منبر العراق الحر :
لم يكن صوتي حين نطقتُ باسمي لأوّل مرة. كنتُ واثقةً من ذلك.
ثمة انزياحٌ طفيفٌ في النبرات، كما لو أن شخصًا آخر يحاول استعارة حنجرتي، شخص يختبئ خلف اللسان، يراقبني من الداخل بعينين أعرفهما جيدًا.
كانت ناهد دائمًا هناك.
عندما كنّا صغيرتين، كانت أمي تفرّق بيننا بصعوبة، لكنّ شيئًا في نظرتها لم يكن مرتاحًا لهذا التشابه. كانت تراقبنا بحذرٍ مبالغٍ فيه، كمن يخشى أن يغمض عينيه للحظةٍ فيجد العالم قد انقلب رأسًا على عقب. تصرُّ على أن ترتدي ناهد شرائط زهرية في شعرها، بينما تتركني بشعري حُرًّا، وكان هذا يزعجني؛ فكنتُ أخلع عنها الشرائط حين نلعب وحدنا، أحرر خصلاتها لتتشابه مع شعري، فنتبادل الأدوار، نختلط ببعضنا كما لو أن أجسادنا لا تعرف الحدود.
ثم جاء ذلك اليوم الذي اختفت فيه ناهد.
استيقظتُ صباحًا، فوجدتُ فراشها باردًا، أمي صامتة، الهواء في الغرفة ساكنًا كما لو أن شيئًا قد امتصَّ الحياة منه. “ناهد ماتت”، قالت بصوتٍ يشبه همس الريح بين نوافذ مكسورة، لكنها لم تنظر في عينيّ وهي تقولها.
لكنها لم تختفِ حقًا.
في البداية، كانت مجرد ظلالٍ خاطفة، انعكاساتٍ لا تتبعني تمامًا، خطواتٍ ثالثة حين نمشي أنا وأمي وحدنا. ثم بدأت أسمعها، همساتٍ تتسلل من طرف لساني حين أتحدث، ضحكةً لم أطلقها، شهقةً لم أتنفسها. وفي إحدى الليالي، حين وقفتُ أمام المرآة أمشّط شعري، رفعتُ رأسي فجأة…
فرأيتُ عينيها تحدّقان بي من انعكاسي.
لم أصرخ. لم أتحرك. فقط وقفتُ هناك، أشعر بجسدي ثقيلًا كصخرةٍ غارقة في قاع بحرٍ مظلم. الطرق العنيف على الباب أعادني إلى الواقع، صوتُ أمي مختنقٌ خلف الخشب:
– “نورا؟ افتحي، حبيبتي، افتحي الباب…”
لكنني لم أكن متأكدة إن كان هذا اسمي.
كلما مرت الأيام، صار التداخل بيننا أكثر… تطفُّلٌ ناعمٌ في البداية، لمساتٌ خاطفةٌ في الحركات، كلماتٌ ليست كلماتي، ثم شيئًا فشيئًا، امتدادٌ غريبٌ يجتاحني، كيدٍ شفافةٍ تمتدُّ داخل جلدي وتتحكّم بي تحكّم عازف بأوتار الكمان. وحين نظرتُ في المرآة ذات صباح، لم يكن هناك وجهٌ مألوفٌ أمامي.
لم تكن ناهد، ولم أكن أنا.
في المطبخ، جلستُ أمام أمي، كانت عيناها معلقتين بقلادةٍ فضيةٍ في يدها، تتحسّسها بأصابعها كما لو كانت تذكّرها بشيءٍ تحاول نسيانه. التفتت إليّ ببطء، وكأنها كانت تتوقع هذا اليوم منذ زمنٍ بعيد.
– “نورا؟”
لكن صوتها ارتجف، كما لو أنها ليست متأكدة من الاسم الذي نادتني به.
رأيتُ رعشةً طفيفةً في يدها، تلك اليد التي لمست وجهينا مرارًا حين كنّا طفلتين، تحاول أن تفرّق بيننا بأطراف أصابعها، كعمياء تتحسّس ما لا تستطيع عيناها رؤيته.
لكنني الآن عرفتُ.
أمي لم تفقد ابنتها يومها.
لقد فقدتْ يقينَها بمن بقي.
#دعبيرخالديحيي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر