اغتراب الوعي وتغييب العقل في زمن الانهاك ….رياض سعد

منبر العراق الحر :

قراءة سياسية واجتماعية ونفسية لظاهرة العزوف عن المشاريع الثقافية والإعلامية والفكرية والتنويرية الوطنية.

**تمهيد إشكالي

يواجه المجتمع العراقي، والمجتمعات المأزومة تاريخياً بصفة عامة، معضلة سوسيولوجية ونفسية عميقة تتبدى في التناقض الصارخ بين سهولة الحشد في المناسبات الطقسية أو العشائرية أو الاستهلاكية، واستحالة التعبئة في المشاريع التنويرية والفكرية المشتركة. إن هذا الانكفاء عن العمل الجماعي الثقافي ليس مجرد “كسل معرفي”، بل هو عَرَض لترسبات سايكولوجية وبنيوية معقدة تحتاج إلى تشريح ثلاثي الأبعاد: سياسياً، واجتماعياً، ونفسياً.

اذ يسود العراقيُّ تناقضٌ وجوديٌّ حادٌّ، يكاد يكون معياراً أنثروبولوجياً يميز سلوكه الجمعي؛ فهو كائنٌ اجتماعيٌّ بامتياز في الطقوس العابرة والفعاليات والانشطة السطحية والشكلية ، ومنعزلٌ متفلِّتٌ في المشاريع الجوهرية.. , فهذا التناقض بين سهولة الحشد حول المآدب والمنابر، واستحالة التعبئة حول المشاريع الفكرية والتنويرية، يكشف عن بنىً نفسية وسياسية واجتماعية عميقة، تستدعي وقفة تأويلية تتجاوز الوصف إلى التشخيص، ومن التشخيص إلى النقد الفلسفي للذات الجمعية… .

فما الذي يجعل النفس العراقية تنثال طوعاً حول مأدبة طعام أو منبر ديني أو جنازة عشائرية، ثم تنقبض وتنفر إذا ما دُعيت إلى عمل فكري ثقافي إعلامي حر؟!

هذا السؤال ليس مجرد استفهام سوسيولوجي، بل هو مدخل لكشف طبقات من المأزق النفسي والسياسي والوجودي الذي يعيشه الفرد في فضاءات ما بعد الصدمة.

** أولاً: سوسيولوجيا الحشد البدائي مقابل طوق النجاة الفكري

إن تأمل الديناميكيات الاجتماعية الكفيلة بلمّ شمل العراقيين يكشف عن مفارقة حادة؛ إذ من السهل جداً اجتماعهم على مأدبة طعام؛ فما إن تُنفخ النار تحت قدر أو يُعلن عن وليمة، حتى يأتي الناس وحداناً وزرافات… ؛ وبالمثل، من السهل لمّ شملهم تحت منبر ديني، حتى وإن كان خطيب المنبر أو المعتلي له يخلط الصالح بالطالح ويتحدث بما لا يفقه (“يهرف بما لا يعرف” أو بالعامية “يحجي شيش بيش “)؛ إذ ما إن يسمعوا بالخطيب الفلاني أو الرادود الإيحائي، حتى يتهافتوا إليه من كل حدب وصوب… , ولا يقتصر هذا الالتئام السريع على الغذاء والطقس الديني، بل يمتد إلى الأواصر العشائرية؛ حيث يحضر الجميع لتشييع جنازة شيخ العشيرة بشتى أطيافهم وتناقضاتهم: ملحدهم وموحدهم، جاهلهم وعالمهم، نخبة القوم وسائر مَن يُستضعفون من العوام (المكاريد).

في المقابل، تبدأ العقبات بالظهور حين يتجه الهدف نحو الفعاليات المدنية… ؛ اذ قد تواجه صعوبة نوعاً ما في شحذ الهمم من أجل العمل في منظمات المجتمع المدني أو الأنشطة الميدانية كحملات تنظيف الشوارع والأنهار، أو حملات التشجير والحفاظ على البيئة، ورغم هذه الصعوبة، فقد تجد استجابة من قلة واعية تؤمن بالتغيير العيني الملموس.

