منبر العراق الحر : ….كاتب وباحث في الاقتصاد السياسي….
بدلاً من استحداث وزارات جديدة لإرضاء التوازنات السياسية، يحتاج العراق إلى وزارة الاقتصاد والتنمية المستدامة، تتولى رسم السياسة الاقتصادية، وتنويع مصادر الإيرادات، وترشيد الإنفاق العام، ومعالجة الاختلالات البنيوية للاقتصاد.
إن تشكيل الحكومات ينبغي أن يستند إلى أولويات الدولة ومتطلبات التنمية، لا إلى مطالب الكتل الحزبية وحدها. فالتوسع الوزاري غير المدروس يثقل الموازنة بالنفقات التشغيلية، ويؤدي إلى تداخل الصلاحيات دون تحقيق قيمة مضافة حقيقية.
وفي ظل التحديات المالية التي يواجهها العراق، تبرز ضرورة إنشاء مؤسسة استراتيجية تنظم الاقتصاد، وتطور التشريعات اللازمة لتعظيم الإيرادات غير النفطية، وتضع أسس الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج، بما يعزز الاستدامة المالية ويحصّن البلاد من الأزمات الاقتصادية.
*أولاً: لماذا يحتاج العراق إلى وزارة الاقتصاد والتنمية المستدامة؟*
تكمن المشكلة الأساسية في الاقتصاد العراقي في اعتماده الكبير على الإيرادات النفطية، وما يترتب على ذلك من ارتباط الإنفاق الحكومي وتقلبات النشاط الاقتصادي بتغيرات أسعار النفط ومستويات التصدير والظروف الجيوسياسية.
وقد أظهرت الأزمات المتعاقبة أن وفرة الموارد النفطية، على أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان الاستقرار المالي، ما لم تقترن بسياسات اقتصادية متكاملة، وإدارة كفوءة للموارد، وقاعدة إنتاجية متنوعة، ونظام مالي قادر على امتصاص الصدمات.
كما أن تعرض صادرات النفط أو طرق نقله لمخاطر إقليمية، بما فيها اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز، يكشف حجم المخاطر التي يمكن أن تواجه المالية العامة عندما تتركز موارد الدولة في مصدر رئيسي واحد.
ولا تقتصر المشكلة على تقلبات الأسواق العالمية، إذ يعاني الاقتصاد العراقي أيضاً من اختلالات هيكلية تتعلق بضعف القطاعات الإنتاجية، ومحدودية مساهمة القطاع الخاص، واتساع الإنفاق التشغيلي، وضعف استثمار الموارد المحلية، فضلاً عن التحديات المرتبطة بكفاءة التحصيل الضريبي والكمركي وإدارة أملاك الدولة.
إن معالجة هذه الاختلالات تتطلب جهة حكومية تمتلك رؤية اقتصادية شاملة، وتستطيع تنسيق السياسات المالية والاستثمارية والإنتاجية، وتحويل الأهداف العامة إلى برامج قابلة للتنفيذ والقياس.
ومن هنا يمكن أن تؤدي وزارة الاقتصاد والتنمية المستدامة دوراً محورياً، شرط أن تُمنح اختصاصات محددة وواضحة، وأن تعمل بالتنسيق مع وزارات المالية والتخطيط والتجارة والصناعة والزراعة، والبنك المركزي، وسائر المؤسسات الاقتصادية المعنية، من دون أن تتحول إلى مركز إداري جديد يكرر وظائف المؤسسات القائمة.
*ثانياً: تنويع الإيرادات غير النفطية وإصلاح المنظومة التشريعية*
من أبرز المهام التي ينبغي أن تضطلع بها الوزارة المقترحة وضع استراتيجية وطنية متكاملة لتنويع الإيرادات غير النفطية، تقوم على توسيع القاعدة الإيرادية للدولة، وتحسين كفاءة التحصيل، وتطوير التشريعات المنظمة للأنشطة الاقتصادية.
فالعراق لا يفتقر إلى الموارد والإمكانات غير النفطية بقدر ما يحتاج إلى منظومة متكاملة لحسن إدارتها واستثمارها. وتشمل هذه الإمكانات الإيرادات الضريبية والكمركية، وعوائد أملاك الدولة، وإيرادات الخدمات العامة، وأرباح الشركات العامة، والعوائد الناشئة عن استثمار الأصول الحكومية، فضلاً عن الفرص المتاحة في قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة والنقل والخدمات.
ولا يعني تعظيم الإيرادات فرض المزيد من الضرائب على المواطنين أو تحميل المشروعات الاقتصادية أعباء إضافية، بل يتطلب أولاً معالجة التهرب الضريبي، والحد من التجاوزات في المنافذ الحدودية، وتحديث أنظمة التحصيل، وتوسيع النشاط الاقتصادي الرسمي، وإعادة تنظيم استثمار أملاك الدولة وأصولها.
كما ينبغي أن تعمل الوزارة على مراجعة التشريعات الاقتصادية المتفرقة، وتحديد مواطن التعارض والقصور فيها، وإعداد مشروعات قوانين جديدة أو تعديلات تشريعية تسهم في تحسين البيئة الاستثمارية، وتعزيز المنافسة، وحماية المال العام، ورفع كفاءة إدارة الإيرادات.
وتُرفع هذه المشروعات، وفق الأصول الدستورية والقانونية، إلى مجلس الوزراء لاتخاذ ما يلزم بشأنها وإحالتها إلى مجلس النواب عند الاقتضاء.
إن الهدف النهائي هو بناء منظومة إيرادات مستدامة لا تعتمد على مورد واحد، وتستند إلى نشاط اقتصادي حقيقي، وإدارة مالية كفوءة، وتشريعات واضحة تضمن العدالة والشفافية والاستقرار.
*ثالثاً: ترشيد الإنفاق العام وتحويل الموازنة إلى أداة للتنمية*
لا يمكن تحقيق الاستدامة المالية من خلال زيادة الإيرادات وحدها، إذ إن إدارة الإنفاق العام لا تقل أهمية عن إدارة الموارد. فالموازنة العامة ينبغي ألا تكون مجرد جدول لتوزيع الأموال على الوزارات والمؤسسات، بل أداة لتنفيذ الأولويات الوطنية وتحقيق نتائج اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس.
ومن هنا، يمكن للوزارة المقترحة أن تتولى، بالتنسيق مع وزارة المالية ووزارة التخطيط، إعداد إطار اقتصادي متوسط وطويل الأجل يربط الإنفاق العام بمؤشرات الأداء والإنتاجية، ويحدد القطاعات التي تستحق الأولوية في تخصيص الموارد. ويشمل ذلك مراجعة النفقات التشغيلية، ورفع كفاءة الإنفاق الاستثماري، والحد من تكرار المشروعات، ومعالجة الهدر المالي والإداري، وإخضاع المشروعات الحكومية لتقييم اقتصادي يحدد تكلفتها وعائدها ومدى مساهمتها في التنمية.
كما ينبغي أن تتبنى الوزارة منهجية واضحة لتقييم الأثر الاقتصادي للقرارات الحكومية، بحيث لا يُقاس نجاح السياسات بحجم الأموال المنفقة، وإنما بمقدار ما تحققه من زيادة في الإنتاج، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات، وتعزيز الإيرادات العامة.
وهذا التوجه ينسجم مع الانتقال التدريجي نحو موازنة البرامج والأداء، التي تربط الاعتمادات المالية بأهداف محددة ومؤشرات قابلة للمتابعة والمساءلة. وبذلك تصبح إدارة الإنفاق العام جزءاً من استراتيجية اقتصادية متكاملة، لا مجرد عملية محاسبية سنوية.
*رابعاً: معالجة الاختلالات البنيوية وبناء اقتصاد منتج*
إن المهمة الأعمق لوزارة الاقتصاد والتنمية المستدامة ينبغي أن تتمثل في معالجة الاختلالات البنيوية التي جعلت الاقتصاد العراقي شديد التأثر بالإيرادات النفطية والإنفاق الحكومي.
فالدولة التي تعتمد على النفط في تمويل معظم نفقاتها تواجه صعوبة في تحقيق الاستقرار المالي عندما تتراجع الأسعار أو تتعطل الصادرات، كما أن استمرار هذا النمط يحد من قدرة القطاعات الإنتاجية على النمو بصورة مستقلة عن الإنفاق العام.
ولذلك، ينبغي أن تضع الوزارة استراتيجية متكاملة لإعادة هيكلة الاقتصاد، ترتكز على تطوير الصناعة الوطنية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتحسين البنية التحتية للنقل والتجارة، وتوسيع الاستثمار الخاص، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتهيئة بيئة قانونية مستقرة تجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
كما يتعين عليها تحديد المزايا النسبية لكل قطاع اقتصادي، ودراسة سلاسل الإنتاج والتوريد، وتحديد المجالات التي يستطيع العراق فيها إحلال المنتجات المحلية محل المستوردات بصورة اقتصادية مدروسة، من دون اللجوء إلى سياسات حماية ترفع الأسعار أو تضر بالمستهلك.
ولا يتحقق هذا التحول بمجرد إعلان الخطط أو إصدار القوانين، بل يتطلب ربط السياسات الاقتصادية بمؤشرات واضحة، من بينها نمو الناتج المحلي غير النفطي، وارتفاع مساهمة القطاعات الإنتاجية، وزيادة الإيرادات غير النفطية المستدامة، وتحسن إنتاجية العامل، ونمو فرص العمل في القطاع الخاص.
ومن الضروري أيضاً أن تتكامل السياسة الاقتصادية مع إصلاح الإدارة العامة، لأن أي استراتيجية لتنويع الاقتصاد ستظل محدودة النتائج ما لم تقترن بتبسيط الإجراءات الحكومية، وتقليص البيروقراطية، ومكافحة الفساد، وتعزيز الشفافية في العقود والاستثمارات العامة.
*خامساً: من إدارة الأزمات إلى التخطيط الاقتصادي الاستراتيجي*
تتعرض الاقتصادات الريعية لصدمات متكررة نتيجة تقلبات أسعار السلع الأساسية والأزمات الجيوسياسية والاضطرابات التجارية والمالية. غير أن خطورة هذه الصدمات تتحدد إلى حد كبير بمدى استعداد الدولة لمواجهتها.
وفي الحالة العراقية، ينبغي ألا تقتصر الاستجابة للأزمات على إجراءات مؤقتة، مثل تقليص الإنفاق أو تأجيل المشروعات أو البحث عن مصادر تمويل طارئة، بل يجب أن تتجه نحو بناء منظومة مؤسسية قادرة على التنبؤ بالمخاطر وتقييم آثارها ووضع السيناريوهات البديلة.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن تتولى الوزارة إعداد سيناريوهات اقتصادية متعددة تستند إلى احتمالات ارتفاع أسعار النفط أو انخفاضها، وتراجع الصادرات أو اضطراب طرق النقل، وتغير مستويات الإنفاق والإيرادات.
كما يمكنها اقتراح قواعد مالية متوسطة الأجل تساعد على الحد من التقلبات في الإنفاق، ودراسة آليات تكوين احتياطيات مالية في الفترات التي تسمح فيها الإيرادات بذلك، بالتنسيق مع وزارة المالية والبنك المركزي والجهات المختصة.
إن وجود هذه القدرة التخطيطية من شأنه أن يساعد الحكومة على اتخاذ قرارات أكثر توازناً، ويحد من انتقال الصدمات الخارجية مباشرة إلى الموازنة العامة والنشاط الاقتصادي ومستوى الخدمات المقدمة للمواطنين. وبذلك تنتقل الدولة من إدارة الأزمة بعد وقوعها إلى بناء القدرة المؤسسية على استباقها والتخفيف من آثارها.
*سادساً: شروط نجاح الوزارة المقترحة*
إن استحداث وزارة الاقتصاد والتنمية المستدامة لن يكون حلاً بحد ذاته ما لم يقترن بتصميم مؤسسي واضح يمنع تضارب الاختصاصات ويضمن المساءلة عن النتائج. ولذلك، ينبغي أن يقوم تأسيسها على خمسة مرتكزات أساسية:
أولاً: تحديد الصلاحيات القانونية. من خلال تشريع ينظم اختصاصاتها وعلاقتها بوزارات المالية والتخطيط والتجارة والصناعة والزراعة، مع منع ازدواجية المهام وتداخل المسؤوليات.
ثانياً: بناء قاعدة بيانات اقتصادية موحدة. تتيح تحليل الإيرادات والإنفاق والاستثمار والإنتاج والتجارة، وتساعد في إعداد السياسات على أساس معلومات دقيقة ومحدثة.
ثالثاً: اعتماد مؤشرات أداء قابلة للقياس. بحيث تخضع الوزارة لتقييم دوري وفق النتائج التي تحققها في تنويع الاقتصاد، وتحسين كفاءة الإنفاق، وتطوير التشريعات، ورفع مساهمة القطاعات غير النفطية.
رابعاً: الاستعانة بالكفاءات المتخصصة. عبر اختيار الخبراء في الاقتصاد والمالية العامة والقانون الاقتصادي والإدارة والتخطيط، بعيداً عن تحويل الوزارة إلى مساحة جديدة للمحاصصة الحزبية.
خامساً: التكامل مع المؤسسات القائمة. إذ ينبغي ألا تحل الوزارة محل وزارة المالية في إدارة الموازنة، أو محل وزارة التخطيط في اختصاصاتها القانونية، أو محل البنك المركزي في السياسة النقدية، وإنما تتولى تنسيق السياسة الاقتصادية العامة وإعداد الرؤى والاستراتيجيات المشتركة ضمن إطار قانوني واضح.
ويمكن أن يتضمن مشروع تأسيسها تقييماً مسبقاً للكلفة الإدارية والمالية، ومقارنة بين إنشاء وزارة مستقلة وبين إعادة تنظيم المؤسسات الاقتصادية القائمة. فإذا أثبت التقييم أن الوزارة المستقلة تحقق قيمة مضافة حقيقية، يصبح استحداثها خياراً مؤسسياً مبرراً، لا مجرد توسع في الجهاز الحكومي.
*سابعاً: التجارب الدولية في بناء المؤسسات الاقتصادية والتنموية*
تقدم التجارب الدولية نماذج متعددة لإدارة الاقتصاد وتنظيم التنمية، يمكن للعراق الاستفادة منها في بناء وزارة الاقتصاد والتنمية المستدامة، مع مراعاة خصوصية اقتصاده الريعي وضرورة معالجة اختلالاته الهيكلية.
1*- التجربة العربية: عُمان والسعودية والبحرين*
سلطنة عُمان: توظف وزارة الاقتصاد العمانية، السياسات والبرامج التنموية لدعم تنويع مصادر النمو ضمن رؤية عُمان 2040. ويمكن للعراق الاستفادة من تجربتها في تقليل الاعتماد على النفط وتطوير الإيرادات غير النفطية.
السعودية: تربط وزارة الاقتصاد والتخطيط السياسات الاقتصادية بالأهداف التنموية في إطار رؤية 2030، بما يوفر نموذجاً للتخطيط طويل الأجل، وتطوير القطاعات غير النفطية، وقياس الأداء الاقتصادي.
البحرين: تتوزع الاختصاصات المالية والاقتصادية والتنموية بين مؤسسات متخصصة، وهي تجربة مهمة لتحديد صلاحيات الوزارة المقترحة ومنع تداخلها مع وزارة المالية والتخطيط.
2*- التجربة الآسيوية: كوريا الجنوبية واليابان وماليزيا*
كوريا الجنوبية: تقدم نموذجاً لدراسة التكامل بين السياسات الاقتصادية والمالية والتحول الصناعي والإنتاجي.
اليابان::تبرز تجربتها في تطوير السياسة الصناعية والتكنولوجيا وتعزيز تنافسية الشركات، بما يساعد العراق على تنمية الصناعة الوطنية ورفع القيمة المضافة للموارد المحلية.
ماليزيا: توفر تجربة في التخطيط الاقتصادي وتطوير القطاعات الإنتاجية وتنويع النشاط الاقتصادي من خلال برامج تنموية متعددة السنوات.
3*- التجربة الأوروبية: جورجيا وألمانيا وفرنسا*
جورجيا: تمثل وزارة الاقتصاد والتنمية المستدامة فيها نموذجاً مباشراً يجمع اختصاصات اقتصادية واستثمارية وقطاعية متعددة ضمن مؤسسة واحدة.
ألمانيا: تبرز تجربتها في ربط السياسات الاقتصادية بتطوير الصناعة والطاقة والتنافسية.
فرنسا: تقدم نموذجاً لإدارة السياسات الاقتصادية والمالية والضرائب، بما يؤكد أهمية التنسيق بين الاقتصاد والمالية العامة.
*الدرس المستفاد*
توضح هذه التجارب أن نجاح الوزارة لا يرتبط باسمها، بل بوضوح اختصاصاتها وقدرتها على تنسيق السياسات وتنويع الإيرادات وترشيد الإنفاق. لذلك، ينبغي للعراق الاستفادة من هذه النماذج لبناء مؤسسة استراتيجية تعالج الاختلالات الاقتصادية، وتدعم الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج، دون تكرار مهام المؤسسات القائمة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر