أن نصل إلى الطفل قبل أن نطالبه بالوصول إلينا…..بقلم: رانية مرجية

منبر العراق الحر :

في حضرة أطفال طيف التوحد: تأملات في السلوك والكرامة ومعنى التربية

ثمة أعمال لا تكتفي بأن تمنحنا مهنة، بل تعيد تشكيل نظرتنا إلى الإنسان، وتضعنا أمام أسئلة تتجاوز حدود المعرفة إلى جوهر المسؤولية الأخلاقية. أعمال تعلّمنا أن نتأنّى قبل أن نحكم، وأن نصغي قبل أن نفسّر، وأن نعيد النظر في كثير من المسلّمات التي نحملها عن السلوك والتعلّم والتواصل. والعمل مع أطفال في الثالثة من العمر على طيف التوحد واحد من تلك الأعمال التي لا تتركنا كما كنا؛ لأنها تضعنا يوميًا أمام حقيقة بسيطة وعميقة في آن: ليس كل ما لا نفهمه في الطفل مشكلة فيه، فقد يكون في فهمنا ما يحتاج إلى المراجعة.

في البستان، حيث تتشكل الملامح الأولى لعلاقة الطفل بالعالم خارج أسرته، لا تكون التربية مجرد أنشطة تعليمية، ولا سلسلة من التعليمات التي ننتظر تنفيذها. إنها علاقة تتطلب معرفة وصبرًا وملاحظة، وقدرة على رؤية الإنسان خلف السلوك، والاحتياج خلف الاستجابة، والإمكان خلف الصعوبة.

في الثالثة من العمر، لا تزال اللغة في طور النمو، وتتفاوت قدرة الأطفال على التعبير عن رغباتهم ومشاعرهم واحتياجاتهم. وقد يجد بعض الأطفال على طيف التوحد صعوبة في فهم التغييرات المفاجئة، أو التعبير عما يزعجهم، أو التعامل مع أصوات ومثيرات حسية تفوق قدرتهم على الاحتمال. وقد يظهر ذلك في البكاء، أو الرفض، أو الانسحاب، أو الحركات المتكررة، أو سلوكيات أخرى يراها الراشد من الخارج، بينما يعيش الطفل أسبابها من الداخل.

وهنا تبدأ مسؤوليتنا الحقيقية: أن نتوقف عند ما نراه، من دون أن نتعجل الحكم على ما يعنيه.

فليس كل رفض عنادًا، ولا كل صراخ عدوانًا، ولا كل انسحاب لامبالاة. قد يكون وراء السلوك ألم، أو تعب، أو قلق، أو صعوبة في التواصل، أو حاجة حسية، أو مهمة لم تُقدَّم بالطريقة المناسبة. وقد تتداخل عدة أسباب، فلا يكون التفسير الأول هو التفسير الصحيح بالضرورة.

إن الطفل لا يصبح مفهومًا لمجرد أننا نراقبه؛ بل حين نتعلم أن نفرّق بين ما نراه وما نفترضه، وأن نمنح السلوك فرصة لأن يخبرنا بشيء لم نكتشفه بعد.

حذاء صغير، ومسؤولية كبيرة
في إحدى لحظات العمل اليومية في ساحة اللعب، كان هناك طفل صغير يخلع حذاءه باستمرار. وكلما خلعه، كنت أعيد إلباسه إياه، ثم أعود إلى اللعب معه، وأشجعه على المشاركة، وأدعمه كي يستمر في نشاطه بأمان. تكرر الموقف مرة بعد أخرى، حتى بلغنا نحو عشر محاولات، بدأ بعدها الطفل يُظهر قدرة أفضل على الاحتفاظ بحذائه خلال اللعب.

قد تبدو الحكاية بسيطة: طفل يخلع حذاءه، ومربية تعيده إلى قدميه. لكن بعض التفاصيل الصغيرة تكشف عن المعنى الأعمق للعمل التربوي؛ ذلك المعنى الذي لا يظهر دائمًا في الخطط المكتوبة، ولا يمكن اختزاله في عدد المهارات التي يكتسبها الطفل.

كان الحرص على الحذاء مرتبطًا بسلامته. فساحة اللعب مكان للحركة والجري والاستكشاف، وقد يتعرض الطفل للأذى إذا لعب حافي القدمين في ظروف غير آمنة. ومن هنا، كانت إعادة الحذاء جزءًا من مسؤوليتي في حمايته. لكن الحماية، في نظري، لا تعني أن أكتفي بتكرار الفعل نفسه إلى ما لا نهاية، ولا أن أتعامل مع الطفل وكأنه مطالب بالامتثال من دون أن يكون لاحتياجاته مكان في المشهد.

كان عليّ أن أواصل دعمه، وأن أحافظ على هدوئي، وأن أعيد توجيهه نحو اللعب، وأن أنتبه في الوقت نفسه إلى احتمال وجود سبب يدفعه إلى خلع الحذاء. هل كان يشعر بعدم الراحة؟ هل أزعجه ملمسه؟ هل ارتبط السلوك بحاجة حسية أو بظرف معين في ساحة اللعب؟ وهل يمكن تعديل شيء في البيئة أو في نوع الحذاء ليساعده على الشعور براحة أكبر؟

هذه الأسئلة لا تلغي ضرورة حماية الطفل، بل تمنح الحماية معناها التربوي الأوسع. فنحن لا نريد أن نمنع سلوكًا فحسب؛ نريد أن نفهم الظروف التي تحيط به، وأن نساعد الطفل على اكتساب بدائل مناسبة، وأن نهيئ له بيئة تسمح له بالتعلم والمشاركة من دون تعريضه للخطر.

كانت المحاولات العشر تذكيرًا لي بأن التقدم لا يأتي دائمًا في صورة إنجاز كبير يلفت الانتباه. أحيانًا يبدأ من تكرار هادئ، ومن استجابة ثابتة، ومن العودة إلى الطفل من دون توبيخ أو إحباط. لكنه يحتاج كذلك إلى الملاحظة والمراجعة؛ لأن تكرار الاستجابة لا يثبت وحده أننا فهمنا سبب السلوك، كما أن التحسن في موقف واحد لا يكفي للجزم بأن المهارة أصبحت مستقرة.

لم يكن الحذاء هو الحكاية كلها؛ كانت الحكاية في كيفية حماية الطفل من دون أن نجرح كرامته، وفي كيفية تعليمه من دون أن نحوّل التعلم إلى صراع.

ولعل هذا ما يجعل المواقف اليومية الصغيرة جديرة بالتأمل. فهي تذكّرنا بأن التربية ليست مجرد معرفة بما ينبغي فعله، بل قدرة على اتخاذ القرار المناسب في لحظة حقيقية، حيث تتقاطع سلامة الطفل واحتياجاته وحقه في اللعب والتعلم.

حين يصبح السلوك سؤالًا تربويًا
يمنحنا تحليل السلوك التطبيقي، المعروف بـ ABA، أدوات تساعد على فهم العلاقة بين الظروف التي تسبق السلوك، والسلوك نفسه، وما يحدث بعده. ومن خلال الملاحظة المنظمة وجمع المعلومات، يمكن بناء فرضيات حول وظيفة السلوك، ثم اختيار استراتيجيات دعم مناسبة ومتابعة أثرها.

لكن قيمة هذه الأدوات لا تكمن في جعل الطفل أكثر طاعة، ولا في إزالة كل ما يبدو مختلفًا عن سلوك أقرانه. قيمتها الحقيقية أنها تساعدنا على فهم احتياجاته بصورة أدق، وعلى تعليمه مهارات نافعة للتواصل والاستقلالية والمشاركة، وعلى الحد من السلوكيات التي تسبب له الضيق أو تعرضه أو تعرض الآخرين للخطر.

حين يبكي الطفل عند تقديم نشاط، لا يكفي أن نطالبه بالهدوء؛ علينا أن نسأل إن كان يفهم المطلوب، وإن كانت المهمة مناسبة لقدراته، وإن كان يحتاج إلى استراحة أو إلى طريقة أخرى للتواصل. وحين يرفض الانتقال من اللعب إلى نشاط جديد، قد يساعده التمهيد المسبق أو الجدول البصري أو إتاحة خيارين واضحين. وحين يخلع حذاءه، قد يكون من الضروري التأكد من راحته، وملاحظة الظروف التي يظهر فيها السلوك، مع الحفاظ على إجراءات السلامة.

هذه ليست حلولًا جاهزة تصلح لكل طفل، بل أمثلة على ضرورة الانتقال من رد الفعل إلى الفهم، ومن محاولة فرض الاستجابة إلى البحث عن طريقة تجعل الاستجابة المناسبة ممكنة.

إننا نحتاج إلى أن نميز بين ما يشكل خطرًا حقيقيًا يستدعي التدخل، وما يمثل اختلافًا غير مؤذٍ لا يحتاج إلى التصحيح لمجرد أنه غير مألوف. فالحركات الحسية المتكررة، مثلًا، لا ينبغي أن تُمنع تلقائيًا إذا كانت غير مؤذية وتؤدي وظيفة تنظيمية للطفل.

كما أن التعزيز الإيجابي ينبغي أن يُستخدم لدعم المهارات النافعة، لا لابتزاز الطفل عاطفيًا أو اشتراط القبول والمودة بامتثاله. فالطفل يستحق الاحترام والحب سواء نجح في المهمة أم تعثر فيها، وسواء استجاب لتوقعاتنا أم احتاج إلى وقت أطول.

ليس نجاحنا أن نجعل الطفل أقل اختلافًا، بل أن نساعده على التعبير عن نفسه، واكتساب المهارات التي يحتاج إليها، والعيش بأمان وكرامة.

الطفولة لا تتعلم تحت وطأة الاستعجال
في السنوات الأولى، قد تكون الخطوات الصغيرة أكثر أهمية مما تبدو عليه. أن يطلب الطفل المساعدة بإشارة، أو يستخدم صورة للتعبير عن حاجته، أو يجد وسيلة مناسبة لرفض نشاط، أو ينتقل بين فعالية وأخرى بقدر أقل من القلق، كلها أمثلة على تقدم ينبغي النظر إليه في سياقه الفردي.

ليس من العدل أن نقيس جميع الأطفال بالمعيار نفسه، أو أن نطالبهم بالوصول إلى المهارة ذاتها في الوقت ذاته. فما يشكل أولوية لطفل قد لا يكون كذلك لطفل آخر، وما يبدو بسيطًا بالنسبة إلى الراشد قد يتطلب جهدًا كبيرًا من طفل لا تزال أدوات التواصل والتنظيم لديه في طور النمو.

لهذا، لا ينبغي أن يتحول التقييم إلى سباق مع الزمن، ولا أن تصبح الأرقام وحدها مقياسًا لنجاح التدخل. من المهم أن نعرف ما الذي تعلمه الطفل، لكن من المهم أيضًا أن نعرف إن كان ما تعلمه يساعده في حياته اليومية، ويمنحه وسيلة أفضل للتواصل، ويخفف عنه الضيق، ويوسع قدرته على المشاركة.

قد نتمكن من إيقاف سلوك ظاهر، لكن ذلك لا يعني أننا فهمنا سببه. وقد نرى استجابة سريعة، بينما يبقى الطفل عاجزًا عن التعبير عن احتياجاته. لذلك، فإن السؤال الأصدق ليس فقط: هل استجاب الطفل؟ بل أيضًا: هل أصبح أقدر على التواصل؟ هل يشعر بقدر أكبر من الأمان؟ وهل ساعدناه على اكتساب مهارة نافعة تحترم احتياجاته وحدوده؟

التقدم الحقيقي لا يُقاس بمدى اقتراب الطفل من صورة مثالية رسمناها له، بل بما يكتسبه من إمكانات تساعده على أن يعيش حياة أكثر أمانًا واستقلالية ومشاركة.

المربي أيضًا يحتاج إلى من يسنده
خلف كل نشاط في البستان، قد تقف عملية تربوية كاملة لا يراها الآخرون: ملاحظة دقيقة، وتخطيط، ومحاولات متكررة، وتعديل للمواد أو التعليمات، وتواصل مع الأسرة، وتعاون مع المختصين.

وقد تحتاج لحظة قصيرة من التفاعل إلى وقت طويل من التحضير، كما قد تتطلب مهارة بسيطة محاولات متتابعة قبل أن تبدأ في الاستقرار.

لكن الصبر وحده لا يكفي، والحب وحده لا يعوّض المعرفة. يحتاج المربي إلى تدريب مهني، وإلى إشراف ودعم، وإلى وقت يسمح له بالملاحظة والتخطيط، وإلى فريق يتشارك المسؤولية. ولا ينبغي أن تتحول المسؤولية الإنسانية إلى مطالبة المربي بأن يحتمل كل شيء وحده، أو أن يعوض بجهده الشخصي نقص الموارد والظروف المناسبة.

كما يحتاج المربي إلى شجاعة مراجعة نفسه. أن يعترف بأن طريقة ما لم تنجح، وأن يسأل عن السبب، وأن يغيّر خطته عندما تتطلب احتياجات الطفل ذلك. فالمرونة ليست ضعفًا، والتراجع عن أسلوب غير مناسب ليس فشلًا؛ بل قد يكون علامة على نضج مهني يدرك أن مصلحة الطفل أهم من التمسك بطريقة بعينها.

حين تلتقي المعرفة بالاحترام، تصبح الاستجابة أكثر دقة. وحين تلتقي الرحمة بالمسؤولية، لا يعود الحنان مجرد عاطفة جميلة، بل يتحول إلى ممارسة واعية تبحث عن الوسيلة الأفضل لدعم الطفل.

الأسرة شريكة في الفهم
لا تكتمل صورة الطفل داخل البستان وحده. فالأسرة تعرف تفاصيل من حياته اليومية، وقد تلاحظ أنماطًا لا تظهر في البيئة التربوية. وحين تتكامل خبرتها مع ملاحظات المربي والمختصين، يصبح من الممكن بناء دعم أكثر اتساقًا واستجابة لاحتياجات الطفل.

لكن الشراكة الحقيقية لا تقوم على اللوم أو إصدار الأحكام، بل على الإصغاء وتبادل المعلومات والاتفاق على أهداف واقعية. فقد تحمل الأسرة أسئلة ومخاوف مشروعة، وتحتاج إلى من يشرح لها ما يُلاحظ بوضوح، من دون وعود مبالغ فيها أو أحكام قاطعة على مستقبل الطفل.

فالتشخيص ليس سيرة الطفل كلها، ولا يحدد وحده ما يستطيع أن يتعلمه أو يحققه. وأطفال طيف التوحد ليسوا متشابهين في قدراتهم أو احتياجاتهم أو طرائق تواصلهم؛ لذلك ينبغي أن تكون خطط الدعم فردية، وأن تتغير كلما أظهرت الملاحظة أن الطفل يحتاج إلى طريقة مختلفة.

والأمل الصادق لا يعني إنكار التحديات، بل مواجهتها بوعي، والبحث عن الدعم الممكن، وترك المجال للطفل كي ينمو بإيقاعه الخاص.

الدمج ليس مجرد مكان
قد يكون الطفل حاضرًا في البستان، لكنه لا يجد دائمًا الوسائل التي تساعده على المشاركة. وقد يُطلب منه التكيف مع الضوضاء والتغييرات والأنشطة الجماعية، من دون أن نراجع ما إذا كانت البيئة نفسها تحتاج إلى تعديل.

إن الدمج الحقيقي لا يقتصر على فتح الباب أمام الطفل؛ بل يقتضي أن نسأل إن كان يستطيع المشاركة بعد عبوره، وإن كانت له وسيلة للتعبير عن اختياراته واحتياجاته، وإن كانت البيئة تمنحه ما يحتاج إليه من وضوح وأمان.

قد يكون التغيير المطلوب بسيطًا: تعليمات أوضح، أو وسيلة بصرية، أو وقت إضافي للانتقال، أو مساحة هادئة عند الحاجة. لكن هذه التعديلات قد تصنع فرقًا مهمًا في تجربة الطفل.

ليس من العدل أن نطلب منه أن يتحمل كل ما في البيئة كي نثبت أنه قادر على الاندماج فيها. فالدمج مسؤولية مشتركة، تبدأ من الاعتراف بأن الاختلاف جزء من الحياة الإنسانية، وأن الإنصاف لا يعني تقديم الشيء نفسه للجميع، بل إتاحة الفرصة لكل طفل كي يشارك وفق احتياجاته.

الأمل الذي لا يعد بما لا يعرف
لا أحد يستطيع أن يحسم مستقبل طفل في الثالثة من العمر، ولا ينبغي أن نختزل إمكاناته في صعوبة يواجهها اليوم. لكننا نستطيع أن نعمل على جعل حاضره أكثر أمانًا، وأن نوفر له فرصًا للتواصل والتعلم واللعب، وأن نساعده على اكتساب المهارات التي تدعم استقلاليته.

الأمل الحقيقي ليس وعدًا بأن كل الصعوبات ستختفي، بل إيمان بأن الدعم الملائم يمكن أن يصنع فرقًا، وأن وسيلة تواصل مناسبة قد تفتح بابًا جديدًا، وأن تعديلًا صغيرًا في البيئة قد يخفف عن الطفل عبئًا كبيرًا، وأن ما لم ينجح اليوم يستحق أن نراجعه قبل أن نحكم عليه.

وحين أستعيد مشهد الطفل في ساحة اللعب، لا أرى الحذاء وحده، ولا أختزل التجربة في عدد المحاولات التي احتجنا إليها. أرى مسؤولية تتجدد مع كل موقف: أن أحمي الطفل من الخطر، وأن أنتبه إلى ما قد يزعجه، وأن أساعده على اكتساب سلوك أكثر أمانًا، وأن أبقى مستعدة لتعديل طريقتي إذا احتاج الأمر إلى ذلك.

لقد ذكّرتني تلك المحاولات بأن التربية ليست تكرارًا آليًا للتعليمات، بل مزيج من المعرفة والملاحظة والمرونة. وأن الثبات على الهدف لا يعني الجمود في الوسيلة، وأن حماية الطفل لا ينبغي أن تنفصل عن احترامه، كما أن احترام اختلافه لا يعني تركه من دون دعم حين يحتاج إليه.

قد لا نستطيع إزالة جميع العقبات من طريقه، لكننا نستطيع أن نراجع الطريق الذي نطلب منه السير فيه. وقد لا نفهم كل ما يريد قوله، لكننا نستطيع أن نواصل الإصغاء والملاحظة والتعلم. وقد لا نعرف كل ما يحمله المستقبل، لكننا نملك مسؤولية تجاه الحاضر الذي نصنعه معه.

إن الطفل لا يحتاج إلى أن يثبت أنه يستحق الرعاية؛ فالرعاية حقه، والاحترام حقه، والتعلم حقه، والانتماء حقه. ولا ينبغي أن يكون اختلافه سببًا لتقليص هذه الحقوق، أو أن تصبح المهارات التي لم يكتسبها بعد معيارًا للحكم على قيمته.

في البستان، قد تبدأ الحكاية بحذاء يُخلع مرارًا، لكنها لا تنتهي عند بقائه في القدمين. إنها تمتد إلى السؤال الأهم: كيف نعلّم من دون أن نجرح، ونحمي من دون أن نقمع، ونوجّه من دون أن نختزل الطفل في سلوكه؟

لسنا هنا كي نطلب من الطفل أن يعبر المسافة كلها وحده؛ نحن هنا كي نفهم ما يجعل الطريق صعبًا، ونهيئ له ما يساعده على عبوره، ونرافقه من دون أن ننتزع منه حقه في أن يكون نفسه.

فالتربية، في أعمق معانيها، ليست أن نعلّم الطفل كيف يصل إلينا فحسب، بل أن نراجع المسافة التي تفصلنا عنه، وأن نتحمل مسؤولية عبورها.

أن نصل إلى الطفل قبل أن نطالبه بالوصول إلينا؛ ذلك ليس تعبيرًا عن الحنان وحده، بل موقف تربوي وأخلاقي، يبدأ من فهم الاختلاف، ويتجسد في احترام الكرامة، ويستمر في كل يوم نختار فيه أن نرى الإنسان قبل أن نرى ما يصعب علينا فهمه فيه.

رانية مرجية

 

رانية مرجية – تلفون 7077060-054

كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات

 

اترك رد