حين ولدتُ….د. قيس جرجس

منبر العراق الحر :حين ولدتُ،
أول ما حشرتُ أنفي في شؤون الهواء،
فطعن جسدي بشهقةٍ دفعتني إلى الصراخ.
ومنذ يومها،
أنا في ضيافة جلالته،
حتى يستردّ دينه،
ويسحب طعنته بزفرة أخيرة،
فأبرأ ذمّتي أمامه.
الهواء الذي لا يزيد ولا ينقص،
ولا يملّ من استقبال المغامرين القادمين إلى الحياة بحفاوةٍ غير مبالغٍ فيها…
نحن، القادمون،
نحاول أن نبتلع الأرض،
ونفتح أبواب السماء، ونجرّ كل ما أمامنا خلفنا،
حتى ننتهي إلى جرّ جنازةٍ يتيمة،
تبدو كأنها رفع عتبٍ لوداعنا.
وتبقى الروح عروةً فارغةً وفاغرة،
كعين العراء،
وينقطع الخيط عن زرّ الجسد،
بلا عزاء…
ولدتُ فاقداً للذاكرة.
لم أتذكّر شيئاً من حياتي السابقة،
رغم محاولات أمي المتكررة لتذكيري بها،
كي تثير غيرة أبي،
وتستميلني إليها أكثر،
وتحتفظ بحقّ الفيتو عليّ،
مقابل أمومتها بالرحم والحضن معاً.
وكان أبي يفرح لفقدان ذاكرتي…
مَن يدري؟
قد نولد في حياةٍ أخرى فاقدي الذاكرة،
حين ننفصل عن أمّنا الأرض،
ويفرح أبونا السماوي لذلك!
حين ولدتُ،
كان على أبي وأمي أن يطمئنا أولاً إلى أنني لست بحاجة إلى قطعة غيار،
وأنني صالح لجرّ عربة الحياة على طريقٍ يشبه طريق الجلجلة،
بشرط ألّا أنتهي مصلوباً.
فولادتي كانت عادية، ثمرة صدفةٍ دَنِسة، كولادة بقية الأولاد.
لم يظهر جبريل لأمي مرةً واحدةً في حياتها،
ولم ترفرف غيمةٌ بيضاء كحمامة في ذلك الشتاء،
الذي كان من أشطر الشتاءات في دلق المطر والثلج،
وأنا تحت مظلة رحمها…
في طفولتي،
لم أكن بحاجة إلى تبديل ثيابي وأحذيتي بسرعةٍ كأقراني، فنموي الحركي كان قليل مروءة،
أما نموي الروحي فكان يسبقني.
وكثيراً ما أهملتُ قانون الجاذبية الأرضية، لقلة تأثيره عليّ.
نمت أطرافي كشبكة صيدٍ عاجزةٍ عن اصطياد ما يصطاده غيري،
ونمت أكتافي كشارب سلفادور دالي، لا تقف عليهما النسور، ولا تحطّ النجوم.
لم أكن صالحاً لتسلّق الرتب، ولا أعمدة العتمة، ولا جدران الضباب، ولا لحمل التوابيت في الجنازات.
ولم ينمُ لقلبي ظهرٌ يحفظ السائد والموروث، ولا لقامتي ظهرٌ كي لا تقصمها قشّة البعير.
كنتُ الأطرش في زفّة مسابقات الترويض الذهني، المدرسي والاجتماعي والديني والحزبي.
أنا السكران على السليقة، لا تنتهي صلاحيتي، بل أُعتّق كالنبيذ، وأنعتق كالزبيب في بيوت المؤونة.
ولساني يلعلع بالسباب في وجه الكائنات الحية في بيوت الحيض البلاستيكي: بيوت الزعامات العائلية، وبيوت

الصلاة التي تسكنها العناكب، وبيوت الدعارة السياسية.
لم تنبت على مشط رأسي أسنان الحاكمية الأبدية، ولا أضراس الأب القائد المؤبّد.
فلم أكن صالحاً لتنفيذ عقوبة: «الآباء يأكلون الحصرم والأبناء يضرسون».
لست صالحاً إلا لأن أكون قنبلةً موقوتةً على ساعة قلبي، تنفجر فوق سفرةٍ عاطفيةٍ طازجة لحبيبتي،
في بلاد السفْرات الثقافية والسياسية والدينية، البائتة والبالية، والقنابل الموقوتة على ساعات القلوب الممتلئة

بكل أنواع الحقد.
في بلادٍ لا تعرف من أين تؤكل أكتاف جبالها العريضة، ولا ينمو فيها سوى قفاها التاريخي، ليجرّ ذيل الرسالة

الخالدة…

اترك رد