ، وأن حلقة أخرى مُضافة لسلسلة تجرني لآخذ الحيطة أزيد فأكثر، وعليّ بتحديد ساعة الصفر للحدث المشهود من ذاك الفجر ، وخيوطه بدت تتسرَّب من علياء ميناء “لامدراغ” الذي توجهنا إليه نحن الثلاثة (العبد لله والحاج العنقة وتيسير عقلة) للتمتُّع بأكل السمك المشوي في وسط خاص ببحارة ، اغتنمتُ الفرصة لأسمع لتوضيحات أحدهم ، اتخذتُها أثمن معلومات حصلتُ عليها بسهولة ما كنت أتصورها أبداً.
ينتظرني وجدته بمدخل المؤسسة ، فطلب مني مرافقته إلى البيت ، لأستمع إليه بإمعانٍ يقول : “حدثوني بما يملكون عنكَ من معلومات ، ومع ذلك لم أقرِّر مقابلتكَ حتى استمع (على انفراد) التسجيلات الكاملة لمسلسلكَ “الشيطان” وأخيراً اقتنعتُ أنَّني وجدتُ المدخل الرئيسي لإنجاز ما كُلِّفتُ به على الوجه الأكمل المُتَّجه صوب ضمان عالمية انتشاره وإن اعتمد اللغة العربية كنص . حتى أضعكَ أستاذ مصطفى منيغ في الصورة بكامل التفاصيل أبدأ من البداية ، لقد اتصل بي صديقي العزيز وزير العمل “المعزوزي” وطلب مني الإشراف الفعلي على عملٍ مسرحي ضخم أطلقَ عليه الرئيس “هواري بومدين” شخصياً عنوان “المسيرة الحمراء” لمواجهة مسيرة الملك الحسن الثاني الخضراء إعلامياً ، بوسائل تعبيرية تجزم أن الجزائر في رفضها محاولة المغرب الهجوم واحتلال الصحراء الغربية على حق والمغرب على باطل ، طبعاً في سياق حكاية خارجة عن المعتاد ، تُؤرِّخ بحرية مزج الإحداث بالمناسب من المواقف المعارضة المقصودة سياسيا لنصرة الطَّرح الجزائري ، المبني على رؤية السيد الرئيس في جعل تلك المنطقة الخاضعة للنفوذ الاسباني ، بين يدي أصدقاء الجزائر الصحراويين ، الراغبين في تأسيس دولة خاصة بهم ، تكون على وفاقٍ تامٍ مع الجزائر مهما كانت المجالات ، في إطارٍ من التَّدبير المشترك ، المُنتهي أجلاً أو عاجلا ً بوحدة الطرفين (الجزائري / الصحراوي) لصالح المنطقة . تعلم صديقي منيغ أنني لا أتقن العربية ، حتى كلامي معكَ في مجمله يتمّ بالفرنسية ، لذا المطلوب منكَ كتابة النص باللغة العربية ، بتقنية الحوار المسرحي الذي لك فيه ما تُبدع بشهادة الكثير من الإخوة المهتمين بفن التمثيل والإخراج المسرحي ، طبعاً سأزوّدكَ ببعض الأفكار ، خاصة ما يجسِّم منها الرَّغبة الجزائرية الرسمية بإبراز أحقية الجزائر في إبطال طموح الملك المغربي المندفع لوضع يده على بقعة أرضية إستراتيجية الموقع ، بهدف قطع الطريق على طموحات الدولة الجزائرية مستقبلاً ، وما تسعى إليه من توحيد أجزاء محورها الجزائر العظيمة القوية الغنية ، فما رأيك؟ . أجبته بكلمات أربعة وحرفين:”سأفكِّر في الموضوع وأردُّ عليك . حاول إبقائي لسماع أي تعليق عمَّا ذكره ، لكنني اعتذرتُ عن تلبية ما يريد ، بل طلبتُ منه السماح بالانصراف لموعدٍ المفروض أن احترمه مع مدير الإذاعة والتلفزة الجزائرية بعد نصف ساعة من تلك اللحظة .
… كنتُ قاسياً جداً مع “كاتب ياسين” بذاك التصرُّف الجاف ، حتى لا يظن أنني سهل المنال ، متسامح مع أي محاولة تعكِّر لي البال ، حينما أُخَاطَبُ من بُرجٍ ممَّن بصوته المتعجرف عليَّ أطَلّ ، داخل بيت شممتُ فيه رائحة التسجيل عن بُعد وسمعتُ وَقْعَ أصواتِ أزرارٍ حالما تُضْغَطُ بأنامل أصحابها غابت عليهم ، أنّ وضعية المسافة الضيّقة المدى ، تقرب إحساس المَعْنِي داخلها ، بما يُبْذَل في الخفاء لغير صالحه ، لهذا أراد “كاتب ياسين” ان يتمَّ اللّقاء بيننا في بيته وليس في أيّ قاعة من قاعات المؤسسة المتاحة لنا نحن الاثنين . ما طَرَحَهُ عليَّ يُبْقِي إقامتي في الجزائر محفوفة بمخاطر لا حصر لها ، من جوانب لا تغيب عن الساكن في كيانه عشق المغرب / الوطن ، حقيقة كنتُ قي مستوى مواجهة جهاز المخابرات الجزائرية الراغب بأكثر من طريقة الالتفاف حول أهمّ رغباتي قبل اختياراتي ليستعدَّ مُسبقاً ، متى وقعتُ في الفَخَّ استفاد من إقناع الرئاسة بصدقية شكوكه في أمري ، منذ الآونة التي حقَّقتُ فيها ، وبسرعة فائقة ، أن أكون رقماً في معادلة النشاط الفكري الجزائري بمجمله ، خاصة في الوسط الإعلامي ومركزه الرسمي ، هذا من جهة أما الثانية تتلخص في أمرين إحداهما الامتثال المُقارن بالدليل لما يُطلبُ مني مباشرة أو بوسائل غير مباشرة ، يصبّ في الانحياز التام للطرح الجزائري ضمن إطار تخصصي المهني ، وثانيهما بيع مبادئي ، والتزاماتي مع ضميري ، فلانسجام المادي ما دامت السياسة المتَّبعة في ذاك المقام / الدولة بغير روح تُحَرِّكُ وتتحرَّكُ بمُفَاعِلٍ طاقته الوحيدة عبيد نظام منتظم على كلمة صادرة من رئيس وكفى ، ومع الوضعيتين الاثنتين أكونُ خاسراً نفسي أولاً، وجنسيتي ثانياً، ومقامي المتدحرج سيكون لمستنقع يبلع مَنْ وسطه يَقَع، بالنسبة للجزائريين المتيقنين أن الخائن وطنه خائن لأوطان غَيره، فالأحسن اتِّقاء شرِّه.
(الصورة : الهواري بومدين رفقة جمال عبد الناصر)
مصطفى منيغ
Mustapha Mounirh
212770222634
aladalamm@yahoo.fr
https://assafir-mm.blogspot.com
https://risallati.blogspot.com
منبر العراق الحر منبر العراق الحر