منبر العراق الحر :
في زمنٍ تضجُّ فيه الشاشات بالصوت والصورة والمعلومة، صار المرء يلهث وراء كلّ تفصيلٍ يخصّه أو لا يخصّه.
نبحث عن الحقيقة في كل زاوية، ونظنّ أننا إن عرفنا أكثر سنرتاح أكثر، لكننا لا نلاحظ أنّ كثرة المعرفة تُتعب القلب قبل العقل.
كلّ ما يمرّ في طريقنا ليس مكتوبًا لنا أن نعرفه.
هناك أمورٌ يُبقيها الله في الغيب رحمةً بنا، لا حرمانًا.
فما لا تعرفه لا يوجعك، وما لم تره لا يُقلقك، وما لم تسمعه لا يزرع في صدرك ضجيجًا.
«من راقب كل شيء، خسر راحته.»
— مقولة قديمة منسوبة إلى حكماء الشرق
كم من علاقةٍ دمّرها الفضول!
وكم من إنسانٍ فقد طمأنينته لأنه أراد أن يعرف ما يُقال عنه، ومن يُحبه بصدق، ومن يخونه في الخفاء!
الحقيقة ليست دائمًا خلاصًا، بل قد تكون عبئًا على القلب، وسهمًا في صميم راحته.
في علم النفس، يُقال إنّ كثرة التفكير والتحليل الزائد تُولّد ما يُعرف بـ “الإجهاد المعرفي” — حالة يعيش فيها الإنسان تائهًا بين كلّ ما يعرفه، غير قادرٍ على التمييز بين المهمّ والهامشي، بين ما يُصلح روحه وما يُفسدها.
وحين يزداد الوعي بلا توازن، يتحوّل إلى عبءٍ لا إلى نور.
«ليتني لم أعلم، فكنتُ بخير.»
— عبارةٌ يردّدها من ذاق ثمن الحقيقة في غير وقتها
نعم، المعرفة قوة… لكنها سيفٌ ذو حدّين.
وحين تصل إلى درجةٍ تدرك فيها أن السكينة أهمّ من الإجابة، وأن الغموض أحيانًا أرحم من الحقيقة، تكون قد بلغت نضجًا لا يُدرَّس في الكتب.
ليس كل ما يُقال يُسمع،
وليس كل ما يُسمع يُصدّق،
وليس كل ما يُصدّق يُقال.
وهنا يكمن فنّ السلام.
«اختر ما تعرف، كما تختار طعامك. فليس كلّ ما يُقدَّم لك صالحًا للهضم.»
في النهاية، لا تكن عبدًا للمعرفة إن كانت ستسلبك طمأنينتك.
تعلم أن تمرّ على الأشياء مرور الكرام، أن تصمّت حين يعلو الضجيج، وأن تغلق بابًا لا يليق بنورك.
فليكن سلامك أغلى من فضولك.
وليكن جهلك ببعض الأمور، نوعًا من الذكاء.
⸻
منبر العراق الحر منبر العراق الحر