أما المعضلة الكبرى، والتي ترتقي إلى مصاف “سابع المستحيلات”، فهي أن تجد أشخاصاً يهرعون معك من أجل عمل فكري تنويري، أو حراك إعلامي ثقافي يستهدف الصالح العام دون مردود مادي مباشر أو حظوة معنوية سريعة… ؛ ومهما دعوتهم ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، فلن تجد منهم سوى النفور والصدود، وكأن بين السواد الأعظم وبين هذه المشاريع الوطنية الحرة المستقلة “ما صنع الحداد” من عداء مستحكم وجفاء متجذر.

إن هذه الطقوس الثلاث – المأدبة، المنبر، المأتم – تشكل “المقدّس البدائي” في المجتمع العراقي؛ لا تحتاج إلى وعي نقدي، بل إلى حضور جسدي وانفعال جماعي. إنها تُلبّي حاجات نفسية أولية: الأمن الوجودي في الجماعة، وتوكيد الهوية القبلية أو المذهبية، وتفريغ الشحنات العاطفية المكبوتة… , لكنها، في العمق، طقوس تعويضية؛ إذ يستعاض بها عن الغياب المدني والدولة الفاعلة والوعي والعقلانية .

اذ يخضع المجتمع العراقي لبنية عشائرية وطائفية تتغذى على “التمثيل الرمزي” لا “الفعل الجوهري”… ؛ فالولائم والمواكب الدينية والجنازات هي مناسبات يُعاد فيها إنتاج المكانة الاجتماعية عبر الظهور، وليس عبر الإنتاج… ؛ أما العمل المدني والفكري فلا يمنح المشارك “رأس مال رمزيّاً” سريعاً؛ فهو لا يُصوَّر في وسائل التواصل، ولا يُرفع به صوت في المنابر، ولا يُورث به وجاهة عشائرية… ؛ إنه “فعل حقيقي” يعري النفس ويُظهِر كفاءاتها الحقيقية ، وهذا يشكّل تهديداً للأنا الجمعية التي اعتادت الاختباء خلف الأقنعة الطقسية والشكلية .

نعم , على الصعيد الاجتماعي، تعاني البيئة العراقية من تراجُع الشعور بالمواطنة الجامعة لمصلحة ولاءات أوّلية ضيّقة، طائفية وعشائرية وفئوية… ؛ وهذا التفسّخ في النسيج الوطني يجعل الاستجابة للنداء الفكري العامّ – الذي يخاطب الإنسان من حيث هو مواطن وعقل – في منزلة أدنى كثيراً من الاستجابة للنداء الدينيّ أو العشائريّ الذي يخاطب هويّةً جاهزةً وولاءً غريزيّاً… ؛ ففي الجنازة، يحضر الجميع لأنّ الحضور واجب عشائريّ تترتّب عليه مكانة الفرد في جماعته، وفي المأدبة تُشبَع حاجة آنيّة، وفي المنبر الدينيّ يتحقّق الانتماء العاطفيّ إلى كتلة كبرى تمنح الفرد إحساساً زائفاً بالقوّة والنجاة… ؛ أمّا المشروع الفكريّ، فهو يتطلّب خروجاً من هذه الدوائر الضيّقة إلى فضاء وطنيّ عامّ لا يمنح مكافآت رمزيّة فوريّة.

ويزداد الأمر تعقيداً حين نلاحظ تغليب المصالح الشخصية والفئوية الضيّقة على المصالح الوطنية الكبرى… ؛ العمل الجماعيّ الفكريّ بطيء المردود، غير مضمون النتائج، ولا يوفّر فرصة للرياء الاجتماعيّ والتفاخر الأجوف الذي تتيحه أنماط أخرى من المشاركات الاجتماعية كما اسلفنا .. , فهو مشروع حقيقيّ يتطلّب جهداً متواصلاً ونقداً ذاتيّاً، بينما كثير من أنماط الحضور الأخرى – دينيّة كانت أم عشائريّة – تمنح الفرد فرصة “الاستعراض” الرمزيّ السريع أمام محيطه، بما يشبه مسرحاً اجتماعيّاً ينال فيه الممثّل تصفيقاً عاجلاً.

الأنشطة الفكرية لا تقدّم هذا المسرح، لأنّها في جوهرها صامتة، عميقة، بطيئة الظهور في العلن، ولا تصلح مادّةً للتفاخر المباشر.

ويزيد الطينَ بلّةً ما يمكن تسميته بـ”انخفاض مستوى الوعي الفكري والثقافي”، وهو ليس حكماً أخلاقيّاً بقدر ما هو نتيجة لسياسات إفقار تعليميّ وإعلاميّ مورست لعقود، حوّلت الإنسان من كائن متأمّل إلى مستهلِك سلبيّ للخطاب الموجّه.. , فالعقل الذي لم يتعوّد على التفكير النقديّ يصعب عليه أن يجد جدوى ذاتيّة في مشروع تنويريّ لا يقدّم له منفعة ملموسة.

**ثانياً: الجذور والدوافع النفسية

من منظور التحليل النفسي، يكشف هذا السلوك عن “آلية دفاع” جماعية… ؛ فالإنسان العراقي، بعد عقود طويلة من الحروب والحصار والازمات والانتكاسات والمشاكل الأمنية والتحديات والتهديدات الخارجية ، أصيب بما يمكن تسميته بـ”صدمة الوعي المفرط”… ؛ فالعمل الفكري التنويري يتطلب مواجهة الذات والعالم، أي استدعاء القلق الوجودي، بينما المأدبة والمنبر والجنازة توفر طقوساً تخدر الشعور بالفناء وتوهم بالانتماء دون تكليف.

إن التعب النفسي المذكور ليس مجرد إعياء بيولوجي، بل هو “لامبالاة مكتسبة” تجعل الفرد يلوذ بالجموع في المناسبات السهلة، ويهرب من الوحدة المعرفية التي يفرضها المشروع الثقافي.. ؛ فالمشروع التنويري، بجوهره، يدعو إلى التفرد في الرأي والمسؤولية الفردية، وهذا ما تراوغه الذات العراقية التي تعودت على الائتمار بالجماعة في السراء، والتشرذم في الضراء الفكرية.

نعم , لعلّ أكثر الأبعاد خفاءً وأشدّها تأثيراً هو البعد النفسيّ… ؛ لقد عانى العراقيّون من حروب متلاحقة، وحصار خانق، وعنف طائفيّ مدمّر، وانهيارات متكرّرة في الأمن والاقتصاد والخدمات… , هذه التراجيديا المتواصلة أنتجت إنساناً منهكاً نفسيّاً إلى أقصى درجات الإنهاك، شارد الذهن، مشتّت الانتباه، مصاباً بشتّى أشكال القلق والاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة… , والفعل الفكريّ والثقافيّ المشترك يحتاج – في الحدّ الأدنى – إلى صفاء نفسيّ، وإلى قدرة على التركيز والتأمّل، وإلى ترفٍ روحيّ يسمح للفرد بأن يُعمل عقله في ما يتجاوز ضرورات البقاء اليوميّ. فكيف لمن يكافح من أجل تأمين لقمة العيش والنجاة بنفسه وأسرته من الفوضى أن يجد في نفسه طاقةً لقراءة كتاب في الفلسفة، أو للمشاركة في ندوة عن الإصلاح السياسيّ، أو للانخراط في مشروع إعلاميّ تنويريّ لا يدرّ عليه مالاً ولا جاهاً؟

وهنا تبرز مفارقة نفسية دقيقة: الإنسان المنهك يبحث عن ملاذات تعيد إليه إحساسه بالانتماء والتضامن من دون أن تكلّفه جهداً ذهنيّاً مضنياً… ؛ الشعائر الدينية الجماعية والمناسبات العشائرية تقدّم هذا النوع من “الراحة النفسية” عبر طقوس مألوفة، تمنح تخفيفاً آنيّاً للقلق، وتوحي بالاتصال بقوّة متعالية أو بهويّة جماعية صلبة، في مقابل فوضى الحياة اليومية.. ؛ أمّا العمل الفكري، فهو على العكس من ذلك، لا يمنح طمأنةً بل يثير أسئلة، ولا يسكّن القلق بل يوقظ العقل، وهذا ما لا طاقة لكثير من النفوس المنهكة على احتماله.

 

**ثالثاً: البُعد السياسي – الخوف والخطوط الحمراء

الخوف من السلطة وغيرها من القوى، لأن هذه المشاريع قد تصطدم مع تلك القوى أو تتجاوز الخطوط الحمراء.

وهنا تتبدى الحقيقة الجوهرية: المشاريع الفكرية والإعلامية الحرة تمثل تهديداً معرفياً للسلطة القائمة ومراكز النفوذ التقليدية والقوى الماضوية و المتكلسة ، لأنها تُحدث قطيعة في الخطاب المسيطر، وتُشكّل فضاءً بديلاً للوعي… ؛ أما الطقوس التقليدية -المأدبة والمنبر والجنازة- فهي آمنة سياسياً؛ لأنها لا تهدد البنى القائمة، بل تُكرّسها أحياناً… ؛ فالخطيب الديني يُخاطب الوجدان لا العقل، والسلطة تستطيع توظيفه أو تحييده… ؛ أما المثقف التنويري، فخطابه يُحدث زلزالاً في اليقينيات، وهذا ما لا تغفله الأنظمة الشمولية والتقليدية .

وهنا نلمس “نفوراً” حقيقياً بين العراقي ومشروعه الثقافي الوطني، وهذا النفور ليس مجرد انقطاع عابر، بل موت رمزي للفعل الجمعي الواعي، استُبدل فيه الفعل الوطني بالفعل الطائفي أو العشائري.

ففي الأنظمة الاستبدادية، كان المثقفون والمنظّمات المدنية أولى ضحايا القمع… ؛ ومع انتقال الخوف إلى اللاوعي الجمعي، صار أي عمل فكري يمس “الخطوط الحمراء” يُستبطن مسبقاً كمغامرة خطيرة… ؛ لكن الأعمق من ذلك أن السلطة، حتى وإن تغير شكلها، تبقى في وجدان الفرد كأبٍ زائري يريد له أن يظل في دائرة الرعي التقليدي، لا في فضاء السؤال الحر.. , لذلك يتراجع العراقي نحو الطقوس الدينية والعشائرية التي لا تصطدم بالسلطة، بل غالباً ما تتوافق معها .

أما الفعل التنويري، فهو فعل تفكيكي بامتياز، يطالب الفرد بمواجهة عيوبه، ونقد موروثه، وتحمل مسؤولية خياراته المعرفية. وحين يعيش المجتمع حالة من “الاضطراب ما بعد الصدمة” نتيجة عقود من الاستبداد والأزمات المركبة، يتحول العقل الجمعي من حالة “البناء والتطوير” إلى حالة “البقاء على قيد الحياة”… ؛ في هذه الحالة، يُصبح الفكر ترَفاً خطيراً، ويُصبح الانضواء تحت راية المألوف والتقليدي هو الملاذ الآمن، حتى وإن كان سياقاً خاوياً من المضمون.

إن العزوف عن العمل الفكري والثقافي المشترك ليس خياراً فردياً محضاً، بل هو نتاجٌ متراكم لحقبة طويلة من القمع والاستبداد، حوّلت كلّ فعلٍ ثقافيّ مستقلّ إلى فعلٍ مشبوه في عين السلطة… ؛ فمنذ عقود، ارتبطت الأنشطة الفكرية الحُرّة في العراق بالخطر كما اسلفنا ، إذ نظرت إليها الأنظمة المتعاقبة – بأساليب مختلفة – كمساحة للوعي المضادّ الذي قد يتحوّل إلى مهدّد وجوديّ لشرعيتها. وقد تجسّد ذلك في آليات الرقابة والترهيب والترغيب، وفي تكريس “الخطوط الحمراء” التي لا تُتجاوز إلا بثمن باهظ.

واليوم، ورغم زوال النظام الشموليّ القديم، بقيت ثقافة الخوف وتعدّدت منابعها؛ فالقوى المتنفّذة من أحزاب وميليشيات وفاعلين مسلّحين تتعامل مع أيّ مشروع فكري نقديّ لا يخضع لسلطتها بصفته خصماً يجب وأده أو تطويعه.. , والمشاريع الثقافية والتنويرية، بطبيعتها، تصطدم بتلك الخطوط الحمراء التي تُحيط بالمسلّمات التي قامت عليها منظومات النفوذ الطائفيّ والسياسيّ. ولهذا فإن الخوف من السلطة، ومن الفاعلين غير الرسميين الذين يمارسون عنفاً مادّياً ورمزيّاً، يقف حائلاً نفسيّاً وواقعيّاً بين الفرد والانخراط في العمل الثقافيّ العام.. , فالناس قد يرون بأمّ أعينهم مصائرَ أولئك الذين تجرّأوا على اقتحام هذه المساحة، فيكون الصمت والخمول استراتيجيةَ بقاء لا خياراً حرّاً.

 

** رابعاً: قراءة فلسفية في جدلية الفعل والانفعال

من منظور هيغلي، يمكننا قراءة هذه الظاهرة كجدلية بين “الوعي الجمعي الكامن” و”الوعي الجمعي الظاهر”. فالعراقي يمتلك وعياً كامناً بالعدالة والحرية، لكن هذا الوعي محجوب بفعل القمع المتكرر، فيلجأ إلى “الوعي الزائف” الذي يتجلى في الطقوس التعويضية. أما المشروع التنويري، فيستهدف تحويل الوعي الكامن إلى وعي ناقد، وهذه عملية مؤلمة، لأنها تتطلب إعادة تشكيل للذات الجمعية، وهذا ما يُفسّر النفور.

أما من منظور سارتر، فيمكن القول إن العراقي يعيش “سوء النية” (Mauvaise foi)؛ فهو يتهرب من حريته ومسؤوليته كفاعل تاريخي، مختاراً الانغماس في “الغثيان” الجمعي للطقوس الخالية من المضامين. فالطعام والمنبر والجنازة أفعال تُمارَس “بالنسبة للآخر”، بينما المشروع الفكري فعل يُمارَس “بالنسبة للذات”، وهذا يتطلب شجاعة وجودية يفتقدها كثيرون.

التراث الفلسفي يعلّمنا أن العقل في حالة الهروب من الحرية، كما صاغها إريك فروم، يلجأ إلى الامتثال السلبيّ وإلى آليات التخلّي عن الذات. المجتمع الذي يعاني من ضغط الخوف والحاجة يميل إلى أن يلد أفراداً يفضّلون الانصهار في الجمع الغفير على مواجهة قلق الاختيار الشخصيّ والموقف الفكريّ المسؤول.

وفي السياق العراقي، يصبح “المنبر الديني” و”المأدبة” و”العزاء” فضاءات للانصهار الآمن، بينما تظلّ “الندوة الفكرية” و”المنصّة الإعلامية المستقلّة” فضاءات للخطر الوجوديّ، لأنها تطلب من الفرد أن يقول “أنا” في مواجهة “نحن” غامضة، وأن يطرح أسئلة قلقة في مواجهة أجوبة جاهزة.

 

 

**خامساً: شواهد من الواقع العراقي

لا تقتصر هذه الظاهرة على الانطباعات، بل تدعمها شواهد ميدانية كثيرة. في استطلاع للرأي أجرته إحدى منظمات المجتمع المدني العراقية عام 2021، تبيّن أن 78% من المستطلَعين يشاركون بانتظام في مناسبات دينية وعشائرية، بينما لا تتجاوز نسبة المشاركة في الفعاليات الثقافية والفكرية 6%، وتنخفض إلى ما دون 2% إن كانت هذه الفعاليات ذات طابع نقديّ أو تنويريّ مستقلّ… ؛ وعلى المستوى النوعيّ، يُلاحظ أن المقاهي الثقافية والمنتديات الفكرية التي كانت تموج بالحياة في بغداد والبصرة والموصل خلال النصف الثاني من القرن العشرين قد تقلّصت إلى جيوب صغيرة تكاد لا تُرى، بينما تضخّمت مساحات الخطاب الدينيّ والعشائريّ في الفضاء العام.

لنأخذ مثلاً ظاهرة “المسرح”، فحين يُقام عرض مسرحيّ تجريبيّ يناقش قضايا الحرية والعدالة، قد لا تجد في الجمهور سوى العشرات، ولكن حين يُعلن عن مجلس عزاء لشخصية دينية أو عشائرية، يحتشد الآلاف… ؛ وفي الصحافة، ازدهرت المواقع الإلكترونية والمنصّات الإعلامية التي تقدّم محتوى سطحياً وتحريضياً، بينما تكافح المنصّات الثقافية الجادّة من أجل البقاء في غياب التمويل وغياب الجمهور معاً… ؛ وحملات التطوّع البيئي أو المدني تجد بعض المتطوعين الشباب، لكنّها تظلّ محدودة ما لم ترتبط بجهة دينية أو سياسية تقدّم لهم “غطاءً” وحوافز معنوية أو مادية.

أما شاهد “الخطوط الحمراء” فليس أدلّ عليه من الاغتيالات والاعتقالات التي طالت ناشطين وإعلاميين ومثقّفين تجرّأوا على الخوض في ملفّات الفساد أو السلاح المنفلت أو الحريات العامة، وهو ما يرسّخ في اللاوعي الجمعي معادلةً واضحة: السلامة في العزوف.

 

**سادساً: أفق الحلّ: استعادة العقل من المنفى

لا يمكن ردم هذه الهوّة بالوعظ الأخلاقيّ أو بالدعوات الخطابية وحدها… ؛ إن استعادة الفعل الفكري المشترك في العراق تقتضي معالجة الأسباب الهيكلية الثلاثة مجتمعة: السياسية والاجتماعية والنفسية.. , وهذا يعني بناء فضاء عامّ آمن تحميه دولة القانون، وإعادة تأهيل المؤسسات التعليمية والإعلامية لتربية عقل ناقد، وتوفير حدّ أدنى من الاستقرار الاقتصادي والنفسي الذي يُخرج الإنسان من دائرة الصراع اليوميّ على البقاء إلى أفق الاهتمام بالشأن العام.

كما تستدعي الحاجة استراتيجيات ثقافية بديلة تنزل إلى أرض الواقع، ولا تكتفي بالانتظار السلبيّ للجمهور.. , من ذلك استثمار الفضاءات الوسيطة التي يرتادها الناس فعلاً – كمقاهي الشباب ووسائل التواصل الاجتماعي – لتقديم محتوى تنويريّ جذّاب، وبناء جسور بين النخب المثقّفة وبين القواعد الاجتماعية العريضة بلغة مفهومة وقضايا ملموسة… ؛ ولعلّ أهمّ ما ينبغي العمل عليه هو إنتاج “قدوات فكرية عامة” ونماذج ناجحة تُري الناس أن العمل الثقافيّ ليس انتحاراً، وأن من الممكن أن يكون مشروعاً مجتمعيّاً يمنح معنى ويصنع تأثيراً دون أن يُفقد صاحبه الأمان.

إن ظاهرة العزوف عن العمل الفكري والثقافي المشترك ليس مجرّد كسل أو لامبالاة، بل هو الوجه الآخر لانكسار عميق في روح المجتمع، انكسار صاغته الطغاة والحروب والانقسامات والصراعات والاحتلالات والنكبات والانتكاسات على مدى عقود طويلة كما اسلفنا ، فصار بين العراقي وبين مشروعه التنويريّ سدّ من حديد … ؛ لكن الحديد ذاته يمكن أن يُطرق ويُشكّل من جديد إن توفّرت النار الكافية والمطرقة الصبورة.. , فلعلّ استنهاض العقل الجمعي العراقي يبدأ من الاعتراف بحجم المأساة، ومن إدراك أن الطريق إلى الاجتماع على الفكرة أصعب وأطول وأكثر جدارة بالإنسان من الاجتماع على القِدر والجنازة، وأنه الطريق الوحيد الذي يصنع من الجموع شعباً، ومن المتفرّجين مواطنين.

**الخلاصة

إن العزوف عن المشاركة في العمل الفكري والتنويري والثقافي والاعلامي الجماعي ليس مجرد زهد بالثقافة، بل هو آلية دفاعية لمجتمع منهك نفسياً، ومحاصر سياسياً، ومجزأ اجتماعياً.

ولعلَّ معالجة هذا العزوف تبدأ بإعادة تعريف “المشترك الوطني”، بحيث لا يبقى الفكر ترفاً، ولا يصبح الجمهور مجرد متفرج، بل يتحول إلى فاعل يؤمن بأن التنوير والتفكير ليس مشروع نخبة، بل هو مأدبة العقل التي إن لم يحضرها الجميع، جاعت النفس ومات الوطن.

نعم , لن ينهض هذا الحراك إلا بإعادة بناء مفهوم “المواطنة والامة العراقية والهوية الوطنية ” وتحرير الفرد من الخوف البنيوي، وتحويل الثقافة من طقس نخبوي معزول إلى أداة يومية تلامس حاجات الإنسان الأساسية وتحترم كرامته… ؛ ولن يخرج هذا المجتمع من عنق الزجاجة إلا حين يصبح “المشروع الفكري” تماماً مثل “المأدبة”: أمراً تُنفخ له النار فلا يتأخر أحد، وحين يصبح المثقف مثل الخطيب، يُهرع إليه من كل فج عميق، ليس للاستماع فقط، بل للمشاركة والبناء.

وعلينا أن نعي أن المقاومة الحقيقية للتخلف والتقهقر ليست في محاربة الطقوس الماضوية والعادات والتقاليد الاجتماعية ، بل في تطعيمها بالوعي النقدي، وتحويل المأدبة إلى ندوة، والمنبر إلى منصة حوار، والجنازة إلى تأبين للأفكار الميتة والرؤى الظلامية لا للأجساد فقط… ؛ فالمشروع التنويري لا يصطدم بالضرورة مع التراث، بل يعيد قراءته في ضوء العقل، وهذا هو السبيل الوحيد لإنهاء تلك المقاطعة الطويلة بين العراقي وعقله الجمعي.

والوحدة الوجودية والثقافية ، تسبق أي وحدة سياسية منشودة.

فهل آن الأوان لرفع هذا الحاجز ، وإحياء الفعل الثقافي من بين رماد اليأس؟

الإجابة تبقى معلقة على همّة النخب، وصبر المثقفين، وشجاعة المواطن في اقتحام فضاء الحرية، مهما كلفه ذلك من نفور وعداء … .

عرض

اترك رد