الموقف الأميركي من حصر السلاح ومستقبل الشراكة مع العراق …الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :…..باحث في الشأن السياسي والإستراتيجي.,,,,

التقرير الاستراتيجي رقم (51): «تعهد 30 أيلول»,,,4 تشرين الاول / اكتوبر 2026

الملخص التنفيذي

يتجه الموقف الأميركي من تعهد 30 أيلول إلى معادلة واضحة: دعم سياسي وثقة بالحكومة العراقية، مقابل تنفيذ مرحلي قابل للقياس لحصر السلاح بيد الدولة، مع ربط التقدم في هذا الملف بمستقبل الشراكة الأمنية والاقتصادية والمالية بين بغداد وواشنطن. وتمنح المهلة الممتدة حتى منتصف 2027 العراق مساحة للتنفيذ، لكنها تحوّل الأشهر المقبلة إلى اختبار سيادي مباشر: هل تستطيع الدولة تحويل التعهد السياسي إلى احتكار فعلي لقرار السلاح والحرب؟.

المقدمة

يشهد المسار الدبلوماسي والأمني بين بغداد وواشنطن تحولاً مهماً بالتزامن مع التفاهمات الجارية حول إنهاء مهمة التحالف الدولي. وفي هذا السياق، حظي التعهد الذي قدمه رئيس مجلس الوزراء العراقي، السيد علي فالح الزيدي، والمتمثل في حصر السلاح بيد الدولة، بتأييد ودعم ملحوظين من الإدارة الأميركية ووزارة الخارجية. ويعرض هذا التقرير الاستراتيجي الموقف الأميركي في 15 بنداً أساسياً تم تبويبها وتنسيقها لتوضيح الأبعاد السياسية والأمنية والاقتصادية لهذا التعهد وتداعياته على مستقبل الشراكة بين بغداد وواشنطن.

أولاً: الإطار الزمني والالتزام السياسي

  • 1. التأكيد الرسمي على التزام الزيدي: أكد وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، دعم واشنطن المطلق للحكومة العراقية، مشدداً على أن الولايات المتحدة لا يساورها أدنى شك في جدية والتزام رئيس الوزراء علي الزيدي بتنفيذ تعهد حصر السلاح في إطار تعزيز سيادة الدولة.
  • 2. الإقرار بالإنجاز الميداني الأولي: تضمنت التصريحات الرسمية لوزير الخارجية ماركو روبيو تقييماً ميدانياً إيجابياً، حيث أعلن رسمياً أن “الزيدي حقق إنجازاً ملموساً بالفعل، لكون 3 فصائل مسلحة وافقت وسلمت سلاحها وانضمت للحكومة”، مشيراً إلى أن العقبة المتبقية تكمن في فصيل أو اثنين فقط يرفضان الامتثال حتى الآن.
  • 3. قبول تمديد مهلة 30 سبتمبر: على الرغم من أن التعهد الأولي كان يرتبط بجدول الانسحاب في 30 سبتمبر 2026، إلا أن الخارجية الأمريكية أبدت مرونة رسمية وقبلت بالخطة المرحلية المعدلة التي تقدم بها الزيدي لتمديد المهلة النهائية لإتمام التفكيك والدمج الكامل حتى نهاية يونيو 2027.
  • 4. اعتماد الخطة المرحلية الممددة: حظيت المقترحات العراقية بقبول المبعوث الرئاسي الخاص توم باراك، والتي تبدأ بمهلة تهدئة أولية مدتها 90 يوماً (تمتنع فيها الفصائل عن الهجمات مقابل وقف الضربات الأمريكية ). تليها مراحل تسليم الأسلحة والدمج التدريجي في مؤسسات الدولة.
  • 5. التحذير من مخاطر الفشل السيادي: بموازاة الدعم، نقلت الأوساط الدبلوماسية تحذيرات صريحة من الوزير ماركو روبيو بأن الفشل في تفكيك الفصائل ونزع سلاحها يهدد بوضع العراق أمام مخاطر انقسام داخلي حاد (البلقنة)، مما يجعل حصر السلاح شرطاً أساسياً لاستقرار العلاقات المستقبلية بعد 30 سبتمبر .

وبذلك تحوّل 30 أيلول من موعد نهائي جامد إلى نقطة قياس أولى، فيما أصبح منتصف 2027 سقفاً تنفيذياً مشروطاً بالتقدم الفعلي في التفكيك والدمج.

ثانياً: الشراكة الاقتصادية والسيادة القانونية

  • 6. ربط الشراكة الاقتصادية والنفطية بملف السلاح (إنذار الدولار): أكدت وزارة الخارجية الأميركية أن مستقبل الشراكة الاقتصادية والنفطية الشاملة، بما في ذلك تسهيل التحويلات المالية بالدولار بين واشنطن وبغداد، مرتبط مباشرة بمدى تقدم الحكومة العراقية في تفكيك الميليشيات وحصر السلاح بيد الدولة. وأوضحت واشنطن أن ملفي «السلاح والنفط» يمثلان ركيزتين أساسيتين في صياغة العلاقة الثنائية خلال المرحلة المقبلة، بما يجعل التقدم في ملف السلاح عاملاً مؤثراً في مستقبل التعاون الاقتصادي والمالي بين البلدين.
  • 7. شرط السيادة الكاملة ومنع استخدام الأراضي العراقية للاعتداء: أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، في بيانها الصادر عقب لقاء الوزير ماركو روبيو برئيس الوزراء علي الزيدي في نيويورك، أن الطرفين «اتفقا على أهمية تفكيك الميليشيات الإرهابية، ومنع الهجمات المنطلقة من الأراضي العراقية، وممارسة العراق لسيادته الكاملة». ويضع هذا الموقف ملف السيادة وحصر السلاح في صلب البيئة المطلوبة لاستمرار تدفق الاستثمارات وحماية مذكرات التفاهم الاقتصادية الـ48 الموقعة مع الشركات الأميركية. وجاءت هذه اللهجة الحازمة رداً على اتهامات مباشرة ومسمّاة أعلنها وزير الخارجية الأميركي بحق فصائل عراقية بالمشاركة في هجمات استهدفت بنى الطاقة والنفط في المنطقة، ومنها خطوط الأنابيب السعودية.
  • 8. تنظيم الوجود العسكري الأجنبي عبر القنوات الدبلوماسية: أيدت واشنطن الإجراءات التنظيمية العراقية الجديدة التي تشترط حصول أي مستشار أو مسؤول عسكري أجنبي على تأشيرة دخول رسمية ومسبقة، وذلك لإنهاء أي ذريعة لوجود قوى مسلحة موازية خارج النطاق الدبلوماسي والقانوني للدولة.
  • 9. إتمام الإخلاء الفعلي لقاعدة “الحرير” في أربيل: بالتوازي مع مفاوضات حصر السلاح، تؤكد الإدارة الأمريكية التزامها بالجدول الزمني عبر التنفيذ الميداني لعمليات إخلاء مراكز الدعم اللوجستي وشحن منظومات الدفاع الجوي والمعدات من قاعدة الحرير، مع إعادة تموضع مئات الجنود إلى دول الجوار (كالأردن والكويت)، تمهيداً لبناء علاقة أمنية ثنائية طبيعية جديدة مع الحكومة الاتحادية بعد انتهاء مهام التحالف الدولي.

وبذلك لم يعد ملف حصر السلاح شأناً أمنياً داخلياً منفصلاً، بل أصبح جزءاً مباشراً من معادلة السيادة والاستثمار والدولار ومستقبل الشراكة الاقتصادية مع واشنطن. فكلما تقدمت بغداد في بسط سلطة الدولة، اتسعت أمامها مساحة الشراكة؛ وكلما بقي السلاح خارجها، ارتفعت كلفة العلاقة سياسياً ومالياً.

ثالثاً: الآليات القانونية والهيكلية للتفكيك

  • 10. اشتراط التفكيك الشامل والنهائي: أبلغت الخارجية الأمريكية الجانب العراقي رسمياً برفضها لمبدأ “تجميد الأنشطة”؛ حيث نصت الرؤية الأمريكية على وجوب أن يكون التفكيك كاملاً، نهائياً، وغير قابل للتراجع عنه (Comprehensive and Irreversible).
  • 11. الدمج الفردي لا الكتلي: شددت البنود الرسمية على أن دمج عناصر الفصائل المسلحة في الأجهزة الأمنية الرسمية يجب أن يتم بناءً على معايير وقوانين الخدمة بشكل فردي، وليس ككتل أو وحدات مسلحة مستقلة تحافظ على تماسكها الفصائلي داخل مؤسسات الدولة.
  • 12. التعامل مع البيشمركة كقوة نظامية شرعية: أوضح المبعوث الرئاسي توم باراك محددات الموقف الأميركي بالتأكيد أن «الولايات المتحدة تتعامل مع دول وحكومات شرعية وليس مع ميليشيات». ويعني ذلك أن القوات النظامية التابعة للمؤسسات الرسمية في إقليم كردستان، ومنها قوات البيشمركة المدمجة ضمن الأطر المؤسسية المعترف بها، تقع خارج تصنيف الفصائل المسلحة المستهدفة بالتفكيك ونزع السلاح، ما دام سلاحها مرتبطاً ببنية رسمية وخاضعاً للسلطات الدستورية المختصة.
  • 13. شمولية القرار الجغرافي الموحد: أكدت واشنطن على ضرورة تطبيق إجراءات حصر السلاح وبسط سلطة القانون على كامل الأراضي العراقية دون أي استثناء جغرافي أو سياسي، لضمان الامتثال التام للمؤسسات الاتحادية.
  • 14. تفعيل آلية المراقبة المشتركة لخطة الـ 90 يوماً: تم الاتفاق على تشكيل لجنة أمنية وفنية مشتركة لمراقبة فترة التهدئة الأولى، حيث تنظر واشنطن إلى هذه الأيام التسعين بوصفها “الاختبار الحقيقي والعملي” لجدية الأطراف قبل الانتقال لمراحل تسليم السلاح المتوسط والثقيل.
  • 15. الحصرية الدستورية للسلاح وقرار الحرب: أكدت واشنطن أن تطبيق حصر السلاح يجب أن يستند إلى مبدأ دستوري واضح يقوم على أن السياسة الأمنية والدفاعية وقرار الحرب والسلم من اختصاص المؤسسات الاتحادية المختصة، وأن تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة أمر محظور. وبذلك لا يقتصر حصر السلاح على البعد الأمني، بل يصبح استحقاقاً دستورياً ينفي أي سند قانوني لاحتفاظ جماعة مسلحة بقرار مستقل في استخدام القوة خارج سلطة الدولة.

وبذلك يتحول حصر السلاح من إجراء أمني محدود إلى إعادة بناء للعلاقة بين القوة والدولة، بحيث تصبح مؤسساتها وحدها صاحبة القرار في السلاح والحرب والسلم. وعند هذه النقطة تحديداً يُقاس نجاح التعهد: ليس بعدد الأسلحة المسلّمة فقط، بل بإنهاء أي مركز قرار مسلح موازٍ للدولة.

الخاتمة

يكشف مسار «تعهد 30 أيلول» أن ملف حصر السلاح لم يعد شأناً أمنياً داخلياً منفصلاً، بل أصبح معياراً تُقاس به سيادة الدولة العراقية وفاعلية مؤسساتها ومستقبل علاقتها السياسية والاقتصادية والأمنية مع واشنطن. فالدعم الأميركي للحكومة، والثقة المعلنة برئيس الوزراء علي الزيدي، والإشادة بالخطوات الأولية التي شملت نزع سلاح ثلاثة فصائل، إلى جانب المرونة في الجداول الزمنية والقبول بالتنفيذ المرحلي حتى منتصف 2027، لا تغيّر جوهر المعادلة: أن يكون قرار السلاح والحرب والسلم بيد الدولة وحدها، وأن تتحول التعهدات السياسية إلى بنية مؤسساتية لا تسمح بعودة مراكز القوة الموازية.

ولا تقف التداعيات عند حدود الملف الأمني؛ إذ تمتد إلى الاستثمار والنفط والدولار وحماية المصالح ومستقبل الشراكة مع الولايات المتحدة. وهكذا يصبح نجاح بغداد في تحويل البنود الخمسة عشر إلى واقع ميداني أكثر من استجابة لمطلب خارجي؛ إنه اختبار لقدرتها على تحويل السيادة من نص دستوري إلى ممارسة فعلية.

فالاختبار الحقيقي بعد 30 أيلول ليس كم قطعة سلاح سُلّمت، بل من يملك القرار النهائي باستخدام القوة داخل العراق. وإذا أصبحت الإجابة: الدولة وحدها، يكون التعهد قد تحول من موعد سياسي إلى بداية مرحلة سيادية جديدة.

اترك رد