منبر العراق الحر :….كاتب وباحث في الاقتصاد السياسي….
لم تأتِ رغبة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في الانضمام إلى تحالف مكة في فراغ سياسي، بل ظهرت في لحظة تتشابك فيها الضغوط الاقتصادية مع التحديات الأمنية، وتتغير فيها حسابات القوى الإقليمية. ففي 17 أكتوبر 2026، أعلن بزشكيان استعداد بلاده للمشاركة في التحالف الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان، مع إقراره بأن طهران لا تعرف بعد تفاصيل القرارات التي اتخذتها الدول المؤسسة.
هذه المفارقة تستحق التوقف: كيف تعلن دولة استعدادها للانضمام إلى إطار دفاعي قبل الاطلاع على تفاصيله؟ وهل نحن أمام تحول في العقيدة السياسية الإيرانية، أم محاولة لتوسيع هامش المناورة في مرحلة تتزايد فيها كلفة المواجهة؟
*الاقتصاد يفرض حساباته*
تواجه إيران ضغوطاً اقتصادية متفاقمة بفعل العقوبات والقيود على صادرات النفط والتحويلات المالية، بالتزامن مع تراجع العملة وارتفاع الأسعار. وقد أشارت تقارير حديثة إلى تأثير الحصار والقيود التجارية في الإيرادات النفطية والقدرة على توفير النقد الأجنبي.
في مثل هذه الظروف، لا يعود الاقتصاد ملفاً منفصلاً عن الأمن القومي، إذ تصبح قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها الداخلية والمحافظة على استقرارها مرتبطة بقدرتها على تخفيف عزلتها الخارجية.
ومن هنا يمكن فهم أهمية السعودية وتركيا وباكستان بالنسبة إلى الحسابات الإيرانية. فالتقارب مع هذه الدول قد يفتح فرصاً للتجارة والطاقة والاستثمار، ويوفر قنوات سياسية تساعد على احتواء الأزمات. لكنه لا يمنح إيران تلقائياً حصانة من العقوبات الأمريكية، ولا يعني أن المصارف أو الممرات التجارية في الدول الثلاث ستصبح متاحة لها من دون قيود.
إن طهران قد تبحث عن شركاء يوسعون خياراتها، لكن السؤال الأهم هو ما إذا كانت مستعدة لتقديم تنازلات سياسية وأمنية تجعل هذه الشراكة قابلة للاستمرار.
*مكة ومعادلة الأمن الإقليمي*
يكتسب التحالف أهميته من طبيعته الدفاعية ومن ثقل الدول المؤسسة له. فقد وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقاً دفاعياً في أغسطس 2026، يقوم على اعتبار الاعتداء المسلح على إحدى الدول الأعضاء مساساً بالجميع، ويتضمن مجالات للتعاون العسكري وتبادل المعلومات والتنسيق الدفاعي.
بالنسبة إلى إيران، يمثل هذا الإطار معادلة جديدة لا يمكن تجاهلها. فبدلاً من التعامل مع ثلاث قوى إقليمية ضمن حسابات منفصلة، قد تجد طهران نفسها أمام كتلة تمتلك إمكانات اقتصادية وعسكرية وجغرافية مؤثرة.
وقد يكون إعلان الاستعداد للانضمام محاولة لتجنب نشوء ترتيبات أمنية تتشكل من دون مشاركتها، أو لتقليل احتمالات تحول التحالف إلى عامل ضغط إضافي عليها. وفي المقابل، قد ترى طهران أن الانفتاح يمنحها فرصة للانتقال من موقع المنافس إلى موقع الشريك المحتمل.
لكن التحالف الذي يقوم على التزامات دفاعية لا يمكن أن يستوعب عضواً جديداً بمجرد إعلان الرغبة، إذ يتطلب الأمر توافقاً على قواعد العضوية، وطبيعة الالتزامات، ومصادر التهديد، وحدود التعاون العسكري.
*هواجس مكونات الداخل ووحدة الدولة*
لا يمكن فصل الانفتاح الإيراني المحتمل على تحالف مكة عن معضلة التماسك الداخلي في دولة متعددة القوميات، تواجه ضغوطاً اقتصادية وتحديات أمنية متشابكة. فطهران تدرك أن إضعاف الدولة لا يبدأ بالضرورة من حدودها الخارجية، بل قد يتفاقم عندما تتقاطع الضغوط الدولية مع التوترات الداخلية، وتتحول الهويات القومية إلى ساحات للتنافس الإقليمي.
من هذا المنطلق، يمكن قراءة دعوة مسعود بزشكيان إلى تجاوز الخلافات العرقية والقومية باعتبارها رسالة تتجاوز المجاملة الدبلوماسية، فهي تؤكد أولوية الحفاظ على وحدة الدول في منطقة تتشابك فيها القضية الكردية مع الحسابات الإيرانية والتركية، فيما تمثل بلوشستان بُعداً حساساً في المعادلة الأمنية لكل من إيران وباكستان.
