*باراك وخط كركوك – بانياس: مشروع استراتيجي تحاصره الشبهات* ناجي الغزي

منبر العراق الحر :….كاتب وباحث في الاقتصاد السياسي…
لا تكمن أهمية مشروع إعادة تأهيل أنبوب النفط العراقي الممتد من كركوك إلى بانياس السورية في كونه ممراً جديداً لتصدير النفط فحسب، بل في كونه مشروعاً استراتيجياً تتقاطع عنده مصالح الطاقة، وحسابات النفوذ الإقليمي، والتنافس الاقتصادي الدولي، والعلاقات بين المسؤولين الحكوميين والشركات الاستثمارية. وهذا المشروع يقدر بتكلفة تقديرية تبلغ 15 مليار دولار بهدف تقليل اعتماد بغداد على مضيق هرمز واستعادة دور دمشق في تجارة الطاقة الإقليمية..
وكشف تحقيق لوكالة رويترز أن المبعوث الأميركي توم باراك دفع باتجاه إشراك شركة يديرها شريكه التجاري زياد غندور في المشروع ما أثار تساؤلات حول تضارب المصالح.ومن هذه الزاوية، تكتسب العلاقة بين توماس باراك، المبعوث الأمريكي الخاص إلى العراق وسوريا، وشركة “تي.آي كابيتال” أهمية تتجاوز حدود العلاقة التجارية الخاصة، لتطرح أسئلة جوهرية عن حياد القرار الدبلوماسي، وحدود استخدام النفوذ الرسمي، ومدى قدرة المؤسسات على الفصل بين المصلحة العامة والمصالح التجارية.
إن القضية، وفق المعطيات التي أوردتها وكالة رويترز في تقريرها المنشور في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تبيّن أن باراك يحتفظ بعلاقات ومصالح مالية سابقة ومستمرة مع “تي آي كابيتال” (TI Capital) في مشروعات أخرى (مثل مشروع عقاري قرب سان فرانسيسكو يمنحه نسبة تصل إلى 20% من الأرباح)، بالإضافة إلى عمل استشاري سابق ورباط تجاري مع غندور يعود لعام 2020. وبالتزامن مع تقارير استقصائية تثبت عن سعيه إلى إشراكها في مشروع استراتيجي يتعلق بأمن الطاقة العراقي والسوري. وهذا التداخل يضعنا أمام إشكالية تستحق التحليل: متى تصبح العلاقة التجارية الخاصة عاملاً يثير الشكوك بشأن حياد المسؤول العام، حتى في غياب دليل على تحقيق منفعة مالية مباشرة؟
*أولاً: العلاقة التجارية بين باراك و “تي.آي كابيتال”*
تتمثل النقطة الأكثر حساسية في هذه القضية في العلاقة المالية والتجارية التي تربط توماس باراك، رجل الأعمال الأمريكي ومؤسس “كولوني كابيتال” سابقاً، بزياد غندور الرئيس التنفيذي لشركة “تي.آي كابيتال”. ففي عام 2021، أسس الاثنان شركة “فالكون أكويزيشن” المستهدفة جمع 250 مليون دولار، وتولى باراك رئاسة مجلس إدارتها، فيما تولى غندور منصب الرئيس التنفيذي. وبعد اعتقال باراك بتهم تتعلق بالعمل لصالح الإمارات دون التسجيل وفق القوانين الأمريكية، برأته هيئة محلفين في نوفمبر/تشرين الثاني 2022.
ورغم انتهاء شراكتهما في شركة الاستحواذ، احتفظ باراك بمصلحة مالية في مشروع عقاري تديره شركة غندور، تمنحه حق الحصول على 20% من الأرباح التي تتجاوز عتبة عائد محددة، مقابل خدمات سابقة. كما تعهد في اتفاق أخلاقي عام 2025 بالتنحي عن المسائل الحكومية التي تؤثر مباشرة في مصالحه المالية، ما لم يحصل على إعفاء أو ينطبق استثناء قانوني.
وتكتسب هذه العلاقة أهمية خاصة في ضوء ما أورده التقرير عن سعي باراك إلى إشراك “تي.آي كابيتال” في مشروع أنبوب النفط العراقي – السوري. فرغم انفصال المشروع العقاري عن مشروع الطاقة، فإن هذا التداخل يثير تساؤلات بشأن احتمال توظيف النفوذ الدبلوماسي لتوسيع فرص الشركاء التجاريين، وما قد يترتب عليه من منافع غير مباشرة. ورغم الشكوك الكبيرة إلا أن لم يثبت ذلك تلقائياً حصول باراك على النسبة نفسها 20% من أرباح الأنبوب، لكنه يستدعي التحقق من مدى حياده والتزامه بقواعد الأخلاقيات، والفصل بين المصالح الخاصة والواجبات الرسمية.
*ثانياً: من العلاقات الشخصية إلى فرص الاستثمار الاستراتيجي*
تزداد أهمية القضية عندما نضعها في سياق دخول “تي.آي كابيتال” ضمن تحالف يضم شركة شيفرون الأمريكية وشركة يو.سي.سي القابضة القطرية، لإجراء دراسات فنية ومالية بشأن إعادة تأهيل أنبوب كركوك – بانياس.
فالمشروعات الاستراتيجية الكبرى لا تُمنح أهميتها من حجم التمويل وحده، وإنما من طبيعة الشركات المشاركة فيها، ومصادر نفوذها، والفرص التي تتيحها لها، والآثار التي تترتب على دخولها إلى قطاعات حيوية. وفي هذا السياق، فإن انضمام شركة استثمارية تربطها علاقة تجارية سابقة بمسؤول أمريكي بارز إلى تحالف مع شركات كبرى يطرح سؤالاً مشروعاً عن طبيعة الدور الذي ستؤديه، والقيمة الفنية والمالية التي ستضيفها، والمعايير التي استند إليها اختيارها.
وقد أشار تقرير رويترز إلى أن باراك طرح، وفق مصادر مطلعة، فكرة إشراك الشركة خلال لقاءات ومناقشات مرتبطة بالمشروع. كما أورد أن بياناً مشتركاً صدر في يونيو/حزيران 2026 بشأن المضي في مذكرة التفاهم مع “تي.آي كابيتال”، قبل الإعلان عن التحالف الأوسع في يوليو/تموز.
أن هذا التسلسل الزمني، ذات أهمية، فهو يكفي وحده لإثبات أن الشركة حصلت على موقعها بسبب علاقة باراك بها. رغم هذا الاثبات الزمني، الا ان ذلك يتطلب الاطلاع على محاضر الاجتماعات، ومعايير الاختيار، والمراسلات الرسمية، والاتفاقيات الموقعة، وطبيعة الأدوار التي أُسندت إلى أطراف التحالف.
ومع ذلك، فإن غياب هذه المعلومات عن النقاش العام يبرز الحاجة إلى مستوى أعلى من الشفافية، لأن الثقة في المشاريع الاستراتيجية لا تُبنى على النوايا المعلنة وحدها، بل على وضوح الإجراءات وإمكانية إخضاعها للتدقيق المستقل.
*ثالثاً: أنبوب كركوك – بانياس وإعادة رسم جغرافية الطاقة العراقية*
يسعى العراق إلى تنويع منافذ تصدير النفط وتقليل تعرض إيراداته للمخاطر الجيوسياسية واضطرابات الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وهو ما يمنح مشروع الممر النفطي عبر سوريا أهمية استراتيجية واقتصادية.
في 4 يوليو/تموز 2026، وافق مجلس الوزراء العراقي على تخويل شركة نفط البصرة توقيع اتفاقات أولية مع ائتلاف يضم “تي آي كابيتال” و”شيفرون” و”يو سي سي”، لإجراء دراسات فنية ومالية لمساري التصدير عبر ميناءي جيهان التركي وبانياس السوري. وفي 17 يوليو/تموز، وقّعت الحكومتان العراقية والسورية مذكرة تفاهم لتطوير الممر النفطي، أعقبتها اتفاقات مبادئ لإعداد دراسات الجدوى وخطة التمويل الأولية.
ويضم الائتلاف شركات قطرية وأمريكية، فيما دخلت “توتال إنرجيز” الفرنسية في مفاوضات للحصول على حصة استثمارية محتملة تقارب 10%، وفق تقارير صحفية. ومع ذلك، لا تزال حصص الملكية وحقوق التشغيل ورسوم النقل والتمويل النهائي قيد التفاوض.
ومن المتوقع، وفق تقديرات نقلتها رويترز، أن تستغرق إعادة إنشاء الخط أربع سنوات على الأقل، بكلفة قد تصل إلى 15 مليار دولار. لذلك، فإن جدوى المشروع تتطلب تقييماً دقيقاً لكلف الإنشاء والتشغيل، والعوائد المتوقعة، والمخاطر الأمنية، واستدامة تدفق النفط. وعليه فإن نجاح المشروع لا يتوقف على أهميته الجيوسياسية فحسب، بل على تحقيق عائد اقتصادي صافٍ للعراق، وتنويع صادراته بشروط تعاقدية ومالية تحمي المصلحة الوطنية على المدى الطويل.
*رابعاً: ما الذي ينبغي للعراق فعله؟*
تتطلب حماية المصلحة الوطنية تعزيز حوكمة المشروع وشفافية إجراءاته، من خلال:
1. شفافية الاختيار: توضيح معايير اختيار الشركات، والأسس الفنية والمالية التي استندت إليها الحكومة، ومدى وجود منافسة بين العروض.
2. تحديد المسؤوليات: بيان دور كل شركة في التمويل والتصميم والإنشاء والتشغيل والاستشارات، وتقييم القيمة التي تضيفها إلى المشروع.
3. دراسة جدوى مستقلة: مقارنة المسارات البديلة، واحتساب التكاليف والمخاطر والعوائد المتوقعة، وتحديد الأثر في الإيرادات العامة.
4. ضمان النزاهة التعاقدية: تضمين العقود آليات للتدقيق والرقابة والإفصاح عن المصالح، ومعالجة حالات تضارب المصالح المحتملة.
5. استمرار الرقابة: إخضاع مراحل التمويل والتنفيذ والتشغيل للمتابعة، وإتاحة المعلومات الأساسية للجهات الرقابية والرأي العام، بما لا يضر بالأمن الوطني أو المصالح التجارية المشروعة.
إن هذه الإجراءات لا تفترض وجود فساد، بل تضمن خضوع المشروع للمساءلة. فنجاح أنبوب كركوك–بانياس لا يُقاس بقدرته على فتح منفذ جديد للتصدير فحسب، وإنما بقدرته على تحقيق عائد اقتصادي صافٍ للعراق، ضمن شروط تعاقدية ومالية شفافة تحمي سيادته ومصالحه طويلة الأجل.

اترك رد