*تصعيد الحوثيين والتهديد الأمريكي لإيران.. قراءة تحليلية استراتيجية* ..ناجي الغزي

منبر العراق الحر :….كاتب وباحث في الاقتصاد السياسي….
لا يمكن قراءة استهداف الحوثيين قصر معاشيق في عدن بمعزل عن التصعيد الإقليمي والسجال الأمريكي بشأن الخيارات العسكرية ضد إيران. فالتطورات، وإن اختلفا في ساحتهما وأدواتهما، يكشفان عن تداخل متزايد بين الحرب اليمنية ومواجهة النفوذ الإيراني، وعن تحوّل أدوات الضغط العسكري إلى وسيلة لإعادة تشكيل موازين التفاوض، وليس مجرد تحقيق مكاسب ميدانية مباشرة.
وتبرز هنا معادلة أساسية: هل يسعى الحوثيون إلى توسيع نطاق المواجهة لفرض معادلة سياسية جديدة في اليمن، بينما تبحث واشنطن عن وسيلة لاستعادة الردع في مواجهة طهران، أم أن تصاعد العمليات يعكس اتساع الفجوة بين الأهداف العسكرية والنتائج السياسية الممكنة؟
*أولاً: استهداف عدن*
يمثل استهداف قصر معاشيق، مقر الحكومة اليمنية في عدن، تصعيداً يتجاوز البعد العسكري إلى استهداف رمزية السلطة التنفيذية المعترف بها دولياً، ويوجه رسالة بأن مناطق نفوذ الحكومة لم تعد بمنأى عن الضربات، حتى بعيداً عن جبهات القتال التقليدية.
وفي ظل تصاعد الضغط على تعز واستمرار المعارك حول مأرب، يمكن قراءة التحرك الحوثي من ثلاثة أبعاد:
زيادة الضغط على الحكومة اليمنية عبر تهديد مراكز القرار، وتوسيع قواعد الاشتباك من الجبهات البرية إلى المواقع ذات الأهمية السياسية والاستراتيجية، وتحسين شروط التفاوض من خلال إظهار القدرة على إلحاق الضرر بالخصوم وفرض الجماعة طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي تسوية.
لكن هذا التصعيد لا يثبت بالضرورة وجود خطة متكاملة للسيطرة على اليمن بأكمله. فالقدرة على تنفيذ الضربات لا تعني امتلاك القدرة على تحويل المكاسب العسكرية إلى سيطرة سياسية وإدارية مستدامة.
وأفادت تقارير منشورة في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026 بسقوط قتلى وجرحى جراء الهجوم على قصر معاشيق. وقال الحوثيون إنهم استهدفوا ما وصفوه بمركز للعمليات العسكرية السعودية، وهي رواية صادرة عن الجماعة لم تثبت بصورة مستقلة طبيعة الأهداف الموجودة في الموقع.
ويعكس هذا التطور احتمال انتقال المواجهة من صراع على الأرض إلى استراتيجية ضغط تستهدف مراكز القرار، بما قد يرفع كلفة الحرب ويعقّد فرص التسوية السياسية.
*ثانياً: هل يسعى الحوثيون إلى حسم الحرب أم إلى فرض معادلة ردع جديدة؟*
تكمن أهمية التصعيد الحوثي في أنه يطرح تساؤلاً يتجاوز السيطرة على الأراضي: هل تسعى جماعة الحوثي إلى تحسين شروط التسوية، أم إلى توسيع الحرب ورفع كلفتها على جميع الأطراف؟ يرى مراقبون أن الحوثيين يحاولون الفصل بين مسار تفاوضي مع السعودية وآخر مع الحكومة اليمنية، لترسيخ موقعهم الإقليمي دون تقديم تنازلات جوهرية داخلياً، بينما تعكس تحركاتهم، وفق قراءة أخرى، طموحاً لتوسيع نفوذهم الجغرافي والسياسي.
ولا يتعارض الهدفان بالضرورة، فقد تستخدم الجماعة مكاسبها الميدانية ورقةً للتفاوض. غير أن امتلاك الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرة على استهداف مواقع حساسة لا يعني بالضرورة القدرة على إخضاع الخصم سياسياً. ربما قد يؤدي التصعيد إلى تشديد العمليات العسكرية السعودية والحكومية، وتقليص فرص الوساطة، وزيادة العزلة الإقليمية للحوثيين.
تكمن معضلة الردع في أن قدرات الحوثيين وخبرتهم القتالية تمنحهم قدرة على الصمود ومواجهة التفوق العسكري التقليدي لخصومهم، ما يجعل إخضاعهم أو دفعهم لقبول شروط الطرف الاخر أمراً بالغ التعقيد. وعليه، قد يؤدي التصعيد إلى إطالة الحرب وتوسيعها، بدلاً من حسمها عسكرياً، في ظل صعوبة تحويل التفوق العسكري إلى تسوية سياسية مستدامة.
*ثالثاً: أمريكا وايران .. وأم القنابل*
يكشف السجال الأمريكي بشأن احتمال استخدام قنبلة “أم القنابل” ضد إيران عن معضلة تحويل التفوق العسكري إلى نتائج سياسية. فقد أفادت تقارير إعلامية أمريكية في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2026 بأن واشنطن تدرس خيارات لضرب أهداف إيرانية، بينها منشآت للطاقة ومواقع مرتبطة بالبرنامج النووي، باستخدام قنبلة (MOAB)، دون تأكيد صدور قرار نهائي باستخدامها.
وتبرز ثلاثة أبعاد لهذا الخيار:
1- حدود القوة التدميرية: قد يلحق القصف أضراراً جسيمة بالبنية التحتية، لكنه لا يضمن إنهاء القدرات النووية والصاروخية الإيرانية أو تغيير سلوك القيادة في طهران.
2- الضغط التفاوضي: قد يكون التلويح بالقنبلة وسيلة لرفع سقف التهديد ودفع إيران إلى تقديم تنازلات، غير أن فاعليته تتوقف على مدى جدية واشنطن واستعداد طهران لتحمل التصعيد والرد عليه.
3- مأزق الخروج من الحرب: قد تسعى الإدارة الأمريكية إلى ضربة كبيرة تتيح لها إعلان تحقيق إنجاز وتقليص انخراطها العسكري، لكن بقاء أسباب الصراع دون معالجة قد يجعل هذا الإنجاز مؤقتاً ويمهد لجولات جديدة من المواجهة.
وعليه، لا تكمن المسألة في قدرة واشنطن على التدمير، بل في إمكانية تحويل الضربة إلى تسوية مستدامة، بدلاً من توسيع دائرة الصراع ورفع كلفته الإقليمية والدولية.
*رابعاً: ساحات متعددة وأزمة إقليمية واحدة*
لا يعني تزامن التصعيد الحوثي مع التهديدات الأمريكية لإيران أن كل تحرك في اليمن يصدر بأمر مباشر من طهران. فالعلاقة بين الطرفين تشمل الدعم والتقارب الاستراتيجي، لكنها لا تلغي المصالح المحلية والحسابات الخاصة بالجماعة الحوثية. ومع ذلك، فإن تصاعد المواجهة مع إيران يمكن أن يؤثر في حسابات الحوثيين، كما أن توسيع هجماتهم على السعودية قد يرفع كلفة الأزمة الإقليمية على واشنطن وحلفائها. ويمكن فهم هذا الترابط عبر ثلاثة مسارات:
• المسار العسكري: يؤدي اتساع الهجمات على المطارات والمنشآت الحيوية إلى زيادة الضغوط على القدرات الدفاعية وتوسيع متطلبات حماية البنية التحتية.
• المسار السياسي: قد تستخدم الأطراف تعدد الجبهات لتحسين شروطها التفاوضية، أو لإظهار أن أي تسوية في ساحة واحدة لن تكون كافية لإنهاء التوتر الإقليمي.
• المسار الاقتصادي: يهدد استمرار التصعيد أمن الملاحة والطاقة والنقل الجوي، ويزيد المخاطر التي تتحملها الدول والشركات حتى عندما لا تكون أطرافاً مباشرة في الحرب.
وتبرز أهمية هذا الترابط في أن التصعيد قد يصبح متبادلاً: ضربة على إيران تستدعي رداً إقليمياً، والرد يوسع الضغط على حلفاء الولايات المتحدة، فتزداد المطالب بتدخل أمريكي أوسع. وهكذا يمكن أن تنشأ حلقة تصعيد لا يسيطر أي طرف بصورة كاملة على مآلاتها.
*خامساً: السيناريوهات المحتملة*
السيناريو الأول: احتواء التصعيد عبر التفاوض، تتجه الأطراف إلى استخدام التهديدات والضربات المحدودة لتحسين شروط التفاوض، ثم تقبل بتفاهمات جزئية تخفف الضغط على الجبهات والممرات البحرية. ويتطلب ذلك وجود قنوات اتصال قادرة على ضبط الردود المتبادلة.
السيناريو الثاني: تصعيد عسكري مضبوط، تتوسع الضربات ضد مواقع عسكرية أو بنى تحتية استراتيجية، مع محاولة تجنب الحرب الشاملة. غير أن هذا المسار يحمل خطر سوء التقدير، إذ قد تفسر الأطراف الضربات المحدودة على أنها فرصة لتغيير قواعد الاشتباك.
السيناريو الثالث: اتساع المواجهة الإقليمية، يؤدي استهداف منشآت حيوية أو سقوط أعداد كبيرة من الضحايا إلى ردود أوسع، تشمل اليمن والسعودية وإيران ومواقع الوجود العسكري الأمريكي. وفي هذه الحالة، قد تتجاوز الكلفة الاقتصادية والأمنية قدرة الأطراف على احتواء الأزمة سريعاً.
هذه سيناريوهات تحليلية وليست تنبؤات مؤكدة. ويتوقف اتجاه الأحداث على طبيعة الأهداف التي ستُستهدف، وحجم الردود، ومدى استمرار قنوات الوساطة.

اترك رد