منبر العراق الحر :…باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي…
المشروع الاستراتيجي: «من يملك السيادة؟»
التقرير الاستراتيجي رقم (57) / 6 :
«اقتصاد حكومي… واقتصاد ثوري-شبه حكومي داخل الدولة نفسها»
11 تشرين الأول / أكتوبر 2026
إذا كانت السياسة الخارجية والأمن القومي تكشف لنا من يملك القرار الاستراتيجي، فإن الاقتصاد يكشف لنا شيئًا لا يقل أهمية:
من يملك الموارد التي تجعل ذلك القرار قابلًا للاستمرار؟
وهنا تظهر الدولة المزدوجة الإيرانية بأوضح صورها تقريبًا؛ لأن إيران لا تمتلك فقط اقتصادًا حكوميًا تديره الوزارات والمؤسسات العامة، بل تمتلك إلى جانبه قطاعًا واسعًا من المؤسسات شبه الحكومية والعقائدية والعسكرية والخيرية التي تعمل اقتصاديًا، بعضها تحت إشراف مؤسسات مرتبطة مباشرة بالمرشد أو بالحرس الثوري، وبعضها خارج الرقابة الحكومية التقليدية أو على هامشها.
وهذا لا يعني وجود «اقتصادين منفصلين»؛ بل يعني وجود طبقات ملكية وسلطة اقتصادية متداخلة.
1. الطبقة الأولى: اقتصاد الدولة الرسمية
هذه هي الطبقة التقليدية التي نجدها في أي دولة:
♦️ الحكومة ووزارة الاقتصاد والمالية.
♦️ البنك المركزي.
♦️ وزارة النفط.
♦️ الشركات الحكومية الكبرى.
♦️ الموازنة العامة.
♦️ النظام المصرفي الرسمي.
♦️ الضرائب والجمارك.
♦️ مؤسسات التخطيط والتنمية.
والاقتصاد الإيراني، رغم تنوعه النسبي مقارنة بدول نفطية أخرى، ما يزال يحمل حضورًا كبيرًا للدولة، خصوصًا في النفط والغاز والصناعة والتمويل. البنك الدولي نفسه يصف الاقتصاد الإيراني بأن فيه حضورًا ملحوظًا للدولة في التصنيع والخدمات المالية مع استمرار الاعتماد الكبير على الإيرادات الهيدروكربونية.
إذن الاقتصاد الرسمي ليس هامشيًا ولا شكليًا.
الحكومة تدير موازنة ضخمة وتدير الرواتب والدعم والخدمات والطاقة والسياسة النقدية والمالية.
لكنها لا تملك وحدها كامل القوة الاقتصادية الموجودة داخل النظام.
وهنا تبدأ الطبقة الثانية.
2. الطبقة الثانية: «البُنياد» – الاقتصاد العقائدي شبه الحكومي
«البُنياد»Bonyads من أكثر المؤسسات ضرورة لفهم الاقتصاد الإيراني.
نشأت أو توسعت بعد ثورة 1979 عبر نقل أصول واسعة إليها، خصوصًا ممتلكات صودرت بعد الثورة، وأُنشئت رسميًا لأغراض اجتماعية وخيرية: رعاية الفقراء، عوائل الشهداء، الجرحى، ومشروعات التنمية.
لكنها بمرور الوقت تحولت أيضًا إلى تكتلات اقتصادية ضخمة تعمل في الصناعة والزراعة والعقارات والسياحة والتجارة والخدمات والتمويل.
صندوق النقد والبنك الدولي وثّقا منذ سنوات أن الحدود بين القطاع العام والخاص في إيران ضبابية، وأن البُنياد تمثل مؤسسات ذات دور اجتماعي وتجاري في الوقت نفسه، وبعض كبرياتها تقع تحت إشراف القيادة العليا.
وهنا تكمن خصوصيتها:
هي ليست وزارة، وليست شركة خاصة، وليست جمعية خيرية بالمفهوم التقليدي.
إنها نوع ثالث من الملكية.
وهذا النوع الثالث مهم جدًا في الدولة المزدوجة.
3. أهم هذه المؤسسات:
«مؤسسة المستضعفين» و«ستاد» و «آستان قدس»
من أبرز المؤسسات:
«بنياد مستضعفان» — مؤسسة المستضعفين.
ولها مصالح تجارية في قطاعات متعددة.
وكذلك:
«ستاد تنفيذ فرمان الإمام» — EIKO/Setad.
وهي مؤسسة مرتبطة بمكتب القيادة وتطورت إلى شبكة أصول وشركات كبيرة.
وكذلك:
«آستان قدس رضوي»، المرتبطة بإدارة ضريح الإمام الرضا في مشهد، والتي بنت مع الزمن مصالح اقتصادية واسعة.
وزارة الخزانة الأميركية تصف EIKO وآستان قدس ومؤسسة المستضعفين بأنها مؤسسات اقتصادية كبرى تقع ضمن شبكة مرتبطة بالقيادة الإيرانية. لكن ينبغي التعامل مع التقديرات الخاصة بحجم ما «تسيطر عليه» هذه المؤسسات بحذر شديد، لأن الشفافية محدودة والتعريفات تختلف بين الملكية المباشرة والنفوذ والإدارة.
وهنا نثبت قاعدة مهمة:
الأرقام الدقيقة لحصة «اقتصاد المرشد» أو «اقتصاد الحرس» في الناتج الإيراني ليست قابلة للقياس بثقة كاملة.
ولذلك لن نعتمد الأرقام الشعبية من نوع «يسيطرون على نصف الاقتصاد» إلا إذا قلنا بوضوح إنها تقديرات أو ادعاءات مصدر معين.
4. الطبقة الثالثة: الحرس الثوري يدخل الاقتصاد
هذه واحدة من أهم التحولات التاريخية.
الحرس الثوري لم يُنشأ أصلًا ليكون مؤسسة اقتصادية.
لكن بعد الحرب العراقية–الإيرانية، كانت إيران أمام عملية إعادة إعمار ضخمة، وكان الحرس يمتلك:
◾️ المهندسين،
◾️ الآليات،
◾️ الكوادر،
◾️ والتنظيم.
فدخل مجال إعادة الإعمار.
ومن هناك بدأ التحول.
أبرز أذرعه الاقتصادية أصبح:
«مقر خاتم الأنبياء للإعمار»
Khatam al-Anbiya Construction Headquarters
وهو مجمع هندسي وإنشائي ضخم مرتبط بالحرس.
نشاطاته توسعت من الطرق والجسور والسدود والأنفاق إلى:
♦️ النفط والغاز.
♦️ البتروكيماويات.
♦️ خطوط الأنابيب.
♦️ الموانئ.
♦️ البنية التحتية.
♦️ التعدين.
♦️ مشروعات استراتيجية ضخمة.
المصادر الأميركية وIran Primer توثق أن خاتم الأنبياء أصبح الذراع الهندسية والاقتصادية الأبرز للحرس، وأن الحكومة منحت شركات مرتبطة به عقودًا كبيرة في الطاقة والبنية التحتية.
5. لماذا سمحت الدولة للحرس بأن يتحول إلى قوة اقتصادية؟
هنا يجب ألا نقف عند تفسير «الفساد» فقط؛ لأن ذلك لا يشرح الظاهرة.
هناك منطق مؤسساتي.
بعد الحرب احتاجت الدولة إلى قوة قادرة على إعادة البناء.
ثم جاءت العقوبات.
انسحبت شركات أجنبية أو أصبح دخولها أكثر صعوبة.
وهنا امتلك الحرس ميزة نسبية:
هو مؤسسة محلية ضخمة، لديها المال والمهندسون والحماية السياسية والقدرة على العمل في القطاعات الاستراتيجية.
وفي بعض الحالات، عندما كان الاستثمار الأجنبي أو الشركات الدولية تنسحب نتيجة العقوبات، كانت الشركات التابعة للحرس تملأ الفراغ. مصادر الخزانة الأميركية نفسها أشارت تاريخيًا إلى إحالة مشروعات كبيرة في الطاقة والنقل إلى خاتم الأنبياء عندما أصبحت البدائل الأجنبية أصعب.
