الذين لا يتغيّرون حين تتغيّر حياتنا ….بقلم رانية مرجية

منبر العراق الحر :

ثمة حقيقة لا ننتبه إليها إلا حين تمضي بنا الحياة بعيدًا: لسنا مشغولين إلى الحدّ الذي لا يسمح لنا بالوصول إلى من نحبّ، بقدر ما أننا، أحيانًا، نؤجّلهم مطمئنّين إلى أنّ الوقت سيمنحنا فرصة أخرى.

نركض خلف مسؤولياتنا، ونطارد أحلامنا، ونحاول أن نلحق بأيامٍ تبدو دائمًا أقصر من حاجاتنا. نؤجّل مكالمة، ونترك رسالةً بلا جواب، ونقول لأنفسنا إنّ الغد سيكون أكثر رحابة. لكنّ الغد يأتي محمّلًا بما يشبه الأمس، وتبقى بعض القلوب تنتظر منّا التفاتةً صغيرة، لا لتطلب شيئًا، بل لتطمئنّ إلى أنّها ما زالت تعني لنا شيئًا.

فالحياة لا تفرغ تمامًا من مشاغلها، ونحن لا نصل غالبًا إلى تلك اللحظة المثالية التي ننتهي فيها من كلّ شيء ونتفرّغ لمن نحبّ. هناك دائمًا ما يستدعي انتباهنا، وما يؤجّل راحتنا، وما يقنعنا بأنّ الاهتمام بمن نحبّ يمكن أن ينتظر قليلًا. غير أنّ بعض الأشياء، حين نؤجّلها طويلًا، لا تفقد أهميتها؛ بل قد نفقد نحن القدرة على استعادتها كما كانت.

لسنا مطالبين بأن نكون متاحين للجميع، ولا أن نمنح كلّ علاقةٍ المساحة ذاتها في حياتنا. فالنضج أن نعرف أنّ طاقتنا محدودة، وأنّ القرب ليس حقًّا متساويًا لكلّ من عرفناهم. لكنّ النضج أيضًا أن نميّز بين الذين تبعدنا عنهم المسافات وتبقيهم قلوبنا قريبين، وبين الذين نستنزف أعمارنا في محاولة الوصول إليهم، دون أن نشعر يومًا بأنّ الطريق يُقطع من الجانبين.

هناك أناسٌ لا تتغيّر محبتهم لنا حين تتغيّر أحوالنا. لا تُربكهم خساراتنا، ولا تُغريهم نجاحاتنا إلى حدّ أن يرونا من خلالها فقط. يظلون على ودّهم حين نتعثّر، وحين نعجز عن العطاء، وحين نمرّ بأيامٍ لا نملك فيها ما نقوله حتى لأنفسنا. لا يطلبون منّا أن نكون أقوياء طوال الوقت، ولا يجعلون من ضعفنا سببًا للتراجع عن محبتنا.

هؤلاء يرون فينا الإنسان قبل كلّ شيء؛ لا ما نملكه، ولا ما نحقّقه، ولا ما يمكن أن نمنحهم إيّاه.

ولأنّ وجودهم يبدو مألوفًا، قد نقع في خطأ لا ننتبه إليه إلا متأخّرين: أن نطمئنّ إلى محبتهم أكثر مما ينبغي، فنظنّ أنّهم سيتفهّمون غيابنا دائمًا، وأنّ قلوبهم ستبقى مفتوحة مهما طال التأجيل. ننسى أنّ الذين يحبّوننا بصدق يشتاقون أيضًا، وأنّ تفهّمهم لانشغالاتنا لا يعني أنّ غيابنا لا يؤلمهم.

فالمحبة لا تحتاج إلى حضورٍ دائم، لكنها تحتاج إلى ما يؤكّد أنّها متبادلة. قد تكفي رسالةٌ قصيرة في منتصف يومٍ مزدحم، أو مكالمةٌ لا تتجاوز دقائق، أو سؤالٌ صادق نطرحه لأنّنا أردنا حقًّا أن نعرف كيف حال إنسانٍ عزيز علينا.

أحيانًا، لا تكمن قيمة السؤال في الإجابة التي نتلقّاها، بل في الشعور الذي يتركه في قلب صاحبه: أنّه لم يُنسَ، وأنّ الحياة، بكلّ ما فيها من ضجيج، لم تستطع أن تجعله تفصيلًا مؤجّلًا إلى أجلٍ غير معلوم.

فليست المحبة أن نجد وقتًا فائضًا لمن نحبّ، بل ألّا نسمح لانشغالاتنا بأن تجعلهم دائمًا آخر أولوياتنا.

ولعلّ الوقت، في معناه الأعمق، ليس مجرّد ساعاتٍ تمضي من أعمارنا، بل ما نختار أن نمنحه من انتباهنا واهتمامنا. إنّه الجزء الذي لا نستطيع استعادته بعد أن نقدّمه، ولذلك تكشف اختياراتنا اليومية، أكثر مما تكشفه كلماتنا، عن الأشياء التي نعدّها جديرة بالبقاء في حياتنا.

ومن هنا تبدأ مراجعة العلاقات.

ليس كلّ من يقترب منّا يحبّنا، وليس كلّ من يبتعد عنّا يتخلّى عنّا. فبعض الغائبين تحفظهم المودّة رغم المسافات، وبعض الحاضرين لا تربطنا بهم إلا مصالح تتجدّد كلّما انتهت حاجة. هناك من يسأل عنّا لأنّه يشتاق، وهناك من يتذكّرنا لأنّه يحتاج. وقد تتشابه الكلمات، لكنّ ما يبقى من العلاقة حين تزول الحاجة يكشف ما عجزت الكلمات عن إخفائه.

فالعلاقات التي تقوم على المصلحة لا تعاني دائمًا من قلّة الوقت، بل من غياب الصدق. وقد نبذل فيها الكثير، ونحاول أن نكون أكثر حضورًا وعطاءً وتفهّمًا، معتقدين أنّ مزيدًا من الجهد سيمنحنا أخيرًا الشعور الذي نفتقده. ثم نكتشف أنّ بعض الأبواب لا تُفتح بكثرة الطرق، وأنّنا قد نقضي سنواتٍ نحاول إثبات قيمتنا لأشخاصٍ لم ينظروا إلينا إلا من زاوية ما نستطيع تقديمه.

عندها، لا نحتاج إلى خصومةٍ طويلة، ولا إلى عتابٍ يستنزف ما تبقّى من أرواحنا. يكفي أن نرى الأشياء على حقيقتها، وأن نتوقّف عن مطالبة العلاقات بما لم تُبنَ عليه منذ البداية. فليس كلّ ابتعادٍ خسارة، وليس كلّ استمرارٍ وفاءً. أحيانًا، يكون الانسحاب الهادئ استعادةً لشيءٍ أعمق من الوقت: استعادةً لسلامنا الداخلي، ولحقّنا في أن نكون محبوبين دون أن نظلّ في امتحانٍ دائم لإثبات استحقاقنا.

ولا يعني ذلك أن نحمل الناس على محمل السوء، أو أن نحاكم نواياهم، بل أن نتعلّم التمييز دون قسوة، وأن نحمي طيبتنا من الاستنزاف دون أن نفقد قدرتنا على المحبة. فليس من الضروري أن نكره من لم يُحسنوا إلينا كي نختار الابتعاد عنهم، كما أنّنا لسنا مضطرّين إلى إنكار ما قدّمه لنا أحدٌ في الماضي كي نعترف بأنّ العلاقة لم تعد تمنحنا ما يكفي من الصدق والطمأنينة.

وفي المقابل، علينا ألّا نعتاد وجود أولئك الذين يحبّوننا حتى ننسى قيمته. ألّا نؤجّلهم لأنّنا نعرف أنّهم سيتفهّمون، ولا نختبر صبرهم لأنّنا نثق بأنّهم لن يرحلوا. فبعض القلوب لا تُكثر العتاب، لكنها تتعب في صمت؛ وبعض المسافات لا تبدأ بخلافٍ كبير، بل بتفاصيل صغيرة تتكرّر حتى يصبح الغياب عادة، ويصبح الرجوع أصعب مما تخيّلنا.

لا أحد يعرف كم مرّةً سيظلّ صوتٌ مألوف متاحًا له، ولا كم لقاءً عاديًا سيصبح يومًا ذكرى يتمنّى لو استطاع العودة إليها. وربما أكثر ما يؤلمنا في الفقد ليس ما لم نستطع فعله، بل ما كان في وسعنا فعله ببساطة، ثم أجّلناه لأنّنا ظننّا أنّ أمامنا متّسعًا من العمر.

لهذا، ليست الحكمة أن نجد وقتًا لكلّ الناس، بل أن نعرف لمن ينبغي ألّا نبخل به. أن نحفظ مكانًا في أيامنا للذين لا تتغيّر قلوبهم بتغيّر ظروفنا، وأن نمنح العلاقات الصادقة ما تستحقّه من اهتمام، وأن نتوقّف عن استنزاف أعمارنا في ملاحقة من لا يتذكّروننا إلا حين يحتاجون إلينا.

ففي نهاية المطاف، لن تكون قيمة أعمارنا في عدد الذين عرفناهم، ولا في مقدار ما أنجزناه ونحن نركض، بل في المعنى الذي تركناه في حياة من أحببناهم، وفي القلوب التي وجدت في قربنا طمأنينةً لا مصلحة، وفي العلاقات التي ظلّت إنسانيةً حتى حين لم يكن لدى أحدنا ما يقدّمه للآخر.

ربما، حين ننظر إلى أعمارنا من بعيد، سنكتشف أنّ أجمل ما فعلناه لم يكن ما أنجزناه ونحن نركض، بل مَن لم ننسَهم ونحن نركض.

لذلك، مهما ازدحمت الحياة، لا تؤجّلوا سؤالًا صادقًا، ولا تبخلوا بمكالمةٍ على قلبٍ عزيز، ولا تجعلوا انشغالاتكم تحجب عنكم الذين يحبّونكم دون غاية. أمّا العلاقات التي لا تتذكّركم إلا حين تناديها المصلحة، فلا تجعلوا الخوف من خسارتها سببًا لخسارة أنفسكم.

فالحياة أقصر من أن نقضيها في استجداء مكانةٍ في قلوب الآخرين، وأثمن من أن نهمل فيها الذين منحونا مكانًا دون أن نطلبه.

فالذين يحبّوننا لذواتنا لا يحتاجون إلى أن نكون دائمًا إلى جوارهم، لكنّهم يستحقّون ألّا يضطرّوا إلى التساؤل، وسط انشغالاتنا، عمّا إذا كانوا ما زالوا في قلوبنا.

— رانية مرجية

 

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

اترك رد