ين يستهدف الرصاص الكنيسة تسقط الإنسانية في امتحانها الأكبر…د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

ليس ثمة جريمة أشد انحطاطا من أن تتحول دور العبادة إلى ساحات للقتل وأن يصبح الإنسان هدفا لرصاصة لا تسأل عن دينه ولا تسمع صلاته ولا ترى في عينيه سوى فرصة أخرى لإراقة الدم.
وما شهدته محافظة الكرك في المملكة الأردنية الهاشمية اليوم من استهداف مسلح لكنيسة حمود وسقوط قتلى وجرحى أثناء مراسم تشييع إنما يمثل جريمة مروعة تستحق الإدانة المطلقة والموقف الإنساني والأخلاقي الحازم.
إننا أمام فعل لا يمكن تبريره بأي ذريعة ولا تسويغه بأي شعار ولا تخفيف بشاعته بالاختباء خلف أي فكرة متطرفة.
فحين تمتد يد الغدر إلى أناس اجتمعوا في بيت من بيوت العبادة لتشييع فقيدهم فإن الجريمة لا تستهدف أجساد الضحايا وحدها بل تستهدف حق الإنسان في الحياة وحرية الاعتقاد وكرامة الحزن وقدسية المكان الذي يلجأ إليه طلبا للسكينة والرجاء.
إن الكنيسة ليست هدفا مباحا لأنها تختلف في عقيدتها عن المسجد وإن المسجد ليس أقل حرمة من الكنيسة وإن الإنسان لا يفقد حقه في الحياة لأنه ينتمي إلى دين أو طائفة أو مذهب.
هذه حقائق لا تقبل المساومة ولا تحتاج إلى إذن من أحد كي تكون واجبة الاحترام.
ومن يتوهم أن قتل المسيحيين انتصار لدين أو أن الاعتداء على دار عبادة دفاع عن عقيدة إنما يرتكب جريمتين في وقت واحد.
جريمة بحق الأبرياء وجريمة بحق القيم التي يزعم الدفاع عنها.
إن الأديان التي جاءت لتمنح الإنسان معنى للحياة لا يمكن أن تتحول إلى غطاء للموت وإن الإيمان الذي لا يحمي دم البريء يفقد جوهر رسالته الإنسانية في ضمير صاحبه.
ومن هنا فإن إدانة هذه الجريمة ليست موقفا عاطفيا عابرا بل واجب أخلاقي وقانوني وحضاري يفرضه احترام النفس البشرية وحق المجتمعات في أن تعيش آمنة من الخوف والكراهية والعنف.
وليس في الكرك ما يبرر أن تتحول الاختلافات الدينية إلى خصومة ولا في تاريخ الأردن ما يجعل التعايش بين المسلمين والمسيحيين أمرا طارئا أو منحة قابلة للسحب.
فالأردن وطن تشكلت هويته عبر تاريخ طويل من الشراكة الوطنية والاجتماعية حيث لا ينبغي أن يكون اختلاف العقيدة سببا للريبة ولا أن تصبح دور العبادة خطوط مواجهة بين أبناء الوطن الواحد.
إن المسلمين والمسيحيين ليسوا غرباء يجمعهم مكان مؤقت بل شركاء في الأرض والذاكرة والمصير وحقوق المواطنة وواجباتها.
وإذا كان منفذو هذا الاعتداء يراهنون على أن الرصاص قادر على بث الفرقة بين الأردنيين فإن الرد الحقيقي على جريمتهم يجب أن يكون أعمق من الغضب وأقوى من الخوف.
الرد هو أن تتماسك الجبهة الوطنية وأن يحمي المجتمع بعضه بعضا وأن تقف المؤسسات الدينية والوطنية في صف واحد دفاعا عن حق الجميع في الحياة والعبادة والكرامة.
فالفتنة لا تنتصر حين يسقط الضحايا وحدهم بل حين يسمح الأحياء للقاتل بأن يزرع الكراهية في قلوبهم.
إن الدم الذي سال في الكرك ليس شأنا يخص المسيحيين وحدهم بل وجع يصيب كل مسلم يؤمن بحرمة النفس البشرية وكل مسيحي يرى في أخيه الإنسان شريكا في الحياة وكل صاحب ضمير لا يقبل أن يكون الدين سببا للقتل.
إن استهداف جماعة دينية هو اعتداء على أمن المجتمع بأسره لأن الحرية الدينية لا تتجزأ ولأن الكرامة الإنسانية لا تقبل التجزئة ولأن الخوف إذا استوطن بيتا من بيوت العبادة فلن يبقى بعيدا عن أبواب البيوت الأخرى.
ومن موقع المسؤولية القانونية والأخلاقية فإننا نطالب بكشف ملابسات هذه الجريمة وملاحقة مرتكبيها وتقديمهم إلى القضاء لينالوا جزاءهم العادل وفقا للقانون مع ضرورة حماية دور العبادة وصون حقوق المواطنين دون تمييز.
كما نرفض أن تتحول هذه الفاجعة إلى ذريعة لتوجيه الاتهامات الجماعية أو نشر الشائعات أو تأجيج خطاب الكراهية لأن العدالة لا تتحقق بالانتقام من الأبرياء بل بمحاسبة الجناة على أساس الأدلة والقانون.
إن مواجهة التطرف لا تكون بالإجراءات الأمنية وحدها وإن كانت ضرورية بل تبدأ أيضا من المدرسة والجامعة والمنبر الديني والمنصة الإعلامية ومن كل كلمة ترفض التحريض وتكشف زيف الفكر الذي يصنع من الاختلاف عدوا ومن الإنسان هدفا.
فالرصاصة التي تقتل إنسانا قد تنطلق في لحظة لكن العقلية التي تبيح قتل المختلف تتشكل حين يتراجع الوعي ويصمت العقل ويتحول التعصب إلى خطاب مقبول.
يا أهل الكرك إن المصاب مصابنا وإن الحزن الذي خيم على بيوتكم لا تحده جغرافيا ولا يفصله اختلاف الدين. وإلى أسر الضحايا نتقدم بأصدق مشاعر العزاء والمواساة وإلى الجرحى نتمنى الشفاء العاجل وإلى الشعب الأردني الشقيق نقول إن الأوطان العظيمة لا تقاس بغياب المحن عنها بل بقدرتها على مواجهة المحن دون أن تفقد إنسانيتها أو تسمح للمجرمين بتغيير صورتها أو تمزيق نسيجها.
إننا ندين هذا الاعتداء بأشد العبارات ونؤكد أن حرمة الكنيسة من حرمة الإنسان وأن حماية المسيحي ليست قضية تخص المسيحيين وحدهم كما أن حماية المسلم ليست قضية تخص المسلمين وحدهم.
إنها مسؤولية الدولة والمجتمع والضمير الإنساني المشترك.
وليعلم كل من يرفع سلاحه في وجه الأبرياء أن الرصاص قد يخترق الجسد لكنه لا يستطيع أن يفرض عقيدة ولا أن يصنع إيمانا ولا أن يمحو تاريخا من التعايش.
وليعلم كل من يسعى إلى إشعال الفتنة أن وحدة الأردنيين أقوى من أوهامه وأن الدماء التي أريقت اليوم يجب أن تكون سببا لمزيد من التضامن وليس ذريعة للانقسام.
إن أخطر ما في الجريمة ليس عدد الذين سقطوا فحسب بل الفكرة التي أرادت أن تجعل من اختلاف الدين سببا للموت.
وأعظم رد عليها أن نحمي الإنسان لأنه إنسان وأن نصون دور العبادة لأنها بيوت للعبادة وأن نرفض أن يكون القتل لغة للحوار أو الكراهية بديلا عن المواطنة.
رحم الله الضحايا ومنح ذويهم الصبر والسلوان وكتب الشفاء للجرحى وحفظ الأردن وشعبه من الفتنة والعنف وأبقى أرضه مساحة للأمان والتآخي والعيش المشترك.
فالإنسانية لا تختبر حين نحترم من يشبهنا بل حين نحمي حق من يختلف عنا.
وعند هذا الامتحان وحده يتبين من يحمل الدين في قلبه ومن يتخذه ستارا لجريمته…

د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد