منبر العراق الحر :
اقتربَ يسأل:
– ماما ما معنى وطن؟
أبتسمُ لوجه حلو على قلبي: – الجواب بسيط
يا روح ماما.
أسكت حائرة، في المُبتدى لا أعرف ما أجيب،
سهل مُمتنع ما راودني ..
– سأخبره بعض أحاسيس خطرت ..
أمسك أكتافه بثقة:
– الوطن يعني الشام، جبل قاسيون،
نهر بردى، أشجار الغوطة، طريق المطار، حارتنا، دارنا ..
يتململ فأكمل مُستعذبة حلاوة الكلمات بين شفتيّ:
– القلوب البيضاء، صفاء الهواء الذي نتنفسه عند الصباح، بياض الفل و ياسمين
الشام، حريّة طيور و فراشات
حدائق تشرين و باب توما و التجارة ..
يتذمّر و أتابع: – لحن أغانينا، البيوت، الجوامع، الكنائس، الحدائق، المتاحف،
المطاعم، الأسواق ..
بعصبية طفولية:
– أوه يا ويلاه كلمة واحدة تعني كلّ هذا؟
ينطط حاجبيه لا يعجبه الشرح الطويل لمفردة مؤلفة مِن ثلاثة حروف،
أرقبُ ملامحه المستغربة و أتابع:
– الوطن هو الناس، بابا، أنت و أنا و أخوتك ..
ببراءة و حزم: – قولي بالتحديد
ماذا أكتب في موضوع التعبير؟
أجد تفسيراً منطقياً لسؤال استغربته بادئ الأمر :
أتابع و نبض يهز شرياني: أكتبْ الوطن هو الحُبّ.
– بدك أستاذ العربي يذبحني يا أمّي؟
يضيق ذرعاً فيضرب سطح الأرض برجلين صغيرتين:
– عنْ جَدْ قولي بدك ترجعي تنامي و السلام.
يرمقني نظرة أصعب مِن صفع الكلام ..
رأيتُ في تعابير وجهه الأسمر عصفاً غريب اللمسات،
كانت تقاطيعه الناعمة تعترض بشدّة،
لكن الاحترام منعه من شتمي،
كما يتعامل أولاد حينا الشعبي ..
امتعاضه ظهر فقط بإغلاق باب غرفة نومي
ببعض عنف غير مسموح في نطاق بيتنا الهادئ،
اللهم إلاّ مِن صوت رصاص هناك
أو انفجار هُناك ..
ذهب إلى مدرسته غاضباً عاتباً دون كتابة الوظيفة ..
سألت ذهني السؤال ذاته و أنا أفرك تعب وجهي
كي أصحو مِن التفكير: – صحيح
ماذا يعني وطن؟
قمت، توضأت، صليت ركعتين لوجه الله تعالى،
ثمّ قرأت فاتحة على روح أبي الذي كان دائماً يزرع فينا بذور الحُبّ ..
كان أبي يُحدثني عن كروم العنب، عن أشجار المشمش و الكرز، عن صنع جدتي
للدبس و الزبيب و الجلاّب و القمردين الطري،
عن خبز التنور بين يديها كيف يلوح و يصبح أطيب،
عن حلاوة وجهها البديع حين يقمّره لظى لهيب مُحبب،
عن أيّام حميمية، عن قلوب بشر تطفح ود
و طيبة و خجل،
عن مدفأة حطب كريمة يتربع حولها الجيران بمودة،
عن حكايات حُبّ نقي
و شروق مفعماً بأزهار و طيور أمل،
عن غد أرقّ و أحلى ..
و أراني قابعة وحدي مثل فزاعة
وسط عتمة باردة و عطش
و جوع للحظة سلام،
أحمدُ الله أنّ أبي يقطن في السماء الآن
و لمْ يرَ ما فعلت هذه الحرب و ما حصل ..
أقول بصوت عال كي أعلن الإصرار لذاتي الحائرة:
– الحُبّ هو الوطن و الوطن هو الحُبّ ..
بحقك يا ولدي أيّها الرجُل الصغير،
لنْ أجد في مجمع المنطق غير هذا الجواب،
لو أنّك ترضى بجوابي و تحفره في صفحة قلبك،
تكتبه وسط دفترك، لصفّقت لنا الحياة ..
سأرسم الحُبّ لوحات حلوة على صفحات القلوب الغافية،
على التلال الشاردة، على الشرفات و النوافذ المُشرقة ..
أمسك بدفتر له ميزة خاصّة في قلبي،
أهدتني إياه أمّي في عيد ميلادي،
عند ذِكرها لا أرى في رحاب المُخيلة المُنتعشة مقاماً للحب أرفع من مقامها
العالي و يُصادف أنّها تهتف لي في الوقت ذاته كأنّها تشعر بي ..
أخلع سربال مُقلق عن أطراف جسدي
و أركض تجاه رياض قلبها المخضوضر،
أمشي صوب دارها مُنتعشة
و ما زالت تعبر رأسي أفكار و أوراق تتسطر مِن وحي كلمات أمّي التي زرعت
ذهني في الطفولة مع أغاني النوم و الحكايات ..
وسط أزقة دمشق الحلوة أرى معنى الوطن في عيون أهلها الطيبين.
أزور والدتي و أطمئن عليها ثمّ أرجع إلى البيت بخطوات ثابتة كي أكتب مع ابني
موضوع التعبير .
..
.. هُدى الجلاّب ..
منبر العراق الحر منبر العراق الحر