ترامب والكونغرس الديمقراطي: صراع الشرعيات أم انكسار الإرادات؟ بقلم : د. حسام وايد البدري

منبر العراق الحر :

حين تتحول الديمقراطية من آلية لتداول السلطة إلى ميدان للصراع على حدودها

لم تكن انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مجرد انقلاب في الحسابات البرلمانية، بل تصدعاً في هندسة القوة التي حكمت واشنطن خلال العامين الماضيين. فانتزاع الديمقراطيين مجلسي النواب والشيوخ لا يعني سقوط دونالد ترامب، وإنما سقوط الامتداد التشريعي لرئاسته، وانتقال الولايات المتحدة من وحدة القرار السياسي إلى ازدواجية الشرعية الدستورية.

وهنا تتجلى المفارقة الفلسفية للديمقراطية الأمريكية: قد تمنح صناديق الاقتراع الرئيس شرعية الحكم، ثم تمنح خصومه شرعية تقييد ممارسته.

فهل نحن أمام تصحيح دستوري لتغوّل الرئاسة، أم بداية تفكك التوافق المؤسسي الذي تستند إليه القوة الأمريكية؟

الدستور الأمريكي، القائم على فلسفة كبح السلطة بالسلطة، لم يُصمم لإنتاج الانسجام، بل لمنع الاستئثار. فالرئيس لا يستطيع حل الكونغرس، والكونغرس لا يستطيع إسقاط الرئيس بحجب الثقة. وبينهما يقف الفيتو الرئاسي حصناً لا يُخترق إلا بأغلبية الثلثين في المجلسين، فيما تظل التشريعات الجديدة رهينة التوافق أو المواجهة.

فهل يتحول مبدأ الفصل بين السلطات من ضمانة ضد الاستبداد إلى بنية لتعطيل الدولة، حين تتنازع المؤسسات حق تفسير الإرادة الشعبية؟

غير أن أخطر انتقال للقوة يكمن في سلطة الاعتمادات المالية. فالمادة الأولى من الدستور تمنح الكونغرس مفاتيح الخزانة، ولا تسمح بالإنفاق إلا وفق القانون. وهكذا يستطيع الديمقراطيون محاصرة مشاريع ترامب عبر التمويل، بينما يستطيع الرئيس مواجهة تشريعاتهم بالفيتو.

فمن يحكم فعلياً: من يمتلك صلاحية إصدار القرار، أم من يمتلك القدرة على تمويله أو حرمانه من شروط التنفيذ؟

أما الأوامر التنفيذية، فقد تتحول إلى ملاذ رئاسي لتعويض الانكشاف التشريعي، لكنها تصطدم بحدود المادة الثانية وبالقوانين النافذة. وهنا تتقدم المحكمة العليا إلى قلب الاشتباك بوصفها مرجعاً لتفسير الحدود الدستورية، لتنتقل المعركة من صناعة التشريع إلى تأويل الشرعية.

فهل تؤسس المواجهة لفقه دستوري يعيد تحجيم الرئاسة، أم تدفع نحو توسيع السلطة التنفيذية تحت ضغط الانسداد السياسي؟

وفي مجلس الشيوخ، يمتلك الديمقراطيون أداة أشد عمقاً: التحكم بالموافقة على التعيينات العليا التي يشترطها الدستور والقانون. فتعطيل اختيار الوزراء والقضاة والسفراء لا يستهدف الأشخاص بقدر ما يستهدف قدرة الرئيس على إعادة تشكيل البنية المؤسسية للدولة.

أما التحقيقات البرلمانية، فقد تتحول إلى استنزاف ممنهج للرأسمال السياسي للرئاسة. يستطيع مجلس النواب توجيه اتهامات العزل بالأغلبية البسيطة، لكن الإدانة تتطلب ثلثي أصوات الشيوخ الحاضرين.

فهل تكون الغاية إسقاط ترامب، أم تحويل رئاسته من مشروع لإنتاج السياسات إلى منظومة دفاع مستمر عن الذات والشرعية والإرث؟

داخل الحزب الجمهوري، تتجاوز الأزمة خسارة الأغلبية إلى سؤال الهوية. فالترامبية لم تعد مجرد اتجاه سياسي، بل بنية ولاء جماهيري تتداخل فيها الزعامة مع المؤسسة. والانفصال عنها يهدد القاعدة الانتخابية، بينما الارتهان لها قد يعمق عزلة الحزب عن المستقلين.

فهل يستطيع الجمهوريون إنتاج مرحلة ما بعد ترامب دون الاصطدام بالترامبية، أم أن الحزب بات أسيراً لزعامة تتجاوز قدرته على إعادة تعريف نفسه؟

خارجياً، يحتفظ ترامب بقيادة القوات المسلحة وإدارة الدبلوماسية، لكن الكونغرس يمتلك أدوات التمويل والرقابة وصلاحيات الحرب. وقد تنعكس هذه الازدواجية على ملفات إيران والشرق الأوسط والتحالفات الدولية، حيث تصبح استدامة الالتزامات الأمريكية موضع اختبار سياسي.

فهل تتحول واشنطن من قوة تصدّر اليقين الاستراتيجي إلى قوة تتفاوض مع العالم تحت وطأة الشك الداخلي في استمرارية قراراتها؟

بيد أن الديمقراطيين يواجهون مأزقاً موازياً؛ فالإفراط في التعطيل قد يمنح ترامب فرصة لإعادة إنتاج سردية الاضطهاد المؤسسي، وتحويل خسارته إلى طاقة تعبئة شعبوية. وهنا يصبح المنتصر الانتخابي معرضاً للهزيمة السياسية إذا عجز عن الانتقال من شرعية الاعتراض إلى مسؤولية البديل.

فهل يستطيع الديمقراطيون إدارة انتصارهم بوصفه مشروع حكم، أم سيمنحون ترامب فرصة تحويل القيود الدستورية إلى مظلومية انتخابية؟

إن ما ينتظر أمريكا ليس مجرد انقسام حزبي، بل صراع على احتكار المعنى السياسي للتفويض الشعبي. ترامب يستند إلى شرعية الرئاسة، والديمقراطيون إلى شرعية الأغلبية التشريعية، وكلاهما يمتلك تفويضاً لا يجيز له إلغاء الآخر.

وهنا تتحدد ملامح 2028: إما إعادة التوازن المؤسسي، وإما تعميق الاستقطاب وصولاً إلى إعادة تشكيل النظام الحزبي.

فهل يقود صراع الشرعيات إلى أفول الترامبية أم ولادة طور أكثر صدامية منها، وهل يصمد الدستور الأمريكي بوصفه ضامناً لتوازن السلطات؟
أم يتحول تنازع المؤسسات إلى استنزاف بنيوي للقوة الأمريكية وقدرتها على إنتاج القرار؟

في قراءةٍ تستنطق اتجاهات الصراع دون الجزم بمآلاته، تبرز إمكانية أن تعيد الترامبية إنتاج نفسها بصيغة أكثر صدامية، مستثمرةً الانسداد المؤسسي لتوسيع خطابها الشعبوي. وفي المقابل، سيظل الدستور قادراً على منع احتكار السلطة، دون أن يضمن فاعلية ممارستها. وهنا تتجلى المفارقة الاستراتيجية: قد تنجح الديمقراطية الأمريكية في حماية مؤسساتها من تغوّل السلطة، لكنها تخاطر باستنزاف قدرتها على الحكم بفعل تنازع الشرعيات؛ لتصبح الأزمة ليست في اختلال موازين القوة، بل في عجز القوة عن إنتاج إرادة سياسية جامعة.

اترك رد