منبر العراق الحر :
قال الله تعالى:
﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ المائدة: 27.
لم يكن الحسد وليد عصر حديث، ولا الحقد والكراهية من الظواهر التي أفرزتها تعقيدات الحياة المعاصرة، بل هي آفات ضاربة في أعماق النفس البشرية منذ فجر الخليقة. ولعل أولى صورها وأشدها مأساوية كانت قصتها مع ابني آدم، عليه السلام، هابيل وقابيل، حين دفع الحسد أحدهما إلى قتل أخيه، في حادثة جسدت كيف يمكن للغيرة أن تتحول إلى حقد أعمى، وإلى ارتكاب أبشع الجرائم بحق أقرب الناس إليه.
وثانيها قصة النبي يوسف عليه السلام اذ تجسدت أبشع صور الحقد والحسد في قصة ، حين تآمر إخوته عليه، وهموا بقتله، ثم ألقوه في غيابة الجب، قبل أن يُباع بثمن بخس؛ وكل ذلك بدافع الغيرة والحسد. إنها قصة ثانيه ذكرت في القران تختصر كيف يمكن للحقد أن يعمي البصائر، ويدفع أقرب الناس إلى الظلم، وكيف قد يُحارب الإنسان لا لذنب اقترفه، بل لما يمتلكه من مكانة ومحبة وتميز .
ومنذ ذلك الحين، ظلت محاربة الناجحين والذين يمتلكون مكانه في قلوب الناس ظاهرة تتكرر بأشكال وأساليب مختلفة، وإن اختلفت الأزمنة وتبدلت الوجوه. فهناك من لا يرى في نجاح الآخرين مصدر إلهام يدفعه إلى التطور والمنافسة الشريفة، بل يعده تهديداً لمكانته، فيسعى إلى تشويه صورتهم، وتخوينهم وتسقيطهم في المجتمع، ووضع العراقيل أمام مسيرتهم، بل يصل الحال الى تصفيتهم ، لا لشيء سوى أنه لم يستطع تقبل تفوقهم ونجاحهم.
المؤلم أن بعض الناجحين لا يحاربون بسبب أخطاء ارتكبوها، أو تجاوزات اقترفوها، بل لأنهم نجحوا، ولأن حضورهم أصبح لافتاً، وإنجازاتهم باتت واضحة، وملكو مكانه في المجتمع ومكانتهم أخذت تتقدم. وهنا يتحول الحسد من شعور خفي في النفس إلى سلوك عدائي تتعدد مظاهره، من الطعن والتشويه وبث الشائعات.
والأكثر إيلاماً في هذه القصه أن تأتي هذه الممارسات من أقرب الناس، ممن يرفعون شعارات وحدة الطريق والعقيدة والموقف، ويتحدثون عن أنهم يسيرون في نهج واحد، ويبحرون في مركب واحد، تجمعهم المبادئ وتوحدهم الغايات. لكن، وللأسف، يبدو أن الحسد والحقد قد تسللا إلى النفوس، حتى تمكن من أشخاص عُرفوا يوماً ببعد النظر، ورجاحة العقل، وامتلاك البصيرة، ولهم تاريخ ومواقف كان يفترض أن تكون حصناً يحميهم من الانجرار وراء الأهواء الشخصية.
لقد أصبح البعض، تحت وطأة الغيرة والحسابات الضيقة، ينظر إلى نجاح شريكه في الطريق على أنه تهديد لمكانته، بدلاً من أن يراه مكسباً للجميع، وكأن المصالح الشخصية باتت تتقدم على وحدة الصف، وأصبحت الرغبة في إضعاف الآخر تتغلب على مقتضيات التكاتف والتضامن.
وهنا تكمن الخطورة؛ حين تتحول الخلافات من اختلاف في الرأي إلى خصومة تحكمها الأحقاد، وتدار بمنطق الإقصاء والتشكيك، فينسى أصحابها ما جمعهم من مبادئ، وما قطعوه من عهود، وما آمنوا به من قيم، متناسين أن الحسد لا يهدم إلا صاحبه، وأن الحقد لا يصنع مجداً، وأن محاربة القريب لا تمنح المرء رفعة، بل تكشف مقدار ما تسلل إلى نفسه من ضيق وانشغال بالآخرين.
نعم، أيها الإخوة، إنها حكاية قديمة تتكرر في كل زمان ومكان؛ حكاية النفوس التي ترى في سقوط الآخرين انتصاراً لها، وتظن أن إطفاء نور الناجحين سيمنحها بريقاً، متناسية أن نجاح الإنسان لا ينتقص من قيمة غيره، وأن أبواب الإنجاز لا تُفتح بالحقد، ولا تُبلغ الغايات بمحاربة أصحاب الهمم. فالنجاح لا ينبغي أن يكون سبباً للعداء، بل دافعاً للتنافس الشريف، والتعاون، والارتقاء. ومن يجمعه بالآخرين طريق واحد وعقيدة واحدة ومبادئ مشتركة، أولى به أن يحفظ وحدة الصف، وأن يجعل نجاح شريكه في الطريق مصدر قوة للجميع، لا ذريعة لمحاربته وإضعافه.
لله دركم، يا من صبرتم على أذى الحاسدين، وتحملتم سهام الحقد والتشكيك، ومضيتم بثباتٍ لا تهزكم حملات الإساءة، ولا تنال من عزيمتهم . فالكبار لا تزيدهم الأحقاد إلا إصراراً
منبر العراق الحر منبر العراق الحر