وهنا تظهر أول مفارقة عميقة:
العقوبات التي استهدفت إضعاف الدولة الإيرانية ساهمت في بعض المراحل في زيادة اعتماد الدولة على المؤسسات الأكثر ارتباطًا بالنظام والحرس.
هذه نقطة مهمة جدًا.
6. اقتصاد العقوبات: حين تصبح العزلة مدرسة اقتصادية
مع اتساع العقوبات، احتاجت إيران إلى منظومات جديدة لـ:
♦️ بيع النفط.
♦️ نقل الأموال.
♦️ الحصول على العملات الصعبة.
♦️ شراء التكنولوجيا والمعدات.
♦️ استخدام شركات وسيطة.
♦️ الالتفاف على القيود المصرفية.
♦️ تغيير ملكية السفن والأوراق والشحنات.
♦️ استخدام أسواق وأدوات مالية غير تقليدية.
وبمرور الوقت تشكل ما يمكن أن نسميه:
«اقتصاد الخبرة بالعقوبات».
وهنا أصبحت الجهات الأكثر خبرة بالعمل خارج القنوات الدولية التقليدية أكثر أهمية داخل النظام.
وزارة الخزانة الأميركية ما زالت حتى 2026 تستهدف شبكات تصفها بأنها مرتبطة بالحرس في مبيعات النفط والتمويل والشراء الخارجي، بما في ذلك شركات واجهة وشبكات تحويل مالية خارج إيران.
بل إن تحقيقات حديثة أظهرت استخدام أدوات مالية ورقمية وشبكات معقدة للالتفاف على القيود الدولية.
وهنا توجد مفارقة ثانية:
العقوبة تضعف الاقتصاد الوطني، لكنها قد تزيد القوة النسبية لمن يجيد العمل داخل اقتصاد العقوبات.
والقطاع الخاص العادي غالبًا لا يمتلك تلك القدرة.
7. «الخصخصة»… التي لم تنتج دائمًا قطاعًا خاصًا
هذه نقطة شديدة الأهمية.
إيران حاولت في مراحل مختلفة توسيع الخصخصة وتقليص دور الدولة المباشر. لكن جزءًا من الأصول الحكومية لم ينتقل بالضرورة إلى رأسمالية خاصة مستقلة، وإنما انتقل إلى:
♦️ مؤسسات شبه حكومية،
♦️ صناديق تقاعد،
♦️ بُنياد،
♦️ تعاونيات مرتبطة بمؤسسات عسكرية،
♦️ وشركات مرتبطة بشبكات نفوذ.
ولهذا يستخدم الباحثون أحيانًا تعبير:
شبه الدولة أو Semi-state sector.
وتشير دراسات متخصصة عن دور المؤسسات العسكرية في الاقتصاد الإيراني تشير إلى علاقات واسعة بين القطاع العسكري والقطاع شبه الحكومي، وإلى أن «الخصخصة» وفرت ، في بعض الحالات، فرصًا لتوسع التعاونيات والمؤسسات المرتبطة بالحرس بدل خلق سوق خاصة مستقلة بالمعنى التقليدي.
وهنا يصبح لدينا نموذج ثالث:
ليس:
دولة → قطاع خاص.
بل أحيانًا:
دولة → قطاع شبه حكومي مرتبط بشبكات النظام.
وهنا تتحول الخصخصة من أداة لتقليص الدولة إلى أداة لإعادة تشكيلها؛ فالأصل الذي يخرج من يد الوزارة لا يخرج بالضرورة من فضاء النظام، بل قد ينتقل إلى مؤسسة أقل خضوعًا للحكومة وأكثر ارتباطًا بمراكز القوة العقائدية أو العسكرية. وبذلك لا ينكمش نفوذ الدولة بقدر ما يُعاد توزيعه داخل بنيتها المزدوجة.
وبعبارة أكثر اختصارًا:
«الخصخصة في بعض الحالات لم تفصل الاقتصاد عن الدولة، بل فصلته عن الحكومة».
8. القطاع الخاص الحقيقي: أين يقف؟
هو موجود، ولا يجوز إلغاؤه.
إيران لديها تجار وصناعيون وشركات خاصة ومؤسسات صغيرة ومتوسطة وطبقة تجارية عريقة.
لكن القطاع الخاص يواجه بيئة غير متساوية في بعض القطاعات؛ لأن منافسه قد يكون مؤسسة لها:
♦️ وصول أفضل إلى الدولة.
♦️ عقود حكومية ضخمة.
♦️ نفوذ سياسي.
♦️ قدرة أفضل على التعامل مع العقوبات.
♦️ وصول إلى التمويل والعملات أو الموارد.
♦️ حماية مؤسساتية لا يمتلكها المستثمر العادي.
البنك الدولي وثّق تاريخيًا هذه المشكلة، مشيرًا إلى امتيازات للقطاع العام والبُنياد وإلى أثر ذلك في إضعاف تكافؤ الفرص أمام الشركات الخاصة.
وهنا تصبح المشكلة ليست مجرد «حجم الدولة»، بل:
عدم تكافؤ الملعب الاقتصادي.
9. النفط: قلب الدولة الرسمية وهدف الاقتصاد الموازي
النفط والغاز يظلان شريانًا رئيسيًا للدولة الإيرانية.
وزارة النفط والشركة الوطنية الإيرانية للنفط ومؤسسات الدولة الرسمية تدير أساس الإنتاج والسياسة النفطية.
لكن الحرس والمؤسسات المرتبطة به دخلت أيضًا في:
♦️ الإنشاءات النفطية.
♦️ تطوير الحقول.
♦️ خطوط الأنابيب.
♦️ البتروكيماويات.
♦️ الخدمات الهندسية.
♦️ وفي ظل العقوبات، شبكات مرتبطة بالتجارة والشحن والتمويل.
في 2019 مثلًا أشارت الخزانة الأميركية إلى عقود كبيرة بين قطاع البتروكيماويات وخاتم الأنبياء، بينما استمرت خلال 2026 في استهداف شبكات قالت إنها تساعد الحرس على بيع النفط ونقل عائداته.
وهذا يعني أن النفط لا يمثل فقط مصدر دخل للحكومة.
إنه أيضًا حلقة وصل بين الاقتصاد الرسمي واقتصاد المؤسسات الأمنية.
10. لماذا الاقتصاد مهم لاستقلال المؤسسة الثورية؟
لو كان الحرس يعتمد بالكامل على الموازنة الحكومية السنوية، لبقيت قوته الاقتصادية والسياسية مرتبطة إلى حد بعيد بالحكومة.
لكن وجود شركات ومؤسسات اقتصادية مرتبطة به يخلق درجة من:
الاستقلال المالي المؤسسي.
ليس استقلالًا كاملًا عن الدولة، لكنه يقلل من الاعتماد الحصري على خزينة الحكومة.
وهنا تظهر قاعدة أساسية في الدولة المزدوجة:
القوة الموازية لا تصبح قوة مؤسساتية مستقرة ما لم تمتلك موردًا قابلًا للاستمرار.
ولذلك فإن الاقتصاد ليس ملحقًا بالحرس.
إنه جزء من بنية قوته.
11. اقتصاد القيادة: المورد الذي لا يمر كله عبر الحكومة
الأمر نفسه ينطبق بدرجات مختلفة على المؤسسات المرتبطة بالقيادة.
البُنياد وEIKO وآستان قدس وغيرها تمتلك أصولًا ومؤسسات وأنشطة واسعة لا تتطابق تمامًا مع حدود الموازنة الحكومية التقليدية.
وهنا تصبح مؤسسة المرشد ليست مجرد مركز ديني وسياسي.
فلديها أيضًا بيئة مؤسسات اقتصادية مرتبطة بها.
وهذا لا يعني أن كل أموال هذه المؤسسات تدخل مباشرة إلى مكتب المرشد أو تُصرف بأمر شخصي منه؛ هذه صياغة تبسيطية وغير دقيقة.
الأدق:
وجود قطاع واسع من المؤسسات الاقتصادية التي لا تخضع للحكومة التنفيذية بالطريقة نفسها التي تخضع بها الوزارات والشركات الحكومية التقليدية.
وهذا هو المهم مؤسساتيًا.
12. إذن ما شكل الاقتصاد الإيراني الحقيقي؟
يمكن تمثيله بخمس دوائر متداخلة:
◾️ الدائرة الأولى:
الدولة والحكومة والشركات العامة.
◾️ الدائرة الثانية:
المؤسسات المرتبطة بالقيادة والبُنياد.
◾️ الدائرة الثالثة:
الحرس والمؤسسات الاقتصادية والعسكرية المرتبطة به.
◾️ الدائرة الرابعة:
القطاع شبه الحكومي وصناديق التقاعد والتعاونيات وغيرها.
◾️ الدائرة الخامسة:
القطاع الخاص التقليدي.
والمشكلة أن الحدود بينها ليست دائمًا واضحة.
ولهذا فإن السؤال:
«كم يملك الحرس من الاقتصاد؟»
أقل فائدة من السؤال:
في أي القطاعات يستطيع الحرس أو
المؤسسات شبه الحكومية التأثير في السوق والعقود والموارد والقرار؟
هذا أكثر دقة.
13. الاقتصاد والسياسة يلتقيان
هنا نصل إلى منطقة شديدة الأهمية.
عندما تمتلك مؤسسة عسكرية مصالح في:
◾️ النفط،
◾️ الغاز،
◾️ الإنشاءات،
◾️ الموانئ،
◾️ الاتصالات،
◾️ النقل،
◾️ والتجارة،
فإن القرار الاقتصادي يصبح له بعد أمني.
وفي الاتجاه المعاكس، القرار الأمني يمكن أن تكون له نتائج اقتصادية على المؤسسات نفسها.
وهكذا يصبح من الصعب الفصل الكامل بين:
من يحمي النظام ومن يستفيد من الاقتصاد الذي يديره النظام.
وهنا تكمن إحدى أخطر مناطق الازدواجية.
14. هل للحرس مصلحة في استمرار العقوبات؟
هذه مسألة ينبغي التعامل معها بحذر شديد.
الجواب ليس ببساطة «نعم».
العقوبات تضر إيران كلها، وتضر حتى المؤسسات المرتبطة بالحرس في الوصول إلى التكنولوجيا ورأس المال والأسواق.
لكن في الوقت نفسه:
كلما أصبحت التجارة الدولية أصعب، ازداد وزن الجهات القادرة على الالتفاف عليها.
كلما خرج المستثمر الأجنبي، قد تزداد فرص المقاول المحلي الكبير.
كلما أصبح التمويل المصرفي الطبيعي أصعب، ازدادت قيمة الشبكات البديلة.
إذن:
العقوبات ليست مصلحة اقتصادية صافية للحرس، لكنها قد تمنحه ميزة نسبية داخل اقتصاد يعاقَب كله.
وهذه صياغة أدق بكثير.
والأحداث الاقتصادية حتى 2026 تؤكد أن العقوبات والحرب ألحقتا أضرارًا شديدة بالاقتصاد الإيراني الأوسع، بما في ذلك النفط والاستثمار ومستويات المعيشة. البنك الدولي يصف الاقتصاد الإيراني الحالي بأنه واقع تحت ضغوط متراكمة من النزاع والعقوبات ونقص الطاقة، بينما توثق رويترز ارتفاع الكلفة المعيشية وتراجع الدخل النفطي خلال الحرب الحالية.
15. التقييم المؤسساتي المحايد
أ. الجانب الإيجابي: أين تكمن قوة هذا النموذج اقتصاديًا؟
♦️ أولاً: قدرة على تعبئة الموارد سريعًا
عندما تحتاج الدولة إلى مشروع استراتيجي ضخم، تستطيع اللجوء إلى مؤسسات كبيرة مرتبطة بالنظام تمتلك رأس المال والمهندسين والقوة التنظيمية.
وهذا يقلل أحيانًا من بطء البيروقراطية التقليدية.
♦️ ثانيًا: الاحتفاظ بقدرات وطنية في ظروف العزلة
العقوبات أجبرت إيران على تطوير قدرات محلية في بعض القطاعات.
وجود تكتلات كبيرة محلية ساعد الدولة على الاستمرار في مشروعات كان تنفيذها سيعتمد، في ظروف أخرى، على الشركات الأجنبية.
♦️ ثالثًا: حماية النظام من الشلل المالي الكامل
تعدد قنوات الاقتصاد والتمويل يجعل استهداف مؤسسة واحدة أقل قدرة على تعطيل كامل النظام.
هناك الحكومة، والشركات العامة، والمؤسسات شبه الحكومية، وشبكات التجارة البديلة.
وهذا يوفر مرونة وصمودًا.
♦️ رابعًا: ربط القوة الاقتصادية بالقوة الاستراتيجية
الحرس لا يحتاج في كل مشروع استراتيجي إلى استدعاء قطاع مدني منفصل تمامًا.
امتلاكه قدرة هندسية واقتصادية يتيح دمج البنية التحتية والاحتياجات العسكرية والاستراتيجية.
من زاوية الأمن القومي، هذه ميزة حقيقية.
♦️ خامسًا: وظائف اجتماعية خارج الجهاز الحكومي
بعض البُنياد تقدم خدمات اجتماعية وإعانات ورعاية لفئات واسعة.
وهذا يمنح النظام شبكة حماية اجتماعية لا تمر كلها عبر الوزارات التقليدية.
وهي تؤدي بذلك وظيفة اقتصادية وسياسية واجتماعية في الوقت نفسه.
ب. الجانب السلبي: الكلفة المؤسساتية
♦️ أولاً: ضعف الشفافية
كلما تعددت المؤسسات التي لا تعمل وفق قواعد الإفصاح والمساءلة الحكومية نفسها، أصبح من الصعب معرفة:
◾️ من يملك ماذا؟
◾️ من يحصل على العقود؟
◾️ من يراقب الإنفاق؟
◾️ ومن يحاسب الإدارة؟
وهذه مشكلة أساسية.
♦️ ثانيًا: عدم تكافؤ المنافسة
شركة خاصة تواجه مؤسسة تملك روابط بالدولة أو الجيش أو القيادة ليست دائمًا أمام منافس اقتصادي عادي.
وهذا قد يحد من الاستثمار والإبداع وريادة الأعمال.
♦️ ثالثًا: تضارب المصالح
عندما تكون المؤسسة نفسها:
◾️ قوة سياسية،
◾️ قوة أمنية،
◾️ ومنافسًا اقتصاديًا،
يصبح من الصعب ضمان الفصل بين سلطتها العامة ومصلحتها التجارية.
♦️ رابعًا: تسييس توزيع الموارد
في الاقتصاد الطبيعي، يفترض أن تتحرك الموارد وفق الكفاءة والعائد والقانون.
أما عندما يتشابك الاقتصاد مع العقيدة والسياسة والأمن، فيمكن أن تدخل اعتبارات أخرى:
◾️ الولاء،
◾️ الأولوية الاستراتيجية،
◾️ أمن النظام،
◾️ والشبكات السياسية.
وهذا يخفض الكفاءة الاقتصادية أحيانًا.
♦️ خامسًا: تحميل الاقتصاد المدني تكلفة السياسة الإقليمية
كل مورد يُوجَّه للأمن والدفاع والنفوذ الخارجي هو مورد لا يذهب إلى استثمار مدني آخر.
هذه معادلة موجودة في جميع الدول، لكن ثقل المؤسسات الأمنية في إيران يجعلها أكثر حساسية، خصوصًا عندما ترتفع العقوبات والتضخم والضغوط المعيشية.
♦️ سادسًا: صعوبة الإصلاح الاقتصادي
الحكومة قد ترغب في:
◾️ خصخصة،
◾️ رفع الدعم،
◾️ فتح السوق،
◾️ جذب الاستثمار،
◾️ إصلاح البنوك،
لكن الإصلاح يمكن أن يمس مصالح مؤسسات قوية ليست خاضعة بالكامل للحكومة.
وهنا يصبح الإصلاح الاقتصادي صراعًا داخل بنية السلطة نفسها، وليس مجرد قرار فني لوزير الاقتصاد.
16. المفارقة الكبرى
وصلنا الآن إلى نقطة أراها مهمة جدًا في بحثنا:
في إيران، الاقتصاد الموازي لا يعيش خارج الدولة؛ إنه أحد أسباب قدرة الدولة المزدوجة على البقاء.
فالمرشد لا يعتمد فقط على السلطة الدستورية.
والحرس لا يعتمد فقط على القوة العسكرية.
والمؤسسات العقائدية لا تعتمد فقط على الخطاب الديني.
هناك أيضًا:
أصول + شركات + عقود + شبكات تمويل + موارد بشرية + قدرة على إنتاج الدخل.
وهذا يمنح الازدواجية قاعدة مادية.
«الاقتصاد الموازي في إيران لا يموّل الدولة المزدوجة فحسب؛ بل يعيد إنتاجها ويمنح مؤسساتها غير الحكومية القدرة على الاستمرار خارج إيقاع الحكومة وموازنتها وحدهما».
17. العلاقة بين السياسة والأمن والاقتصاد
أصبح بإمكاننا الآن أن نرى المثلث الإيراني كاملًا:
(المرشد ومؤسسات القيادة)
⬇
يوفرون الاتجاه والشرعية العقائدية
(الحرس والمؤسسات الأمنية)
⬇
يوفرون القوة والردع
(المؤسسات الاقتصادية المرتبطة بالنظام)
⬇
توفر جزءًا مهمًا من الموارد والاستقلال المؤسسي
والحكومة الجمهورية تقع داخل هذا المثلث، لكنها تدير الاقتصاد الوطني الأوسع والخدمات العامة والموازنة والعلاقات الاقتصادية الدولية.
وبذلك تصبح الدولة المزدوجة الإيرانية:
«ازدواجًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا متشابكًا، وليس مجرد ازدواج في المؤسسات الدستورية».
18. ماذا فعلت العقوبات بهذه الهندسة؟
وهنا أرى نتيجة تستحق أن نحتفظ بها للمشروع الأكبر:
العقوبات حققت أمرين متناقضين في آن واحد:
أضعفت إيران اقتصاديًا.
لكنها أيضًا:
ساعدت على ترسيخ بعض مكونات الاقتصاد الموازي داخل بنية النظام.
كلما ضاقت القناة الطبيعية، ازدادت قيمة القناة غير الطبيعية.
كلما ضعفت الشركات الأجنبية والقطاع الخاص المستقل، ارتفعت الأهمية النسبية للمؤسسات التي تستطيع العمل تحت العقوبات.
وهذا لا يعني أن العقوبات «قوّت إيران» بالمطلق.
بل يعني:
«أن الضغط الخارجي أضعف الاقتصاد الكلي، لكنه ساعد أحيانًا على إعادة توزيع القوة داخله نحو المؤسسات الأكثر قدرة على العيش تحت الضغط».
19. الخلاصة المؤسساتية الثالثة
يقوم الاقتصاد في الدولة المزدوجة الإيرانية على تداخل أربعة أنماط من الملكية والنفوذ: الدولة الحكومية التقليدية، والمؤسسات الاقتصادية المرتبطة بالقيادة، والشبكات الاقتصادية التابعة أو القريبة من الحرس الثوري، والقطاع الخاص. ولا تعمل هذه المكونات في أسواق منفصلة، بل تتقاطع في النفط والطاقة والبناء والتمويل والتجارة والبنية التحتية. ومن هنا فإن القوة الاقتصادية للمؤسسات العقائدية والأمنية ليست مجرد أثر جانبي لنفوذها السياسي؛ بل تمثل أحد الشروط المادية لاستقلالها النسبي واستمراريتها. وفي المقابل، فإن هذه البنية تمنح النظام قدرة كبيرة على تعبئة الموارد والصمود تحت العقوبات، لكنها تخلق أيضًا مشكلات في الشفافية والمنافسة والمساءلة وتضارب المصالح، وتجعل الإصلاح الاقتصادي مرتبطًا بتوازنات القوة داخل النظام نفسه.
«إذا كانت ولاية الفقيه تمنح الدولة المزدوجة الإيرانية رأسها، والحرس يمنحها عضلاتها، فإن الاقتصاد شبه الحكومي يمنحها شرايينها».
منبر العراق الحر منبر العراق الحر