قد تراهن طهران على أن التقارب مع أنقرة وإسلام آباد يفتح المجال أمام تفاهم غير معلن يقوم على احترام وحدة الأراضي، وعدم توظيف التباينات القومية في الصراعات المتبادلة. ووفق هذا التصور، تصبح الشراكة الإقليمية وسيلة لتقليص مخاطر التدخل المتبادل، لا مجرد إطار للتعاون السياسي والدفاعي.
*اختبار النيات بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد*
تدرك طهران أن إعلان رغبتها في الانضمام إلى تحالف مكة يضع السعودية وتركيا وباكستان أمام اختبار سياسي يتجاوز الشعارات الدينية. فكل دولة من هذه الدول تسعى إلى تعزيز مكانتها الإقليمية، السعودية بثقلها الديني والاقتصادي، وتركيا بنفوذها الجيوسياسي، وباكستان بقدراتها العسكرية والنووية. ومن ثم، فإن قبول إيران قد يفتح الباب أمام إعادة ترتيب العلاقات الإقليمية، بينما قد يمنح الرفض طهران فرصة امام الرأي العام الإسلامي لتصوير نفسها طرفاً يسعى إلى الوحدة الإسلامية.
لكن الرهان الإيراني لا يقتصر على الخارج، فدعوة بزشكيان إلى تجاوز الخلافات العرقية والقومية قد تحمل رسالة داخلية أيضاً، في ظل حساسية التنوع القومي في إيران والضغوط الاقتصادية والأمنية التي تواجهها. وربما تسعى طهران إلى تعزيز الهوية الإسلامية الجامعة بوصفها إطاراً يحافظ على وحدة الدولة ويحد من استغلال الانقسامات الداخلية.
مع ذلك، لا يعني الانضمام المحتمل أن واشنطن ستخفف عقوباتها تلقائياً، ولا أن التحالف سيضمن استقرار إيران. فالمسألة تتعلق بقدرة الأطراف على تحويل التقارب إلى تفاهمات عملية تحترم السيادة وتحد من الصراعات. وهنا يكمن الاختبار الحقيقي: هل يكون تحالف مكة جسراً لشراكة إقليمية جديدة، أم مجرد مناورة لتحسين المواقع التفاوضية؟
*واشنطن وحدود المناورة*
لا يعني انضمام إيران المحتمل إلى تحالف مكة أن الولايات المتحدة ستضطر إلى تخفيف العقوبات أو التخلي عن أدوات الضغط. فالعقوبات ترتبط بملفات متعددة، ولا تُلغى بمجرد تغير الاصطفافات الإقليمية. ومع ذلك، فإن تقارباً جدياً بين إيران والسعودية وتركيا وباكستان قد يفتح مسارات للوساطة ويقلل مخاطر التصعيد، خصوصاً إذا تضمن تفاهمات بشأن أمن الملاحة والطاقة وتسوية النزاعات. أما إذا تحول التحالف إلى مجرد عنوان سياسي، من دون قواعد واضحة أو التزامات متبادلة، فلن يغير بصورة جوهرية حسابات واشنطن أو طبيعة الضغوط المفروضة على طهران.
*المآلات: شراكة أم مناورة؟*
يمكن أن تتجه المبادرة إلى ثلاثة مسارات: تقارب دبلوماسي محدود يقتصر على تبادل الرسائل، أو شراكة تدريجية تشمل الاقتصاد والأمن، أو تعثر بسبب تضارب المصالح وشروط العضوية.
وسيكون العراق معنياً بهذه التحولات بحكم موقعه وعلاقاته المتشابكة مع إيران والسعودية وتركيا. فإذا أسهم التقارب في تخفيف التوتر، فقد يوسع هامش الحركة أمام بغداد ويقلل الضغوط الناجمة عن التنافس الإقليمي. أما إذا بقيت المبادرة رهينة الحسابات المتعارضة، فلن تتغير كثيراً التحديات التي تواجه السياسة العراقية.
إن رغبة طهران في الاقتراب من تحالف مكة قد تكون مؤشراً إلى مراجعة في ترتيب الأولويات، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات حدوث تحول استراتيجي مكتمل. فالتحالفات لا تُبنى على المخاوف المشتركة وحدها، بل على الثقة والالتزامات والقدرة على تحويل المصالح المتقاطعة إلى سياسات عملية.
والاختبار الحقيقي أمام إيران ليس إعلان الاستعداد للانضمام، بل تحديد ما تستطيع تقديمه لشركائها، وما إذا كانت مستعدة لقبول قواعد مشتركة تحد من احتمالات الصراع وتمنح المنطقة فرصة لبناء أمن أكثر استقراراً.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر